معضلات عصرية حول القرار‏1636‏

محمد سيد أحمد : الأهرام 5/11/2005

اصطدم قرار مجلس الأمن رقم‏1636,‏ الذي صدر هذا الأسبوع بإجماع آراء اعضاء المجلس‏,‏ وعلي نحو يذكرنا بالاجماع الذي أحرزه الكثير من قرارات المجلس المناهضة لصدام حسين عقب غزوه للكويت‏..‏ اصطدم القرار بموقف دولة ذات سيادة‏..‏ وفي الحالتين‏,‏ ثبت أن القانون المطبق ليس هو القانون الذي يعطي الأولوية للدولة ذات سيادة وكأن للعولمة أسبقية علي أحكام القانون الدولي العام‏.
ونحن
لا نناقش أحقية هذا التحول‏,‏ ولكننا نرصد أن تحولا قد وقع‏,‏ ونحاول استخلاص بعض ما يترتب علي ذلك من آثار‏.
الشيء
الذي لا يحتمل الإغفال أننا بصدد تناقض‏..‏ فالسيادة تفترض أنه لا توجد سلطة في بلد ما فوق سلطة الدولة ذاتها‏..‏ بل وسلطة رئيس الدولة‏..‏ فماذا عندما يكون المستهدف هو الدولة إن لم يكن رئيس الدولة شخصيا؟‏..‏ إذ ها نحن نشهد أن تقريرا يقدمه قاض خارجي ـ ميليس ـ يكتسب صلاحيات فوق تلك التي يملكها حاكم البلد‏..‏ وحتي يكون لصلاحيات الحاكم مصداقية‏,‏ فيبذل جهدا خاصا كي يقبل التقرير بالإجماع‏..‏ وكأنما هناك فارق بين الموافقة علي صدور التقرير بالإجماع‏,‏ أو صدوره بالأغلبية‏!..‏ وذلك من الوجهة القانونية‏,‏ وليس من الوجهة السياسية فقط‏!.‏
ب
ل هناك افتراض ضمني أن المحافظة علي السيادة الوطنية لم تعد من الأمور الممكنة التطبيق؟‏..‏ إذ كيف وقد أصبح من الممكن تصوير علبة كبريت من الفضاء الخارجي‏,‏ والاحتفاظ بأسرار هذه العملية في ظل الامكانات التي باتت متاحة في ظل التكنولوجيا العصرية؟‏..‏ ثم ـ في مجال التعاملات الاقتصادية ـ كيف وضع فواصل تفصل رأس المال الوطني عن رأس المال الدولي‏,‏ مع تداخل الاقتصاد العالمي‏,‏ والزوال التدريجي لظاهرة أن لرأس المال جنسية أو هوية؟‏!‏
ك
نا من قبل ننظر الي الأموال المستودعة في البنوك الدولية علي أنها الاستثناء وأن المصارف الدولية هي خروج علي هذه القاعدة‏..‏ أما الآن فلقد انقلبت الآية‏,‏ وأصبح الاستثناء هو بقاء رءوس الأموال حبيسة الاقتصاد القومي‏,‏ متحدية فلسفة الانفتاح‏..‏ لقد أصبحت ترتسم خريطة جديدة لحركة رأس المال‏..‏ بطرف قوي‏,‏ هو رأس المال الدولي‏,‏ وطرف ضعيف‏,‏ هو رأس المال المحلي‏..‏ ومن هنا صعوبة جلب أموال للاستثمار‏,‏ وعموما تنشيط الاستثمار بمعزل عن الشركات الدولية المتعدية الجنسيات‏..‏ بل وكقوة اقتصادية علي المسرح الدولي‏.‏
تجاوزا للحرب الأهلية
إن ما يجري في الشرق الأوسط الآن‏,‏ وبالذات في سوريا‏,‏ هو ترجمة الي اللغة السياسية لهذه الحقائق الاقتصادية‏..‏ ثمة تباين بين أسلوب الحريري في النهوض بلبنان‏,‏ وإعادة تعمير البلاد بعد أن خربتها الحرب الأهلية‏,‏ وأسلوب حزب البعث‏,‏ سواء في سوريا أو غير سوريا ونهجه في التعامل مع مختلف معطيات الموقف‏..‏ ومن الواضح أن خلافا حادا قد وقع بين الطرفين في هذا الصدد‏..‏ خلافا كان الحريري ضحيته وربما أيضا النظام السوري‏..‏ فهل من مخرج من المأزق؟‏.‏
إن القرار رقم‏1636‏ قائم علي لبس‏..‏ إنه لا يصارح بأن أدلة دامغة تشير الي مسئولية سورية في مقتل الحريري‏,‏ الأمر الذي قد يحمل مجلس الأمن ضرورة التصدي بنفسه لمهمة شائكة هي اتهام جهات عليا في سوريا علنا وبصفة رسمية‏..‏ ومن هنا مطالبة سوريا بالتعاون الي أقصي درجة مع القاضي ميليس وجهات التحقيق‏,حتي تكون لآليات التحقيق هي ذاتها الدور المباشر في توجيه الاتهام‏..‏ من هنا أيضا كان الحرص علي أن يصدر القرار بالإجماع‏.
