معركة تغيير سورية: بيد من ونحو أي مستقبل!

مطاع صفدي القدس العربي



ان السؤال الوحيد الحقيقي الذي يفرض نفسه في دمشق بعد قرار مجلس الامن الصادر في حق نزع السيادة الحقوقية من يد السلطات السورية ونقلها نظريا الي مجلس الامن، وعمليا الي لجنة التحقيق، اي عمليا اكثر الي يد رئيس اللجنة القاضي ميليس. نقول ان السؤال المتبقي بعد كل هذا يتلخص في العبارة الآتية: هل ينتظر حقا من النظام السوري ان يقدم اركانه الي قفص الاتهام الدولي، دون ان يكون هو نفسه قد اضحي محكوما عليه بالزوال الكامل. ذلك ان ما يراد من هذا الاجماع بين مختلف الجهات الدولية والاقليمية حول ما يسمي بضرورة التعاون مع لجنة التحقيق لن يخرج عن هذه الحتمية، وهي تسليم بعض كبار اركان السلطة الامنية الي (شرعية) ميليس. والا فان الفصل السابق من ميثاق الامم المتحدة والخاص بالعقوبات سوف تكون بنوده بالانتظار ليصار الي تطبيقها كأحكام مبرمة واحدا بعد الاخر ضد سورية، اي تكرار خطوات المصير العراقي البائس نفسه.
ذلك هو الموقف الذي هو المأزق الاشد خطرا الذي تواجهه سورية في تاريخها الحديث منذ استقلالها قبل حوالي ستين عاما. انه المأزق الذي لا يتناول الحكم وحده، بل ومعه المحكومين خاصة في حال انتهي قرار المسؤولين الي عدم التعاون او التهرب منه بأساليب التجارب الماضية العقيمة، واذا ما بدأ مسلسل العقوبات فلا يمكن الفصل فيها بين ما يصيب السلطة منها وما يحل علي رأس الشعب، كما يحاول بعض الساسة العرب واللبنانيين منهم تحديدا ان يخففوا من عنف المطالبة بالتعاون تأييدا لقرار مجلس الامن مع ضرورة التمييز في نوعية العقوبات واهدافها. حتي ان رايس وزيرة خارجية بوش كان لها مثل هذا التصريح مدعية ان حكومتها لا تريد تكرار اخطاء الرئيس بوش الاب الذي كانت ادارته وراء اصدار مسلسل العقوبات العاتية، الاولي من نوعها في تاريخ الدبلوماسية، عن مجلس الامن ضد العراق، منذ مطلع التسعينات، فدمر الحصار الشامل لمدة اثنتي عشر عاما متوالية، ابسط اسباب الحياة الانسانية اللائقة لشعب العراق، في حين اتاح لحكامه كل وسائل الفساد والاستبداد المطلق المتحرر من كل مراقبة او مساءلة.
لكن هل يمكن حقا وعمليا هذا التمييز والتفريق بين عقوبات فردية تنال اشخاص بعض المسؤولين المشتبه بهم واخري جماعية تستهدف مصالح المجتمع، الا في حال تخلي النظام عن هؤلاء، وهنا مفتاح الازمة او بابها المسدود، ثم يأتي دور هذا السؤال الذي اصبح جوابه معروفا ومبتذلا، علي الشكل الآتي: من يضمن الا تتوالي المطالب التعجيزية حتي بعد اخضاع هؤلاء الي اجراءات (العدالة الدولية) وعلي هذا يبدو في المحصلة ان كل الحلول او المخارج من المأزق انما تؤدي الي هاويته عينها. اليس هذا من دلالات الاستعصاءات التاريخية الكبري التي تكاد تخرج مقولة الحلول الحاسمة من نطاق ارادات الافراد او الفئويات مهما كانت قدراتها وصفاتها الاستثنائية لتطرحها فقط علي مستوي المصائر الكلية للشعوب والامم الحية وحدها.
اذا صحت هذه المقولة فالاجدر ان يقر بها ويتذكرها اولا من لا يزالون يعتبرون انفسهم في دمشق انهم هم ولاة الامر. اما بداية هذا الاقرار فتتجلي عبر الاعلان عن العزم الحقيقي والصادق علي اعادة دفة السلطة الي صاحبها الاصلي الشرعي، الشعب وقواه الممثلة لتياراته السياسية واطيافه التكوينية كلها، وذلك باتخاذ تدابير مشاركتها الفعلية في تحمل اعباء العملية الانقاذية الشاملة من براثن المأزق الكارثي المطبق علي البلاد، بحكامها ومحكوميها معا، مع تحمل الاوائل، اي اهل النظام لكلية الاسباب والنتائج او معظمها علي الاقل، وعدم التبرئة الكاملة للطرف الآخر، اي للمجتمع وقواه السياسية خصوصا من بعض اعباء تلك المسؤولية، كذلك عن استفحال الغلط العام والخاص طيلة عقود، وعدم القدرة ليس علي ايقافه فحسب، وهذا فوق الطاقة، وانما علي عدم معارضته جذريا بالشكل والمضمون المطلوبين سياسيا وتنظيميا.
وعند هذه النقطة بالذات ينبغي التوقف والتفصيل قليلا، فقد تلجأ ديماغوجية النظام المعتادة الي رفع شعار الوحدة الوطنية مجددا والتضامن معه، كما شرع بعض اعلامه فعلا، وذلك كاجراء بديل عاجل لاحياء جبهة الصمود في وجه الهجمة الامريكية ذات القناع المشرعن دوليا، لكنه سيكون في واقعه اجراء بديلا عن تلبية حاجة الراهنية القصوي لمطلب التضامن، نعم انما في صناعة تغيير سورية كليا، وليس لمجرد اي تغيير (فيها) وبيد وطنها وابنائها جميعا، لا بيد اعدائها واعوانهم المحليين، والمعدين مقدما لارتكاب اختطاف العملية التغييرية المحترمة، وتزويدها وهي في المهد، بكل ما يتضاد مع اهدافها التاريخية المنتظرة كما حلمت بها اجيال محرومة من الحرية والكرامة والعيش اللائق منذ عقود.
