القرار 1636 بتجرد

د. سهيل حداد: ( كلنا شركاء ) 5/11/2005

خلال الأيام القليلة التي تلت صدور القرار 1636 الذي يطلب من سورية التعاون الكامل وبلا شروط مع لجنة التحقيق الدولية التي شكلت استناداً للقرار 1595 بشأن حادثة اغتيال الحريري، تناول المحللين السياسيين وبعض الكتاب الأجانب والعرب حيثيات هذا القرار وأبعاده على مجمل السياسات السورية الداخلية والخارجية، وخاصة الإقليمية والدولية منها.
- فبعضهم وقف في صف الجانب السوري الذي رأى أن هذا القرار الصارم والجائر والمجحف ضد سورية تم تبنية نتيجة تسييس تقرير ميليس تحت الضغوطات الأمريكية واعتبروا أنه نية مبيتة من الإدارة الأمريكية بموافقة فرنسية بريطانية برغبتها بفتح ملف سورية في الأمم المتحدة وشرعنة وتهديداتها ضغوطاتها على سورية لمحاولة عزلها إقليمياً ودولياً، ومن ثم ثنيها عن مواقفها تجاه الاحتلال الأمريكي للعراق ومشروع الشرق الأوسط الكبير، ومن مسألة السلام عموماً وبالأخص المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية بشأن قطاع غزة والضفة الغربية، وعن دعم المقاومة الوطنية في لبنان وفلسطين....
- والبعض الأخر شاهد فيه خطوة إيجابية ولكنها غير مثالية نحو كشف حقيقة من قام باغتيال الحريري وحث سورية على مزيد من التعاون مع لجنة ميليس بشأن التحقيق مع سوريين ورد أسمهم كشهود ومشتبه بهم في نسخة التقرير السرية والتي سربتها الجهات البريطانية لوسائل الإعلام. وحذفت من النسخة المقدمة للأمم المتحدة، وهو فرصة لسورية لتأكيد حسن نواياها وعدم خروجها عن الشرعية الدولية. بالرغم من التأكيد السوري بأن التعاون مع لجنة ميليس كان كاملاً ووفقاً لرغباته.
في كلا الحالتين، كل هذه التحليلات السياسية لا تغير من واقع الأمر بشيء، فعلينا أولاً أن نقر بأن هذا القرار صدر بإجماع دولي وبتعهد سوري على التعاون الكامل مع هذه اللجنة في الشكل والمضمون، وثانياً بأنه قرار أمريكي بامتياز باسم المجتمع الدولي يسهل عليها استغلاله لإحراج سورية وتطبيق المزيد من الضغوطات ضدها. وهذا في حقيقة الأمر ما بينه مارتن إندك في مقالته التي نشرت في صحيفة ذا فاينانشال تايمز البريطانية بتاريخ 23/10/2005 بعنوان "اتركوا مجلس الأمن يقود الضغوطات على سورية"، والتي يدعو فيها الرئيسين بوش و شيراك إلى توخي الحذر تطبيق أية عقوبات. أو الإقدام على خطوات متسرعة. فتصرف كهذا قد يخلع الشرعية الدولية عن العملية برمتها. وأي تدخل عسكري قد يعكس الأمور، ويرمي سورية في الفوضى. وخير ما يمكن للمجتمع الدولي أن يقوم بت، الآن، هو إحالة الملف إلى مجلس الأمن، وطلب تعاون سورية تحت طائلة العقوبات. وهذا يستدعي دوراً أميركياً غير ظاهر. فكلما رفع الأميركيون الصوت ضد سورية، شعر الآخرون بوجوب حمايتها. وعلى القوى الغربية أن تتحلى بالصبر. وينبغي اتخاذ إجراءات فاعلة تمنع سورية من التدخل في لبنان والعراق. وليترك بوش وشيراك سورية تتولى البقية.
