الانقلاب في الاستراتيجيات السياسية

بقلم طيب تيزيني - الاتحاد

 

جاء الانقلاب في الاستراتيجيات السياسية، الذي ترافق مع نشأة النظام العالمي الجديد، ليُحدث تحولاً عميقاً في العلاقات الدولية أولاً، وليؤسس تطابقاً أولياً بينه (أي الانقلاب) وبين النظام العربي ثانياً أما الانقلاب المعنِي فهو الذي يتمثل في الانتقال من المقولة الاستراتيجية، التي وضعها كلاوزفيتش وتقوم على أن الحرب هي امتداد للسياسة وإن بوسائل أخرى، إلى نقيض هذه المقولة عبر التأكيد على أن السياسة هي امتداد للحرب وإن بوسائل أخرى والآن، إذا دققنا في ذلك وفيما إذا كانت هنالك علاقة بينه وبين النواظم، التي يلجأ إليها النظام العربي وتمثل ضابطاً له ومعياراً، فإننا نضع يدنا على ما يلي: إذا كانت السياسة قد أصبحت الاستطالة السياسية للحرب في النظام العالمي الجديد، فإنها (أي السياسة) غدت مثل تلك الاستطالة لـالدولة الأمنية أو لـالنظام الأمني، الذي له حضور حاسم قليلاً أو كثيراً في العالم العربي أو في معظمه

نعم تلك الدولة الأمنية أسّست لما يؤسّس له النظام العالمي الجديد، حين ألغت السياسة والفعل السياسي والمنظومة السياسية المنهجية والمجتمع السياسي، لتجد نفسها شيئاً فشيئاً وقد تحولت إلى ضحية فِعلتها فبقدر ما حاصرت شعبها واستأثرت بسلطته وثروته وحقوقه الإعلامية والمدنية والقضائية والسياسية خصوصاً، على امتداد ثلاثة عقود على الأقل، تجد نفسها الآن أمام استحقاقات تطرحها عليها الإدارات الأجنبية، وتتلخص في القيام بإصلاح وطني ديمقراطي شامل وفعلي فكيف العمل؟ إن تلك الإدارات، والأميركية منها تخصيصاً، هي التي أسهمت بقوة في إنتاج الدول الأمنية في العالم العربي؛ وهي التي تطالبها الآن بالقيام بذلك الإصلاح ولذلك، تجد نفسها هذه الدول أمام صعوبات كبرى حيال إنجاز الإصلاح المطلوب، ومنها أنها فككت المجتمع السياسي، على ضآلته، فيها، وقيّدت أيدي الشعب، الذي أخذت تخترقه عوامل انحطاط أخلاقي وتربوي وثقافي هائلة تكوّن صعوبة موضوعية فعلية في الحقل الذي نحن بصدده

ولقد كان العراق دولة عربية رائدة في تدمير تحصيناتها المتمثلة في الديمقراطية والتعددية وحق التداول السلمي للسلطة والحراك السياسي الشعبي وكان عليه أن يدفع ثمناً باهظاً: تفكك النظام وتفكك الشعب، وظهرت أشباح التقسيم الطائفي والمذهبي والإثني والعرقي فيه، إلى جانب نمط من المقاومة الوطنية، التي يُعمل على اختراقها إن لم تكن مخترقة والصيغة الأخرى من تلك الوضعية راحت تتجلى في النظام بسوريا فهذا الأخير الذي كان عليه أن يلتقط الرسالة والدرس مما حدث في بغداد، وقف، بمكابرة ماحقة، يرفض ما يترتب عليه من استحقاقات وطنية داخلية، أولها إلغاء أو تجميد قانون الطوارئ ذي العمر الممتد ثلاثة وأربعين عاماً، وآخرها إطلاق حرية الرأي والحوار الوطني الديمقراطي عبر أجهزة إعلام قائمة على تعددية ديمقراطية حقة ولعلنا نلاحظ أن أقدمية النظام الأمني العربي حيال النظام العالمي الجديد إنما تأتي على قاعدة التأسيس لحالة من الاستبداد الكلي، الذي يجسده هذا النظام والذي صار بمثابة إشكالية أمام الداخل والخارج: أمام الداخل، الذي يمتنع النظام المذكور عن أن ينفتح عليه بشرف وصدقية؛ وأمام الخارج، الذي أنهى حالة اللعب مع ذلك النظام، لأن مصالحة ما أصبحت تقتضي ذلك

وفي هذا المعقد الإشكالي، يتضح أن ما على النظام في سوريا أن ينجزه للخروج من مأزق تاريخي قد يكون الأخير أمامه، وهو إطلاق المجتمع السياسي، هو نفسه، ما يعضّ عليه بالنواجذ: كيف يمكن اعتبار القوى السياسية والاجتماعية والنقابية والثقافية والقضائية في البلد نِدّاً للنظام القائم؟ إن ذلك غريب على هذا، وستكون المراوغة عليه واللّف عليه قائمين حتى سقوطه؟ إن هذا الأمر مرعب! ذلك لأن هذا السقوط ستترتب عليه مخاطر عظمى نماذجها نعيشها على ضربة حجر، منا هنا تبرز في سوريا الضرورة الوجودية القصوى للتداعي إلى معالجة ما هو قائم بروح من المصالحة بين الجميع وفي ضوء الحفاظ على سوريا وفي هذه الحال، فإن تعامل سوريا مع المجتمع الدولي بكثير من الشفافية والمصداقية أمر هو الآن بمثابة مدخل إلى إنقاذها، حتى لو اقتضى ذلك تسليم ما يُشتبه فيهم من الأمنيين والرسميين، لأن الوطن مهدد الآن، وهو فوق الجميع