لماذا يخلط المثقفون العرب بين الليبرالية والديموقراطية؟

برهان غليون - النهار

 

يعكس الخلط بين مفهومي الديموقراطية والليبرالية رغبة بعض قطاعات المثقفين العرب في تفسير الديموقراطية، بما يساعد على مواجهة القيود والضغوط التي تمارسها المجتمعات التقليدية على الفرد في ما يتجاوز مسألة الرد على تحديات السلطة الاستبدادية، ويثير في المقابل مخاوف كبيرة لدى قطاعات الرأي العام الواسعة التي تخشى ان يكون مضمون الديموقراطية الاباحة الكاملة لكل ما يمكن ان يشكل خرقا للقيم والتقاليد والعقائد الدينية.

الديموقراطية لا تتناقض بالاساس مع الليبرالية التي شكلت حاضنتها الفلسفية والسياسية الرئيسة، الا انها لا تتطابق معها، بل هي تنزع الى الاستقلال اكثر فأكثر في مفهومها ومنظومة ممارستها عنها. وفي هذه الحقبة التي تشهد عودة قوية للفلسفة الليبرالية عموما، وفي عالم الجنوب والشرق بشكل خاص (كما يتبين من صدى افكار فوكوياما، على اثر الانحسار، ان لم نقل التلاشي، الذي شهدته الفلسفات المناوئه، في سياقات انهيار الفكرة الشيوعية وتراجع الايديولوجيات القومية وانبعاث افكار وحركات المجتمع المدني وحقوق الانسان) يصبح من المفيد اعادة فحص هذين المفهومين المترادفين الديموقراطية والليبرالية، والسعي الى ابراز المستويات المختلفة لتطابقهما وانفصالهما.

ينبغي بالتأكيد الحذر من معاملة المفاهيم الفكرية كما لو كانت مفاهيم جامدة وجاهزة، فمضامينها تتطور وتتبدل باستمرار. لكن برغم ان المفاهيم لا تحتفظ بدلالاتها من دون تغيير لفترات طويلة وان مضمونها التاريخي يرتبط في النهاية بالسياق الاجتماعي الذي تعاود الظهور فيه الا ان استخدامها في فترات متباعدة وفي سياق مجتمعية متعددة يؤكد ان للمفاهيم الاجتماعية بعض الدلالات الثابتة التي من دونها لا يستقيم معناها.

تنطوي الليبرالية على اعتقادات ثابتة اساسية لا تستقيم من دونها:

اولها، مبدأ الانسجام الطبيعي الذي يقضي بأن لا يتناقض بحث الفرد الحر عن مصالحه الخاصة، مع تحقيق المصلحة العامة للجميع، بل هو على العكس يشكل ضمانته الحقيقية. ويعني ذلك انه اذا تركنا كل فرد يبحث بحرية عن مصلحته الخاصة، سنصل الى انسجام حقيقي في المصالح اكثر بكثير مما لو سمحنا للدولة بأن تتدخل لضمان مثل هذا الانسجام او لاختراعه.

ثانيها، ان حقل الحرية السياسية يتطابق مع حقل الحرية الاقتصادية، ولا يعني هذا مجرد الافتراض بأن الاقتصاد الحر هو شرط للحرية السياسية او الديموقراطية فحسب ولكن اكثر من ذلك ان الحريات الاقتصادية المجسدة في اقتصاد السوق الحر تقود مباشرة وتلقائياً الى نشوء الحريات السياسية وتأكيدها.

وثالثها، ان الديموقراطية والليبرالية متطابقتان تماما فلا ديموقرطية من دون ليبرالية ولا ليبرالية من دون ديموقراطية وبالتالي فالليبرالية تضمن بشكل تلقائي تكافؤ الفرص وآفاق الارتقاء الاجتماعي والمشاركة السياسية لجميع الافراد بقدر ما تضمن النمو والتقدم الاقتصادي.