بالطبع أية قراءة بسيطة لدعوة إنديك، صاحب نظرية "العصا الغليظة بيدنا" وبأن سورية ستواجه كابوساً عندما ترى على حدودها الشرقية بلداً موالياً لأمريكا وجيش أمريكي على الأرض وعلى حدودها الغربية والجنوبية بلاد أخرى جميعها موالية لأمريكا عندها ستكون سورية جاهزة للقطاف، ترينا بسهولة أن سياسة الإدارة الأمريكية لم تخرج عن مضمون هذا الكلام. فالهم الأمريكي الغارق في المستنقع العراقي هو جرها سورية لتغيير سياستها ومواقفها تجاه الملفين العراقي والفلسطيني وقد كان ذلك جلياً للعيان ولا يحمل أي لبس بتصريحات الرئيس الأمريكي إلى محطة العربية بعد طلبه الجلسة الطارئة لمجلس الأمن لبحث استنتاجات تقرير ميليس، حيث أكد بأنه لن تتخذ أية عقوبات بحق الشعب السوري بل سيكون هناك في حال عدم التزام سورية للقرار الدولي عواقب وخيمة ضدها خاصة إذا استمرت بعرقلة العملية السلمية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ، والعملية العسكرية الأميركية بالعراق، وإيوائها وتشجيعها الإرهابيين على محاربة القوات الأميركية، وإيوائها ودعمها لبعض المنظمات الفلسطينية الإرهابية، وعدم تعاونها في تطبيق باقي بنود القرار 1559 والمتضمنة نزع سلاح المخيمات الفلسطينية وحزب الله. ولم يكن هناك أي قلق تجاه من قاموا باغتيال الحريري، واكتفى ببعض الكلمات الغامضة عن تورط سوري بحكم التواجد السوري العسكري في زمن وقع الحادثة، إذاً الهم الأمريكي بعيد كل البعد عن كشف من قام بعملية اغتيال الحريري، وإن كانت هذه العملية بحد ذاتها فخاً نفذ بدقة وتخطيط عالي المستوى لإحراج سورية وتوريطها وخاصة رئيسها، الذي لا يتوانى في كل المحافل بنفي أي دور لسورية بهذه العملية. ولكن لا أحد يريد في ظل الهيمنة الأمريكية أن يسمع صوتاً غير صوتها.
لذلك لم يتضمن القرار عقوبات مباشرة على سورية، لأنه من ناحية هو أسلوب لم تثبت جدواه وغير ناجع، بعد تجربة الإدارة الأمريكية الفاشلة في تطبيقه على ليبيا والعراق، بالإضافة إلى أن اتخاذ مثل هذا النوع من العقوبات لا يؤثر في سورية كثيراً لكونها تحت حصار غير مباشر منذ أمد وتمتلك موارد ذاتية اقتصادية وبشرية تؤهلها لتجاوز مثل هذا النوع من الإجراءات، ولكنه بالقابل يضر بكل دول المنطقة المحيطة بها وخاصة حلفاء أمريكيا الذين إذا كان بيدهم حيلة لن يرضوا عن إجراء كهذا وسيحاولون خرقه لأنهم أتباع مصالح وتجار كل شيء، وسورية معبر حيوي واستراتيجي لهم. على عكس الرغبة الإسرائيلية التي لم يوجه إليها أحد أي أصبع اتهام فيما حصل، والتي كعادتها تستغل أية فرصة سانحة للانقضاض على الوضع في المنطقة لصالحها، فقد عبر تسفي برئيل عن هذه الرغبة في صحفية هآرتس حيث قال ينبغي توجيه الاهتمام إلى لبنان، ويتوقع حصول تغيرات سياسية مؤثرة في الشرق الأوسط. وبعد مرحلة التطهير السياسي والعسكري المرتبطة بتحقيق ميليس، وبعد زوال رواسب الهيمنة السورية، يتوقع حدوث تطورات مهمة في لبنان، مثل تجريد حزب الله من سلاحه، والبحث في اعتبار إسرائيل جسراً برياً يربط لبنان بالدول العربية عوضاً عن سورية. هذا هو هدف اغتيال الحريري الحقيقي وهذا هو هدف تسييس تقرير ميليس، إبعاد الشبهات عن الذين لهم مصلحة حقيقة في قتل الحريري لاستهداف سورية ودورها والقضاء على كل أشكال المقاومة، ووضع المنطقة تحت هيمنة إسرائيلية، إنها دعوة واضحة، بالطبع لم يكن المرحوم الحريري ليقبل بها لو كان حياً، فهل يمكن لأحد القول بعد هذا أن المستهدف فقط هو النظام الذي يصورون أته وراء هذه الأزمة؟. إنها مهزلة عالمية بامتياز برعاية الأمم المتحدة وعلى مرأى ومسمع المجتمع الدولي والعربي.
ومن ناحية أخرى تحاول الإدارة الأمريكية استخدام عدم تضمين القرار لعقوبات اقتصادية كورقة ضغط نفسي ضد الشعب السوري ولكسب وده وذلك بإيهامه بأن المستهدف هو النظام ورموزه فقط وليس الشعب، أي أنها تحاول زعزعة الثقة بين القيادة والشعب. وهذا ما تردده هنا وهناك بعض ألسنة الساسة اللبنانيين الذين وضعوا أنفسهم تحت الوصاية الأمريكية والفرنسية، وما يسمى بالمعارضة السورية في الخارج والمرتبطة بإدارة بوش، وبعض وسائل الإعلام الأمريكية والغربية والعربية المجيرة للضغط على سورية.
