سوريا على طريق العراق؟

د. أحمد يوسف أحمد - الاتحاد

 

عندما صدر القرار 1636 عن مجلس الأمن في آخر أيام الشهر الماضي شُغل عدد من المحللين والمراقبين بسؤال بالغ الأهمية يتعلق بمستقبل سوريا، وما إذا كان يشير إلى علامات طريق مشابهة لتلك التي سار العراق -أو بالأحرى سُيِّر- على دربها ما بين عامي 2002 و2003 صحيح أن هناك فروقاً كبيرة في التفاصيل بين الحالتين، لكن القاسم المشترك بينهما والذي يجعل طرح هذا السؤال ضرورياً أن كلاً من سوريا والعراق قبل احتلاله -بغض النظر عن درجة الاتفاق أو الاختلاف مع سياساتهما الداخلية والخارجية- قد مثل موقعاً مهماً من مواقع الممانعة للسياسة الأميركية في المنطقة في زمن عزت فيه هذه الممانعة، وبالتالي فإن استهدافهما سياسياً صار مطلوباً لكي تتم تسوية هذه الممانعة بالأرض في المنطقة كما يحلم الأميركيون والإسرائيليون
في الحالة العراقية تكفلت أخطاء السياسة العراقية في الكويت ومن قبلها في إدارة الصراع مع إيران -ناهيك عن الصيغة الشمولية لنظام الحكام- بإعطاء ذرائع للسياسة الأميركية التي أضافت لها كذبة أسلحة الدمار الشامل في ذلك السياق صدر القرار 1441 عن مجلس الأمن ليطالب العراق بالامتثال لفرق التفتيش عن الأسلحة المزعومة وفق شروط شديدة القسوة، ولم يكن التلويح بعقوبات للعراق إن لم يفعل وارداً لأنه كان خاضعاً بالفعل لعقوبات منذ غزوه للكويت في ،1990 ولكن القرار هدد العراق ''بعواقب وخيمة'' إن لم يمتثل كان يُفترض أن تتم العودة بشأنها لمجلس الأمن كي يقرر ماهيتها لكن السياسة الأميركية التي عجزت في حينه عن أن تكتسي بحلة الشرعية الدولية حسمت فرضية عدم الامتثال، وحددت بمعرفتها هذه العواقب الوخيمة، وقامت بغزو العراق فاحتلاله، فدمرته أو كادت، وغاصت من جانبها في مستنقع أغلب الظن أنه سيودي بالبقية الباقية من شرعية الإدارة الأميركية الراهنة
في الحالة السورية استخدمت أخطاء السياسة السورية في لبنان منطلقاً للهجوم، مع الوعي بطبيعة الفارق الجذري بين التدخل العسكري السوري في لبنان الذي تم بدعوة رسمية من حكومته وظل لآخر لحظة يحظى بدعم من قبل قوى سياسية يُعتد بها في لبنان وبين الغزو العراقي للكويت، ولذلك احتاج الأمر جريمة بحجم اغتيال الرئيس الحريري كي يتم إجبار سوريا على تنفيذ الشق الخاص بها من القرار 1559 وهو الخروج من لبنان غير أن المسألة لم تقف عند هذا الحد وما كان لها أن تقف، لأن المطلوب أميركياً ليس مجرد اكتشاف حقيقة قتلة الحريري، بل لعل هذا لا يكون مطلوباً أصلاً، فالهدف هو توظيف الجريمة سياسياً لتصفية الحسابات مرة واحدة وإلى الأبد مع النظام السوري، فإما انصياع تام للسياسة الأميركية يجعل منه نظاماً مختلفاً بعد أن يكون قد تكيف ''استراتيجياً'' مع هذه السياسة وفق ما تطالب به كوندوليزا رايس، خاصة وأن هذا البديل قد يحفظ لها استقرار سوريا بعيداً عن سيطرة اتجاه إسلامي متشدد يمكن أن يخلف نظامها الحالي، وإما إصرار سوري على المضي في الشوط إلى منتهاه، فيكون المصير- كما تحلم الولايات المتحدة- عراقياً، وإن اختلفت التفاصيل بطبيعة الحال على ضوء الدرس الأميركي الراهن في العراق
استعدت الإدارة الأميركية لكل الاحتمالات كما تظهر صياغة القرار 1636 صحيح أن القرار بعُد عن التهديد بفرض عقوبات على سوريا بعد إصرار روسي- صيني مدعوم من الجزائر -العضو العربي بالمجلس- على ذلك، لكنه هدد بـ''إجراءات أخرى'' لو لم تتعاون سوريا مع لجنة التحقيق وفق ما ينص عليه القرار وتذكرنا عبارة ''الإجراءات الأخرى'' بشقيقتها ''العواقب الوخيمة'' التي تضمنها القرار ،1441 والتي لم ترجع الإدارة الأميركية بشأنها إلى مجلس الأمن وفق نص القرار المذكور، وإنما انفردت بالأمر كله دونما غطاء من شرعية دولية، وهو درس لكل من يتصور أن التزام سوريا الحرفي بمنطوق القرار 1636 يمكن أن يقيها مصير العراق، على الرغم من أن جاك سترو وزير الخارجية البريطاني قد صرح من قبيل الغفلة أو الخداع قائلاً: ''إذا تعاونت سوريا ستكون هذه هي نهاية المسألة''