النيوليبرالية التي تشكل الايديولوجية الجديدة لحقبة ما بعد الحرب الباردة في مركز العالم الصناعي والتي تنتشر بسرعة في بقية بقاع العالم، هي مذهب العودة الى اصول الليبرالية، وتعني اذاًً تحريرها من القيود التي ادخلت عليها منذ العقود الاولى من القرن العشرين، كرد على الازمات الكبرى التي واجهتها ومنها ازمة الكساد الكبرى في نهاية الثلاثينات. وكما مع كل عودة للاصول مبالغة في التركيز على المبادىء والقيم الاساسية التي يتضمنها المذهب او النظام المستعاد. لا تكتفي النيوليبرالية بالتأكيد على ضرورة التراجع عن تدخل الدولة المباشر والواسع في النشاطات الاقتصادية والانتاجية بما في ذلك قطاع الخدمات العامة واخضاعها جميعا لقاعدة المنافسة وقانون العرض والطلب، بل هي تسعى اكثر من ذلك الى تجاوز نظام السوق الرأسمالية القومية او الوطنية الذي ساد في المراحل السابقة وما يعنيه من ممارسة الدولة حقها في السيادة الاقتصادية ووضع التعريفات الجمركية الحمائية وتنشد بناء سوق رأسمالية على امتداد الكرة الارضية، وهو ما يندرج اليوم تحت اسم العولمة.

وفي السياسة تعني النيوليبرالية التخلص من دولة الرعاية والدعم التي نشأت في الحقبة الماضية. انها تنظر الى الخدمات التعليمية والصحية والضمانات الاجتماعية المختلفة التي وفرتها هذه الدولة في السابق على انها معوقة للمجتمع الحر لأنها تقيد اختيارات افراده مثلما هي معوقة للتقدم الاقتصادي بقدر ما تفرض اكراها وكوابح على سوق التداول الحر للسلع والخدمات والمهارات.

لا يقبل الفكر الديموقراطي المعاصر بالمسلمة القائلة بأن احترام الحريات الفردية يقود حتماً الى تحقيق القيم الانسانية المطلوبة، وينتج تلقائياً العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص لأبناء المجتمع الواحد ولا يؤمن تاليا بالانسجام الطبيعي بين حقلي الحرية الاقتصادية والسياسية.

الحرية لا بد ان تترافق مع سياسات اجتماعية واقتصادية تضمن حدا ادنى من استقلال الافراد بما يمكنهم من ممارسة حرياتهم "الشكلية". الحرية وحدها ليست مبدأ كافيا لقيام نظام ديموقراطي واجتماعي صالح وناجع بالرغم من انها تبقى قيمة اساسية فيها. فأي معنى للحرية من دون عدالة ومساواة قانونية فعلية. ومن هنا لا يعتبر الفكر الديموقراطي المعاصر عدم تدخل الدولة في العملية الاقتصادية مذهبا مقدسا وشرطا لقيام اقتصاد سوق ناجح ومنتج.

من هنا سيتبلور عبر التجربة التاريخية الطويلة مفهوم للديموقراطية يتقاطع مع الليبرالية في مناح عديدة. المنحى الاول هو التمييز بين المظاهر السطحية والشكلية للممارسة الديموقراطية وتحقيق القيم العميقة للفلسفة الليبرالية. وكان ماركس اول من كشف عن هذا التناقض العميق بين الحريات الشكلية التي وعدت بها الليبرالية والعبودية التي ينتجها ويفرضها تحكم رأس المال على الطبقات الشعبية. وبالرغم من الانجراف الذي قادت اليه هذه النظرية الصحيحة والذي اتخذ شكل معارضة نظام الحرية السياسية اي الديموقراطية "الشكلية" (كما كان يقول الماركسيون) بنظام المساواة الاجتماعية او الديموقراطية "الشعبية" التي تقوم على عدالة توزيع الثروة، الا ان تطور التجربة الليبرالية نفسها قد اسفر عن رؤية تكاد تكون موضع اجماع على امرين: الاول ان الديموقراطية، بما تعنيه من ضمان حرية الافراد ومشاركتهم السياسية واستقلالهم، لا يمكن ان تتحقق من دون حد ادنى من العدالة والانصاف في توزيع الثروة. والثاني ان نظام السوق، بالرغم من قانون المنافسة الذي يضبطه، يقود حتما وبصورة تلقائية الى تركيز الثروة وبالتالي ايضا السلطة والمعرفة بيد فئات قليلة.

ومن هنا طورت جميع البلدان الليبرالية الاوروبية التقليدية مع الزمن سياسات اجتماعية اساسية لتجاوز هذا التناقض الى ضوابط سياسية واقتصادية واجتماعية تمنع اصحاب الرساميل من السيطرة المتزايدة على مصادر الثروة والسلطة في المجتمع وتقضي على الديموقراطية باسم الحرية.

