سوريا: اوراق تكفي للانتحار

حسام عيتاني- السفير

 

صراع غير متناظر هذا الذي يجري بين الامم المتحدة وسوريا. انعدام التناظر لا يعود الى الاختلال في موازين القوى بين دمشق والمجتمع الدولي الذي يصحّ اختصاره بالولايات المتحدة، بل في التباين الكبير بين فهم أهداف الصراع وبين وسائله، من الجانب السوري على الاقل.
تبحث واشنطن، وهي صاحبة القرار الوحيد في المجتمع الدولي بغضّ النظر عن عدد اعضاء مجلس الامن، عن ادوات لافتعال المآزق امام الحكم في سوريا. ويتمثل <<التعاون>> المطلوب من دمشق في توفير الذرائع لهذه الضغوط وفي الاسراع في الوقوع في الأفخاخ والمآزق. وهو ما يقوم به الجانب السوري بكل أريحية. لقد وفّر من العثرات والزلات التي سقط فيها ما يكفي لمضاعفة الضغوط عليه. و<<التعاون>> الذي يطلبه القرار 1636 من دمشق هو بالضبط، مواصلة السير على هذا الطريق.
ربما يدرك المسؤولون السوريون ان المطلوب دولياً (اميركياً) هو إسقاط النظام، وان هناك من يتولى استفزازهم عبر الضرب على اوتار الاسماء التي يبقيها النظام محجوبة عن تداول العامة من مواطنيه وتدبيج السيناريوهات عما ينتظر اصحاب هذه الاسماء من محاكمات وإجراءات، بغية إظهار النظام بمظهر العاجز عن حماية نفسه واقطابه. لكن الاوراق التي يحملها السوريون والتي يعتقدون انها ستوفر لهم القدرة على الردّ، تكفي فقط لزيادة الصعوبات امامهم من دون ان تفتح لهم باباً للحل، اللهم اذا كانت مفاوضات سرية تجري بعيداً عن الأعين والاسماع، وهذه من صفات أنظمة الممانعة العريقة.
إذاً، تكفي الاوراق السورية لتفجير الموقف في لبنان، سواء في الجنوب أم الداخل. وهناك مؤشرات على رغبة إسرائيلية في الاستجابة الى هذا المسعى، كتوتير الحدود وحشد القوات وتكثيف الانتهاكات الجوية فوق لبنان وتحذير سكان المستوطنات الشمالية... وقد يشكل هذا الخيار الشمشوني فرصة لقلب الطاولة في المنطقة برمّتها وتوسيع رقعة الحرائق الى درجة غير مسبوقة لتمتد من العراق إلى فلسطين، لكنه لا يتضمن أي تصور لليوم التالي، أي لليوم الذي يحلّ بعد تدمير لبنان وسوريا من قبل شارون وحلفائه. ومع كل نبل وعظمة الملحمة الكربلائية التي يريد البعض تكرارها في لبنان، يحق للبنانيين التساؤل عما سيجنونه منها اليوم وعن حق كل طائفة في تحويل ميثولوجيتها الى واقع سياسي يشمل كل اللبنانيين، ما يطرح السؤال عن الإجماع الوطني اللبناني بشأن مسائل الحرب والسلام الكبرى وصحة وضعها في يد طوائف بعينها مهما تحلّت قيادات هذه الطوائف او أحزابها بالحكمة.
فالحكمة لا تحل أبداً محل الشرعية، ولهذه الاخيرة آليات تختلف جذرياً عن آليات الارتقاء الحزبي او الطائفي. وذلك من دون ان يخفى افتراض حسن النية في القيادات الحكيمة، وعدم تلوثها في وحول الطائفية، وهو افتراض تزداد الحاجة الى إثباتات عليه بقدر ازدياد المخاوف الطائفية اللبنانية.
يبرز غياب التناظر الاميركي السوري هنا مرة ثانية: تقوم استراتيجيا الرد السورية على تخطئة كل العالم والاستمساك بصواب اصحابها. ان الافراط في التأكيد على <<لا شرعية>> القرارات الدولية، على ما يذهب اليه بعض <<فقهاء>> القانون الدولي السوريون، ليست اكثر من تأكيد العزلة عن العالم والخروج عليه. فالقرارات الدولية عدا عن كونها تمثل موازين القوى العالمية لحظة صدورها، فهي جزء لا يتجزأ من القانون الدولي وهي من روافده الاساسية، ادرك ذلك بعض جهابذة المتحدثين باسم سوريا ام لم يدركوا. عليه يكون تحدي هذه القرارات، هو عينه تحدي الشرعية الدولية. فاذا رأى الحكم في سوريا في نفسه القدرة على ذلك، فليقم به.
الامر الآخر الذي توحي به المبالغة في تعداد سلبيات القرارات والتقارير الدولية هو الاعتقاد أن تفنيد الاساس القانوني لهذه القرارات والتقارير يكفي لإلغائها وسحبها من التدوال وإفحام اصحابها وإسكاتهم. او ان يعمد <<الناقد>> الى فضح التأثير الاميركي والاسرائيلي في هذا المقام وذاك المجال، استناداً الى فكر يقيم الفضح في مقام النقد، والامران شتان. ثم ان الولايات المتحدة لا تخجل من هيمنتها على العالم سياسيا واقتصاديا وثقافيا، فمن اين يأتي الخطباء السوريون واللبنانيون بالاعتقاد انهم بتسليطهم الضوء على اتساع النفوذ الاميركي في المنظمة الدولية او غيرها سيجعلون اميركا تحمّر خجلاً؟
