هل كانت المطالبة بالإصلاح خطأ؟

ميشيل كيلو القدس العربي

 


لا أعتقد أن أحدا من مواطنات ومواطني سورية يعتبر أوضاعها الراهنة جيدة، وأنها في حال يجعلها بغير ما حاجة إلي تغيير أو تبديل أو تحسين. الأصح، أن المواطن السوري يري في أحواله الخاصة وأحوال بلده ورطة حقيقية، ويعتقد أن استمرارها سيعمق أزماته الخاصة والعامة، وسيفاقم مآزق بلده وسيأخذ مواطنيها إلي مهالك لا شك فيها، لما يتسم بها حال السلطة من عجز وحال المجتمع من ضعف، وبلغه كل جانب من حياة الدولة والشعب من انهيار يجعل استنهاض البلاد والعباد بالوسائل والقدرات والسياسات الحالية ضربا من الاستحالة.
لا أعتقد أيضا أن السلطة نفسها، التي ساقت سورية إلي وضعها العصيب القائم، مؤهلة لإخراجها منه بمفردها، فهي سلطة تقادمت وتغربت عن البلد وحاجاته، لم تعرف خلال السنوات الكثيرة السابقة غير طريقة واحدة من العمل العام هي العمل الأمني، الذي أغرقها وأغرق الوطن في أزمات متنوعة وخطيرة أنتجتها في قاع المجتمع، لكنها وصلت بمرور الوقت إليها هي نفسها وتركزت فيها خلال السنوات العشر الماضية، حتي صار ممكنا القول إنها سلطة تحمل الأزمة في مركزها وأبنيتها، وإن الحقبة الراهنة من حياتها تتسم بعجزها عن حلها، ليس فقط لأنها لا تملك الوسائل والقدرات الضرورية لذلك، بل لأنها تفتقر أيضا إلي الأفكار والرؤي والخطط الملائمة، فضلا عن افتقارها إلي إرادة الإصلاح والتغيير.
لا أعتقد، أخيرا، أن مطلب الإصلاح، الذي رفع قبل وفاة حافظ الأسد بوقت طويل، كان خطأ ارتكبته المعارضة، التي طالبت السلطة بالإصلاح وهي تعي تماما أنها ليست إصلاحية أو مؤهلة لإنجاز الإصلاح، لسبب بسيط هو أن الإصلاح يتعارض مع وجودها ومصالحها. يقول رأي نسمعه من آن لآخر : إن المعارضة وجهت مطلب الإصلاح إلي السلطة الفاسدة والاستبدادية، فكان من الطبيعي أن تفشل مطالبتها غير المنطقية وغير الصحيحة وتتسبب بالركود الراهن، الذي يسم حياة سورية السياسية عموما، وعمل المعارضة خصوصا.