وهكذا صار من الممكن الحديث، من دون فقدان الاتساق المنطقي، عن ديموقراطية مسيحية او اشتراكية تستمد شرعية القيم الانسانية التي تعمل من اجلها عقائد او فلسفات اخرى. وفي تركيا الراهنة يمكن الحديث عن ديموقراطية اسلامية تؤكد على الالتزام بقواعد الديموقراطية وقيم العدالة والمساواة والحرية، انطلاقا من ومع التمسك ببعض القيم الروحية والاجتماعية والثقافية الخاصة، بما في ذلك ربما التأكيد على اهمية التضامن داخل الأسرة او تشجيع المؤسسات الاهلية والخيرية... الخ.

وهذا يعني ان من الممكن تماما ان تكون هناك ديموقراطية لا تقاس سعادة المجتمع ورفاهه فيها بحجم او بعدد الحريات الفردية الممارسة. وان تكون الاسبقية فيها لقيم العدالة والمساواة والحرية، انطلاقا من ومع التمسك ببعض القيم الروحية والاجتماعية والثقافية الخاصة، بما في ذلك ربما التأكيد على اهمية التضامن داخل الاسرة او تشجيع المؤسسات الاهلية والخيرية... الخ.

وهذا يعني ان من الممكن تماما ان تكون هناك ديموقراطية لا تقاس سعادة المجتمع ورفاهه فيها بحجم او بعدد الحريات الفردية الممارسة، وان تكون الاسبقية فيها لقيم العدالة او المساواة بين المواطنين او بين الجنسين او بين الطبقات او الاقاليم والجماعات المختلفة، خاصة عندما تكون الفوارق بينها ذات طبيعة خطيرة واستثنائية.

تحرير الفكرة الديموقراطية

من الفلسفة الليبرالية شرط تعميمها

في العالم العربي المعاصر لا تبرز فلسفة الليبرالية، كتعبير عن ولادة روح فردية قوية ومستقلة بالفعل ومبادرة، بقدر ما تعبر عن خيبة امل قسم من الرأي العام بأنظمة حكم انبثقت خلال نصف القرن الماضي وفرضت  نفسها باسم القومية والاشتراكية واتسمت بما يشبه عبادة الدولة وتقديس دورها الاجتماعي على حساب الفرد وحريته واستقلاله وكرامته. ولذلك فهي لا تبدو كفلسفة اوسع من الديموقراطية، ولكن كتيار فكري مكمل لها او كالجناح الراديكالي في الحركة الديموقراطية.

ومن يقرأ الادبيات السياسية العربية الاحدث، يدرك بسهولة الاختلاط العميق الذي يسيطر على الثقافة السياسية العربية في ما يتعلق بمفهومي الديموقراطية والليبرالية واحيانا عن استخدامهما بمعنى واحد. بيد ان الامر لا يتوقف على مجرد الخلط بين المفهومين وعدم إدراك الفرق بينهما وإنما يذهب ابعد من ذلك فيطابق بين الديموقراطية والليبرالية او ينزع الى تفسير الديموقراطية تفسيراً ليبراليا. ولا يحصل ذلك بسبب معرفة قيم الليبرالية، بل نتيجة الاعتقاد بأن هذه القيم هي جزء لا يتجزأ من الديموقراطية اي من تأكيد قيم الحرية والعدالة والمساواة بين جميع الافراد بصفتهم افرادا احرارا واسياد انفسهم خارج اي اكراهات مجتمعية او حكومية.

من نتائج هذه المطابقة السلبية والمضرة بالديموقراطية نزوع من يطلقون على انفسهم اسم الليبراليين العرب، وانطلاقا من جعل الحرية، الى التضحية بقيم اساسية لا تستقيم الى الديموقراطية العربية من دون احترامها. ومن هذه القيم: العدالة الاجتماعية والمساواة القانونية الوطنية المرتبطة بها والتضامن الاجتماعي. ومنها، بالنسبة للمجتمعات العربية التي لم تنجح بعد في الخروج من سياق الهيمنة الاستعمارية، القيم الوطنية المرتبطة بمهمات تحقيق او حماية الاستقلال والسيادة الوطنية التي ركزت عليها النظم السابقة وبشكل خاص تجاه الدول الكبرى وفي طليعتها الولايات المتحدة الاميركية واوروبا. ومنها ما يتعلق بمسائل التأكيد على الهوية العربية وما ارتبط ويرتبط بها من نزوعات الى بناء مشاريع الوحدة او الاتحاد او التعاون الاقليمي الخاص بين البلدان العربية. ومنها ايضا واحيانا التضامن مع قضايا الامة العربية وفي مقدمها القضية الفلسطينية.