أما أخطر ما حمله هذا القرار بطياته أنه مرحلي وظرفي وقابل للتوالد والاستنساخ فالتهديد واضح بفرض أية عقوبات بما فيها الحل العسكري تحت شرعية دولية إذا لم تتعاون سورية مع التحقيق.ويكتفي بفقرة تقول انه في حال رأت لجنة التحقيق الدولية إن التعاون لا يفي بمتطلبات هذا القرار، يتمكن المجلس، إذا اقتضت الضرورة، من النظر في إجراءات إضافية بموجب ميثاق الأمم المتحدة. مما يعطي فرصة للإدارة الأمريكية بأية لحظة لكي تعتبر أن سورية لم تفي بعهودها بتطبيق بنود هذا القرار، وخاصة بأنها من وراء الكواليس ومن خلال حملة إعلامية منظمة تستهدف رأس النظام وأركانه تشكك بتعهدات سورية في التعاون قبل وبعد صدور القرار، وقد بدأ التشكيك الأمريكي البريطاني في تعاون سورية مع القرار قبل وجود أي خطوة تالية بعد تقرير ميليس، والمطلع على الصحف الأمريكية يظن بأن سورية رفضت القرار أو التعاون مع لجنة ميليس. ناهيك عن أن سترو وزير خارجية بريطانيا لمح عن ذلك خلال المشادة الكلامية مع وزير الخارجية السوري. وهنا التساؤل الكبير من سيحدد ذلك ؟. ثم ما هي آلية هذا التعاون إذا كان الغموض والألغاز هما فحوى تقرير ميليس الأولي المشكك به وخاصة في قضية طرحه للمشتبه بهم من الجانب السوري، ومحاولة تركيزه على أسماء معينة مقربة من الرئيس؟. أليس في ذلك محاولة لإضعاف الموقف السوري وإحراجه. ألا يدعو ذلك أن تكون هناك جهة دولية حيادية وصائية (مثل روسيا، أو الصين على سبيل المثال) بصفة مراقب لتقف عن كثب على حقيقة الوضع. ثم كيف ستشرح الإدارة الأمريكية للمجتمع الدولي أن ما تهدف إليه ليس في حقيقة الأمر هو التعاون في قضية الحريري، إنما التعاون في تحقيق مطالبها وشروطها المعقدة والمتشعبة والتي تخص ملفات حساسة جداً، ملف السلام مع إسرائيل وموضوع الصراع العربي الصهيوني، ملف محاربة الإرهاب، تحقيق المصالح الحيوية للإدارة الأمريكية في المنطقة وخاصة الهيمنة على النفط (العراق ودول الخليج)؟. أم إنها ستكرر سيناريو أسلحة الدمار الشامل في العراق وتخترق عمل اللجنة وتضغط عليها كما فعلت بلجنة بليكس، أم ستنتهج أسلوباً أخراً في ضغطها على سورية، محاولة إظهار الموقف السوري بأنه خروج عن الشرعية الدولية وهذا ما فعله ميليس بتقريره الأولي الذي يفتقر لأدنى مقومات العمل المهني في هذا المجال. وتنقض على سورية في غفلة من المجتمع الدولي غير عابئة بنتائج عملها الذي سيجر الفوضى العارمة وعدم الاستقرار في المنطقة بأسرها. في جميع الأحوال لا يمكن الثقة بأي تصرف تقوم به هذه الإدارة الغوغائية المتغطرسة التي يعتمد نهجها على أن الحرب استمرار للسياسة في تحقيق أهدافها وتأمين مصالحها الحيوية في المنطقة وتحقيق حلمها في مشروع شرق أوسط تهيمن عليه اقتصادياً وسياسياً. وتؤمن لربيبتها إسرائيل الأمن والاستقرار والديمومة. ولكن الذي لا تدركه الإدارة الأمريكية أن سورية اليوم غير عراق الأمس وإن تكرر المشهد ذاته. حيث أكد صدور هذا القرار أن المستهدف الرئيسي من كل هذه الضغوطات هو الشعب السوري كياناً ومقومات قبل أي شيء، وبأن كل ما يحدث هو ذرائع أمريكية لاستهداف شعب سورية، وأن هناك إحساس شعبي واسع بأن هذا المسلسل سيمتد ليطال جميع شعوب المنطقة عبر مخطط تفتيتي عرقي وطائفي يكرس سايكس بيكو1 