إذا كان الإصلاح مطلبا عاما، وكان مصلحة وطنية عليا، فليس من المعقول أو المقبول أن تتجاهله معارضة تريد أن تكون صوت الشعب وخادمة مصالح مجتمعها العليا. في هذه النقطة، من غير المنصف والصحيح القول إن المعارضة أخطأت حين طالبت بالإصلاح، بما أنها دعت إليه في سياق يتفق مع إرادة الشعب والمجتمع ويعبر عنها. وإذا كانت السلطة عاجزة عن تحقيق الإصلاح، فهذا يعني أن مطالبتها به أحرجتها وعزلتها، ويعني بالمقابل، أن الامتناع عن المطالبة به والإلحاح عليه لا يزعج السلطة، بل يلبي حاجتها الماسة إلي الظهور بمظهر من فعل كل ما يستطيع من أجل بلد لا يطالبه بأي شيء. بكلام آخر : إن الإحجام عن مطالبة السلطة بالإصلاح هو أمر يخدم مواقفها، أما مطالبتها به كمصلحة وطنية عليا لا مراء فيها، فمن غير المعقول أن تدان أو تستهجن، لمجرد أنها عاجزة عن تحقيقه أو راغبة فيه. ومن الصحيح والضروري الضغط المتواصل عليها به، بل وإجبارها علي الإقرار بعجزها عن إنجازه، ليس لأن عجزها يعني اعترافها بإفلاس نظامها الشمولي، الذي لا يتنكر فقط لحق المواطن في المشاركة أو الانخراط في العمل العام، بل ويستأثر به ويزعم أنه حل جميع مشكلاته، فليس من الحكمة أو الصواب، إذن، أن تمتنع المعارضة عن تأكيد عجزه فيه، وعن إقناع الشعب بأن أزماته من صنعه، وأنه غير قادر علي حلها، لافتقاره إلي مستلزمات الحل علي الصعيدين الأيديولوجي والعملي. ومن يراقب حياة سورية السياسية خلال الحقبة القصيرة الماضية، سيجد أن المعارضة ربحت كثيرا من إلحاحها علي الإصلاح، وأن النظام خسر بتقديم وعود حوله، بينما بدأ المجتمع يتحسس نفسه ويستعيد عافيته السياسية ويهتم بشؤونه، وأخذ المواطنون يدلون أكثر فأكثر بدلوهم في شؤونهم الخاصة والشؤون الوطنية، الأمر الذي باغت النظام وأربكه وجعله ينكر التزاماته الإصلاحية ويستعين بنهج أمني فات زمانه، يقنع المواطنين أنه لا يملك رؤية إصلاحية أو برنامجا للتغيير، وأنه لا يعرف كيف يتعامل مع مشكلاتهم، لأنه تقادم وابتعد عن رغباتهم ومصالحهم، وصار مفلسا وعاجزا عن بلورة بديل لسياساته ثبت فشلها، كان قد وعد بتقديمه طيلة سنوات حكمه الخمس الأخيرة، التي شهدت إصلاحا اقتصاديا فاشلا، ثم إصلاحا إداريا فاشلا، وتشهد اليوم إصلاحا قضائيا أمني الطابع، يعطي المخابرات حق التدخل المفتوح في شؤون السلطة القضائية، بدل أن يضمن استقلالها وحقها في الرقابة علي أية سلطة أخري في البلد.
هل صحيح أن المعارضة ارتكبت خطأ الاعتقاد بقدرة السلطة علي إنجاز الإصلاح؟ لأقل باديء ذي بدء أنها لو فعلت ذلك لكانت ارتكبت خطأ جسيما. لكنها لم تفعل، بدلالـــة ما يلي :
1 ـ قدمت تصورا للإصلاح يبدأ سياسيا لأن هدفه تغيير النظام القائم، يرتكز علي أسس تختلف عن الأسس التي يقوم عليها، وتتم بقوي تتخطاه، يعبر عن رفضها الالتحاق به أو الدخول في تحالف معه هو محوره علي طراز الجبهة الوطنية التقدمية، ويرمي في مرحلته الأولي إلي إحداث تغيير سياسي يبدأ بحالة انتقالية تأخذ القوي السياسية المتآلفة في نهايتها البلاد إلي نظام مختلف عن نظامها الراهن. هذا النمط من الإصلاح لم يندرج في الإصلاح السلطوي الذي طرحه النظام، بل تخطاه إلي إصلاح وطني شامل حمل اسمه.