المسألة غير ذلك تماماً. بل حتى لو ثبتت الدقة الكاملة للطروحات السورية، وهذا غير وارد بطبيعة الحال، فإن القرارات هذه تقوم على اساس سياسي وليس قانوني. <<التسييس>> الذي طالما جرى التحذير منه موجود منذ ما قبل صدور تقرير ميليس، بل منذ ما قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحتى قبل اصدار القرار 1559 (الذي، وللذكرى، وصفته دمشق بالقرار <<التافه>> قبل ان يكتشف أحد المتحدثين باسمها أنه يعني فقط القوات الاسرائيلية في مزارع شبعا). <<التسييس>> هذا، موجود في سعي دؤوب، بطيء انما ثابت، توّج بإقرار <<قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان>> في الكونغرس الاميركي. وكل ما جرى بعد ذلك، سواء في لقاء الرئيسين جورج بوش وجاك شيراك في حزيران من العام 2004، وغيره من الاجتماعات، كان عوامل تسريع وتنشيط للتفاعل. لقد ثبّت <<قانون محاسبة سوريا>> بوصلة التحرك الاميركي على المسار السوري وما أعقب ذلك يصب في الخانة الاجرائية والتنفيذية، وسيان ما اذا كان أنصار اسرائيل في الولايات المتحدة او عتاة المحافظين الجدد هم من يقف وراء القانون. المهم انه اطلق دينامية سياسية عالمية تستهدف سوريا التي تسدي بسياساتها خدمات لأصحاب القانون المذكور.
لا يعفي ما سبقت الإشارة اليه، الحكم في سوريا من مسؤولية الازمة الراهنة. واذا كان الحكم يعي ان الهدف الاول والاخير هو إسقاطه، فمسؤوليته مضاعفة في توفير الذرائع اولاً وفي سوء قراءة التحولات الدولية منذ 11 ايلول 2001 على اقرب تعديل، ثانياً، وفي بؤس خياراته اللبنانية كالتمديد لأميل لحود وفي تشكيل الحكومة الاولى في عهده الممدّد إضافة الى نوع من العناد الطفولي في الاصرار على جعل السياسة مهنة رجال امن شرهين بقدر ما هم معدومو الخيال وضيقو الافق، ثالثا، وفي انكشاف هشاشة مشروع الاصلاح الداخلي السوري، رابعا واخيرا.
ان الموقف المترفع من بعض السياسيين اللبنانيين الذين يتركون أمر التغيير في سوريا للشعب السوري، ينطلق من رغبة في عدم إثارة حساسية النظام هناك ضدهم، لكنه لا يلغي حقيقة الارتباط القائم حتى اليوم بين مستقبل البلدين، او <<وحدة المسار والمصير>> على ما كان يقول سياسي لبناني من حلفاء دمشق، وهو مستقبل تشوبه غيوم داكنة.
والاستقواء على اللبنانيين بالتفويض الدولي الذي كان الحكم في سوريا يتمتع به لادارة شؤون بلدهم منذ اتفاق الطائف حتى صدور القرار 1559، قابل القبول كله للتحول الى استضعاف ناجم عن سحب التفويض هذا، لينحو منحى اخذ لبنان واللبنانيين رهائن ضعف النظام في سوريا واهتزازه. فيحوّل لبنان الى كيس رمل للحكم في سوريا يدفع ثمن تمرد قادتها على المجتمع الدولي، فيما يصنف المتسائلون عن منطق المواجهة في ظل المعطيات الراهنة كعملاء للخارج. ورأس الحكمة امام الظرف الحالي هو الوقوف موقف <<المرجئة>> من خلال التركيز على سلبيات الخيار الاميركي والامتناع في الوقت ذاته عن توجيه اللوم الى اصحاب الحل والربط الذين اوصلوا الحال الى المحال.
ما المخرج من وضع هذه ملامحه؟
قد يكون من الادعاء الفارغ القول ان هناك مخرجاً يقوم على نقاط يمكن إدراجها في بضعة اسطر، كتنحّي كبار المسؤولين السورين عن مناصبهم واستدعاء لجنة دولية للإشراف على انتخابات ديموقراطية او غير ذلك من الطروحات الطوباوية. فنحن امام وضع في غاية التعقيد. فلا الشرعية الدولية، بصيغتها الاميركية، تسير على خط واحد مع مصالح شعوب المشرق العربي والعراق نموذج لا يغري عاقل ولا انظمة الحكم العاجزة عن الارتقاء الى مستوى مسؤوليتها التاريخية، نجحت في حل أي من المشكلات التي تنطّحت لحلها، هذا قبل ان تقود بلادها الى طريق كل منافذه مسدودة. وليس هناك ما يبشر بإمكان بناء اكثريات جديدة في سوريا ولبنان تستطيع ان تقدم أي شكل من اشكال البرامج المستقبلية. فجوهر الصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها ليس اكثر من تردّد قصير بين اختيار الاستسلام من دون قيد او شرط وبين الاستسلام المشروط. هكذا كانت سيرة <<الممانعة>> في عراق صدام حسين وهكذا سيرتها اليوم، في وقوفها الحائر بين السلطوية والعدمية.
لدينا، بالمختصر، من الاوراق ما يكفي للانتحار قد يأخذ اسم <<ممانعة>> او غيرها من اسماء الرفض الحسنى، فيما تخلو الجعبة من أي ورقة يمكن استخدامها في <<اليوم التالي>>.