عبر ترسيم الحدود التي وضعها هذا المخطط الفرنسي البريطاني ويرسم لسايكس بيكو2 جديد يهدف لإنشاء كانتونات صغيرة داخل كل حدود على حدة، تتعايش فيما بينها بفيدراليات ضعيفة ومتصارعة، بالرغم من ذلك أن هناك حتى الآن من يشكك بهذه الحقائق ويحاول إيهام الرأي العام بأن المقصود فقط هو النظام السوري وينبغي إسقاطه. وكأن ما يحدث في العراق وفلسطين ومحاولة توطين اللاجئين الفلسطينيين في بلاد الغربة، وطرح الفيدرالية الأردنية الفلسطينية، وتوتير الأوضاع في مصر هي أحداث عابرة. من المؤسف أن هناك من يدعي الوطنية والنضال الوطني ويحاول أن يستغل هذه الضغوطات لتجيرها لمصالحه أو لأهداف ومأرب أخرى، أو أن يروج لمثل هذه الطروحات ويحاول أن يوحي أن ذهاب النظام سينقذ البلد ويخرجه من أزمته وعزلته. أن في ذلك قصور في الرؤية السياسية واستغباء للشارع السوري الذي حضر كل حلقات السيناريو العراقي ويتابعها يومياً، ويرى نتائجها المنظورة والبعيدة المدى على حال العراق وواقعه وإلى أين يسير وكيف كان وكيف أصبح. وهم بذلك يعزفون لحناً نشازاً يصم الآذان بدلاً من أن يطربها، لأن جميع محاولاتهم لم تنطلي على الشارع السوري بكافة أطيافه الوطنية والشعبية الذي يتميز وتميز بوعيه تجاه هذا الوضع وأكد رفضه القاطع لكل أنواع الضغوطات والتهديدات، وتمسكه بثوابته الوطنية والقومية، ودعمه وتأيده لخطوات الرئيس الأسد بتقوية وتمتين الجبهة الداخلية وزيادة اللحمة الوطنية والإسراع في عجلة الإصلاح والتطوير في كافة المجالات وفي إصدار قانون الأحزاب والانفتاح على جميع الأطياف السياسية المعروفة بثوابتها الوطنية. الوقوف معه في وجه هذه الضغوطات والتهديدات التي تنال من سورية وسيادتها، وهنا لا أريد لأحد أن يفهم من كلامي حتى لا ينعتني بالخطاب الخشبي كما يفعل الآن البعض عندما يتكلم أحد ما عن الشعور الوطني والحرص على الوطن ووحدته، بأنني أقدم شيء على حساب شيء. بل على العكس فكل خطوة إيجابية وسريعة باتجاه توحيد موقف الشارع السوري هي خطوة ضد المشروع الأمريكي وأهدافه، فجميعنا يريد أن تنهض سورية وبسرعة لتكتسي حلة جديدة عصرية ومتطورة تتناسب مع ثوابتها وبيئتها الاجتماعية والتاريخية، ولكن من الإجحاف أن هناك من لا ينظر إلا للسلبيات والممارسات الفردية وظواهر الفساد والترهل الإداري، ولا يشير إلى الكثير من الأمور الإيجابية التي حصلت في سورية في كافة المجالات خلال السنوات الماضية.
إن الجميع في سورية يدرك بأنها هذه الفترة حرجة وحساسة جداً وتتطلب المزيد من الحكمة والحنكة والحذر والتعاطي الجدي والدقيق مع كل التطورات الدولية والإقليمية والتعامل معها بدقة بعيداً عن كل الاستفزازات الأمريكية وأفخاخها. وأنها مرحلة تتطلب تضافر جميع الجهود الوطنية المخلصة على جميع الصعد الشعبية، والدولية، السياسية والدبلوماسية، لتفويت الفرصة على المتربصين بهذا البلد لمنع صدور أي قرار أخر قد يزيد من تأليب الرأي العام الدولي ضد سورية. وهذا يعني أن على الجميع التحلي بروح المسؤولية العالية لتجنيب سورية الوقوع في دائرة الخطر، ومخطئ وساذج من يظن بان المواطن السوري ساذج أو انفعالي فهو يعي أن الوطن فوق الجميع وقبل أي شيء أخر وهو يقف مع الحق ومع ثوابته الوطنية في الحفاظ على أمن واستقرار بلده.