في ظروف سورية الحالية سوف تجد الجماهير نفسها محاطة بسيل من مشاريع الاصلاح وحتي الثورة وتتكالب عليها من شتي الجهات الظاهرة والمتوارية لكن القوي الوطنية بخاصة قد تلقي ذاتها كذلك محاصرة علي الاقل بنوعين من هذه الاطروحات المتناقضة في الهدف الحقيقي، وان كانت متشابهة في عروض النوايا الطيبة التي تدعيها. فمن جهة ستبادر الدولة الي اغراق الساحة بأشباه الاصلاحات الجزئية المبعثرة هنا وهناك، ساعية الي الامساك بزمام المبادرات كلها واحتكار قيادة التحرك الشعبي، ومن جهة اخري تتسابق ابواب اعلامية كثيرة داخلية وخارجية باطلاق الوصفات الليبرالية الجاهزة لما ينبغي ان يتبناه المجتمع من الشعارات في هذه المرحلة. وبالطبع فان مفردات الديمقراطية وفروعها اللفظية هي العملة الرائجة، ويبدو الجميع انهم تحولوا الي رواد واتباع لهذه الثقافة. لكن مؤامرة (الفوضي البناءة) التي تشنها امريكا عبر مجلس الامن علي المنطقة العربية، وقد افتتحت لها ساحة جديدة في سورية هي التي تعتبر نفسها صاحبة الحق الاول في استثمار ظروف الخوف والقلق الي درجة الاضطراب العام السائدة في اجواء سورية كدولة ومجتمع معا. فهي المنادية المتميزة بديمقراطية الطائفيات والعرقيات والعشائريات والجهويات انها ديمقراطية التفرقة المعممة كعنصريات متفاصلة متناحرة حتي في اصغر الكيانات الدولية القائمة، كلبنان وسورية فاذا كان البعض ممن في السلطة او في مراكز التوجيه الشعبي من لا يزال يقنع بشيء من الحكمة السياسية، عليهم ان يتذكروا ان النهضة لم تستطع ان تحقق اية خطوة تقدمية في شؤون الصالح العام إلا وهي تنوء دائما تحت اعباء الضغوطات والتهديدات المضادة لها محليا ودوليا استعماريا. وانه اذا كان لا بد من التمسك الان، واكثر من اي وقت آخر، بأهداف الوحدة الوطنية الصادقة، فلا بد من ان يكون الحافز الاول لدي الاطراف جميعا ممن في السلطة وفي المعارضة معا، هو الالتفاف الواعي والحاسم علي بوادر المؤامرة الفوضوية (الهدامة) باغلاق منافذ الاختراقات التي شرعت في تسجيلها انطلاقا من القرار المشؤوم لمجلس الامن، والمنذر باستنساخ جحيم عراقي دام آخر في ربوع الشام المنيعة اساسا بقوة وعيها. ذلك ان الوعي القادر علي الاطاحة بعوامل الظرف المداهم وامكانيات امتداداته، هو آُخر ما يتبقي للشعوب الصغيرة من عناصر الصمود، والقدرة علي الافلات الذكي من وحشية الكبار وافخاخ ذئابهم الخبيثة.
لقد بدأت معركة سورية وينبغي الا يؤخذ هذا القول علي محمل التهويل، فان تقدير الخطر المداهم هو اول خطوط الدفاع المطلوبة. وخاصة ان الصراع المفروض علي المنطقة قد اعطي الجميع دروسه بما يكفي ليس للوعظ فحسب، بل لبث موجات من التهديد والوعيد كذلك، بما قد يشل ارادة الاخرين المستهدفين، ويعيقهم عن فهم التطورات، دافعا بهم الي اشكال من التخبط الطائش بين مختلف الخيارات المعدومة اصلا، ما عدا خيار الاصطدام النهائي، او الاستسلام المقنع بالتنازلات المتتابعة الي حد الانهزام الصريح الكامل. فما يقترحه الوعي التاريخي الصادق مع نفسه في مثل حال المأزق السوري الراهن علي اولياء الامر من المسؤولين او الموجهين هو الاعتصام بالرؤية الموضوعية، والنأي ما امكن عن منطق المناورة خاصة مع الحلفاء المفترضين، أو أساليب المساومات المربية مع الخصوم المتربصين، فلا سبيل الي انقاذ حقيقي او ممكن الا برفع العلاقة بين الحكام والمحكومين من حضيض القهر والقمع والاقتصاء للآخر الي مستوي المشاركة العادلة ما بين البعض المتبقين من رموز السلطة من جهة، والقوي الوطنية التي لا تحتكرها صفوف المعارضة وحدها، ولكن يمكن الاعتماد عليها في المجتمع والالتقاء معها حول المطالب الاساسية التي هي القاسم المشترك لجميع مكونات الشعب وفي هذه البرهة الفاصلة من معركة الحفاظ علي ابسط شروط السلم الاهلي.
سورية الجديدة ليست شعارا لأي تغيير صدفوي او اعمي، بل ملغوم بكل عدة التهديم والتمزيق المعروفة والمكشوفة، للقضاء علي الكيان السياسي والقانوني الذي اسمه الدولة المركزية ومجتمعها الناهض الحر. انها معركة سورية مع التغيير وانقاذ الاستقلال الوطني، وفي موعد واحد مع ذروة الهجمة الاستعمارية علي حاضر العرب ومستقبلهم.