تنوع
صور مواجهة الأهوال
وعلي أي الأحوال‏,‏ يبدو أننا بصدد أحداث خطيرة في واشنطن‏..‏ ذلك ان حدثا مفاجئا‏,‏ ولم يكن متوقعا‏,‏ قد جاء ليتوج سلسلة أحداث غير مألوفة‏,‏ أسوأها للمواطن الأمريكي‏,‏ فيضانات نيو أورلينز التي كشفت الوجه المتخلف لولاية مثل ألاباما‏,‏ العاجزة عن الصمود في وجه الأهوال الطبيعية‏.
ولكن
المأساة بلغت ذروة في مسألة لم تكن في الحسبان قط‏,‏ باستقالة هارييت ماييرز‏,‏ المحامية التي عينها بوش لتصبح قاضية بالمحكمة الدستورية العليا‏..‏ بعد ثلاثة أسابيع فقط من اختيارها‏,‏ وذلك بينما وصفها آخرون أن لا أحد سيتذكرها بعد شهر واحد من انسحابها من العرين وبعد أن قال عنها بعض آخرإن خروجها علي هذا النحو إنما يرمز للبداية الحقيقية لولاية بوش الثانية‏,‏ بمشاكلها واضطراباتها‏..‏ في ظرف سعي فيه رونالد ريجان‏,‏ بعد فضيحة الإيران ـ كونترا‏,‏ إلي إقامة جبهة مع الديمقراطيين‏!..‏
لم تكن صورة بوش في استطلاعات الرأي سيئة‏,‏ كما هي أصبحت في الظرف الراهن‏..‏ لقد هبطت الي مستوي غير مسبوق لا يتعدي‏39%..‏ إن النائب العام‏,‏ باتريك فيتزجيرالد‏,‏ أراد أن يعلم من ـ في‏2003‏ ـ نقل الي اسم الجاسوسة العاملة لحساب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فاليري بلام بهدف الاساءة الي سمعة زوجها السفير الأمريكي جوزيف ويلسون‏..‏ ذلك أن هذا الأخير قد شكك في النظرية ـ الرسمية ـ القائلة بأن صدام حسين قد اعتزم شراء يورانيوم من النيجر لينتج منها قنبلة ذرية‏!.‏
وازاء صعاب سببها ارتفاع ثمن الوقود‏,‏ وإعادة بناء مدينة نيو أورلنز المنكوبة‏,‏ والفساد داخل حزب الأغلبية لدرجة أن الرئيس السابق للأغلبية قد اضطر أن يستقيل في سبتمبر من منصبه‏,‏ رأي بوش أنه من الأكثر حكمة عدم التحرش مع الديموقراطيين‏..‏ إنه لم يكن يتصور أنه قد يجد نفسه يحارب اصدقاءه‏..‏
ومنذ تعيين فاليري ماييرز‏,‏ فإن تمردا قد نشب داخل البيت الأبيض‏,‏ ووجد الكثير من المحافظين الجدد أنهم بحاجة الي فلسفة قضائية واضحة‏..‏ أما المسيحيون المتعصبون‏,‏ فيجدون ماييرز كمتساهلة فيما يتعلق بقضية الإجهاض‏..‏ ثم لم تمارس ماييرز في يوم من الأيام مهنة القاضي‏.‏
كان الاعتقاد أن النجاح الذي أحرزه بوش بإعادة انتخابه إنما لابد ان يكفل له ولاية ثانية تمتد لمدة طويلة‏..‏ ولكن التطورات الأخيرة نالت من هذه الصورة تماما‏..‏ وقد بدا أن الحزب الديموقراطي بعيد من الحكم ولن يعود اليه في المستقبل المنظور‏..‏ ولكن الأحداث الأخيرة إنما تشير الي غير ذلك‏..‏ وقد جاءت عواصف الطبيعة لتعمق من فعل عواصف السياسة‏