2 ـ عملت، وما زالت تعمل، علي دفع النظام إلي إصلاح يبدل طابعه السياسي ونمط سيطرته، ولا يقف عند إصلاح السلطة وحدها. هذا الإصلاح، بما يصاحبه من حراك مجتمعي وسياسي، ومن تبدل في علاقات وتوازنات القوي، وعودة الناس إلي السياسة، قد يكون بداية تفكك النظام في ظرف داخلي وإقليمي ودولي جديد نشأ بعد انهيار النظم الشمولية الشبيهة به في المعسكر الشرقي السابق، وجعل إعادة إنتاج صورته الحالية ضربا من المحال. كانت التجارب الحديثة تقول إن الإصلاح لن يفضي إلي تجديد النظام بل سيؤدي إلي تغييره، وأنه لا يريد لهذا السبب أي إصلاح، بما في ذلك إصلاح السلطة. لذلك، سعت المعارضة إلي زيادة الضغط عليه بزيادة تعبئة الشعب حول مطلب الإصلاح، وبإجراء تغيير في عملها أعطي الأولوية لحل مشكلات البلاد وأزماتها الكثيرة، وجمد شعار إسقاط النظام، الذي كانت قد اعتمدته طيلة نيف وثلاثين عاما، لاعتقادها أن تعبئة الشعب وحل مشكلات البلاد بمشاركته سيغيران البيئة السياسية السورية وعلاقات مكوناتها، وسيشجعان المواطن علي النضال من أجل تغيير يتحقق بوسائل وتكتيكات تحد من قدرة السلطة علي القمع ومن ممارستها له، يغطيها توافق وطني ومجتمعي واسع عنصره الجديد والمهم مشاركة الشعب في العمل العام، لأن مشاركته وليس وعود النظام أو رغبات المعارضة، هي التي ستقرر في النهاية مصير البلد والنظام.
3 ـ العمل علي تعبئة وتوحيد مكونات الطيف السياسي خارج السلطة، بإيجاد أرضية مشتركة توحد نظراتها وبرامجها ومطالبها. ومن يتأمل المشهد السياسي السوري الراهن سيجد أن هذا العمل أتي ثماره، وان هناك وحدة متنامية في برامج ومطالب القوي السياسية والمدنية، وتيارات الليبرالية والإسلام السياسي الرئيسية، فضلا عن القوي الأساسية في الساحة الكردية، وسيري أن هذه القوي والتيارات تلتقي جميعها علي مطلب الديموقراطية، وإن قدمت قراءات متنوعة له، وتتعهد جميعها بنبذ العنف وانتهاج سياسات تقوم علي الحوار السلمي، تنمي المتوافق عليه والمشترك، وتعتبر الديموقراطية خيارا لا رجعة عنه.
هل هذا خطأ. هل كان استثمار ضرورة الإصلاح خطأ وقعت فيه المعارضة، التي حافظت علي موقفها من النظام، وأبقت مسافة شاسعة بينها وبينه، ولم تتخل لحظة واحدة عن انتقاده وكشف عيوبه ومقاومة سياساته وتدابيره وتبيان طابعها وما فيها من قصور وتهافت وإضرار بمصالح البلاد والشعب؟ هل يصدق نقاد المعارضة أنها قبضت قصة الإصلاح الرسمي، وتهاونت فيه، وربطت مصيرها به؟ إذا كان هناك من يصدق، فهو لا يتابع بالتأكيد ما يحدث في سورية، حتي لا أقول إنه لا يبذل الجهد الكافي لفهمه.
فضلا عن ما سبق، من الضروري ملاحظة أن سياسات المعارضة تنضوي في سياق دولي وإقليمي ومحلي يفرض منطقه في كل مكان، لم تقبل به بسبب ضعفها، كما يقول نفر من نقادها يتجاهل أنها قاتلت في ظروف أسوأ بكثير من ظرفها الراهن ضد نظام أقوي بكثير من النظام الحالي، ودفعت دون تردد ثمن مواقفها، فلن يمنعها الخوف المزعوم من إبداء قدر من الممانعة والمقاومة يعادل أو يفوق ما أبدته طيلة نيف وثلاثين عاما قاسية.
هل فعلت المعارضة كل ما كان يمكن فعله حقا؟ أقول بكلمة واحدة: لا، لقد كان بوسعها فعل ما هو أكثر بكثير، انطلاقا من خطها السياسي الراهن وليس من خارجه، كما يظن بعض من يتابعون شؤونها. غير أن هذا موضوع آخر، قد أعود إليه يوما ما.