في هذا السياق لا شك أن سوريا تواجه مأزقاً حقيقياً لابد من التفكير في كيفية الخروج منه، وبغض النظر عن مشاعر العروبة التي تجعل من احتمال تعرض سوريا لا قدر الله لمصير مماثل في طبيعته لمصير العراق أمراً مرفوضاً على نحو مطلق، فإن المعنى الوحيد لتحقيق السياسة الأميركية لأهدافها تجاه سوريا هو أن المخطط الرامي لاستتباع الوطن العربي كله يسير في طريقه المرسوم: العراق بالأمس وسوريا اليوم فمن يكون غداً؟ وصولاً إلى تقويض أركان النظام العربي بالكامل
يدعو البعض النظام السوري للانصياع الكامل لما هو مطلوب منه ليس على صعيد التحقيق في جريمة اغتيال الحريري فحسب، فهذا بديهي ولا مفر منه، وإنما على الصعيد الاستراتيجي بمعنى إحداث تغيير جذري في توجهاته نحو القضية الفلسطينية والمسألة العراقية وغيرهما بما يلائم السياسة الأميركية، أي تحقيق أهداف هذه السياسة بأيدينا وإن المرء ليعجب ما الذي يمكن أن يكون مطلوباً من السياسة السورية أكثر مما فعلت؟ ألم تكن ضمن من قبلوا بقرار مجلس الأمن الذي قنن احتلال العراق، وضمن من اعترفوا بمجلس حكمه الانتقالي الذي شكلته سلطة الاحتلال ممثلاً للعراق في الجامعة العربية؟ ألم تدع الجميع إلى التعاون بشأن ضبط الحدود العراقية- السورية رداً على مزاعم تسلل ''الإرهابيين'' من سوريا للعراق؟ ألم تقبل بالتسوية السلمية للقضية الفلسطينية والصراع العربي- الإسرائيلي برمته، وتمتنع عن إطلاق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل منذ 1973؟ أسوق هذه الأمثلة لكي أبين أن الجميع بما فيهم سوريا قد أحدث من التكيف في سياساته ما يجعل من الصعوبة بمكان -إن لم يكن الاستحالة- أن يفي بالمزيد يتصور فريق آخر أن بمقدور سوريا أن تفلت من السيناريو الأميركي لو امتثلت تماماً للتعاون مع لجنة التحقيق، ولو كان هذا صحيحاً لأفلت العراق بامتثاله للقرار 1441 ما العمل إذن؟
لن يكون أمام سوريا من خيار سوى التعاون الكامل مع لجنة التحقيق بداية لسد الذرائع القانونية، مع الوعي التام بأن هذا وحده لا يغني ولا يسمن من جوع في وجه المخطط الأميركي، وبعده مباشرة ينبغي تحقيق أوسع انفتاح ممكن على القوى السياسية الوطنية السورية المختلفة، لأن الخطر أكبر من أن يتحمله فريق دون غيره، وجنباً إلى جنب لابد من انفتاح مماثل على القوى السياسية اللبنانية التي تُصنف في خانة المعارضة للسياسة السورية، والتي أبدى ممثلوها في الآونة الأخيرة وعياً كاملاً بضرورة الفصل بين جريمة اغتيال الحريري وتداعياتها وبين استهداف سوريا أميركياً وإسرائيلياً وسوف يكون من الخطأ ألا تعمد السياسة السورية إلى التعامل مع الرسائل الإيجابية لهؤلاء الممثلين مؤخراً، ولن يكون من المستصوب الدعوة إلى قمة عربية طارئة تفضح ضعف الموقف العربي أكثر مما تدعم سوريا، وإن كان لابد لسوريا مع ذلك أن تقوم بتحرك عربي شامل وإن ركز على مصر والسعودية والجزائر من أجل ضمان حد أدنى من المواقف العربية المساندة، وينطبق الأمر نفسه على التحرك باتجاه قوى فاعلة في مجلس الأمن كروسيا والصين، يمكن أن تمنع صدور قرار جديد يمثل خطراً محققاً على سوريا وإن لم يكن بمقدورها للأسف أن تكبح جماح السياسة الأميركية الهوجاء، وإذا كان مطلوباً من السياسة السورية أن تصحح أخطاءها فليس مطلوباً منها بأي حال أن تتخلى عن ثوابتها القومية التي تشكل في التحليل الأخير منطق دعم سوريا ومساندتها