نلاحظ ان الليبراليين العرب الجدد انما يتخلون  عن هذه القيم الانسانية العميقة وفي مقدمتها التطلعات الاقليمية والوطنية بتأكيد  قيم احترام التنوع العرقي والديني والتركيز على قضايا المعيشة وتحسين مستويات الدخل والتنمية والتعاون مع الدول الاجنبية من دون ايلاء اهتمام كبير لمسائل السيادة والحساسيات الشعبية التاريخية. ويخشى ان تتماهى الليبرالية اكثر فاكثر في البلاد العربية مع التأمرك او حب التماثل مع اميركا والاقتداء بنموذجها الاجتماعي.

لا شك في ان قيم الليبرالية الجديدة، كما يعيد اكتشافها فريق من المثقفين العرب في سياق صراعهم المشروع ضد النظم الاستبدادية القاسية، وفي مواجهة القيود التي تفرضها التقاليد الاجتماعية والدينية المحافظة، تميل الى وضع نفسها في مواجهة مباشرة مع القيم السائدة. ويخشى ان يكون مصير التيار الليبرالي العربي الجديد، ومن ورائه مصير النخب المثقفة العربية، في هذا الربع الاول من القرن الحادي والعشرين شبيهاً بمصير التيار الماركسي، الذي نشأ وتصاعد نفوذه في اوساط المثقفين في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

فكلا التيارين ينزع الى ان يعكس تمرد فئات من المثقفين على القيود المجحفة التي يضعها المجتمع والدولة على حرية الفكر والاعتقاد والمشاركة السياسية ويهدد، لهذا السبب ذاته، بدفع المثقفين او جزء منهم الى تبني موقف يشبه موقف المنشقين على الدولة والمجتمع. ومن شأن هذا الموقف ان يقود ايضا الى تفاقم شعور المثقفين بالعزلة والتهميش، فهو يشجع لدى بعضهم المراهنة بشكل متزايد على التعاون مع القوى الخارجية، لا بل على التدخلات الاجنبية في سبيل تحقيق تحولات ديموقراطية فعلية داخل مجتمعات تبدو غير قادرة في نظرهم على تحقيقها بعناصرها الذاتية.

ان التطلع الى بناء الذاتية الفردية الحرة والمتحررة من القيود، ومواجهة الاطراف الاجتماعية المختلفة التي تشكل مصدر سلطة او صلاحية خاصة، سواء أكانت مجتمعا شاملا ام طبقة ام قبيلة ام طائفة ام عائلة، قد يفتح الباب امام التقليل من قيمة الذاتية الجمعية ومن مسؤولية الدولة والمجتمع معا تجاه الفرد. وقد يقود التطرف الليبرالي، الى عكس ما يهدف اليه، اي الى تهديد الذاتية الفردية، وفرض الوصاية وخلق الظروف التي تحول دون تعميم الحريات، دون تنظيم الحياة الاجتماعية على أسس من العدالة والمساواة والاعتراف بمركزية الانسان وقيمة وجوده الاصيلة.

ان الديموقراطية لم تعد رديفا لليبرالية، ولكن نموذجا للحكم الصالح الذي يشمل تحقيق مجموعة من القيم الانسانية الرئيسة. الى جانب قيم اخرى تعكس خصوصية المجتمعات وظروف تطورها. هناك ثلاث رؤى مختلفة ومتباينة تنمو اليوم في العالم العربي لطبيعة الاهداف والمهمات التي يتعين على الديموقراطية الآتية ان تعمل عليها: ديموقراطية اجتماعية وديموقراطية اسلامية وديموقراطية ليبرالية.

فالديموقراطية الاجتماعية تعتبر التحويل الديموقراطي، وإعادة إشراك الشعب في السياسة، وإقامة سلطة تعددية على أسس الشرعية الانتخابية، وسيلة من أجل تحقيق مساواة أكبر بين الأفراد أمام القانون وفي مجالات الحياة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وشروط المعيشة. فنظام التسلط والديكتاتورية لا يعمل اليوم بشكل واضح لمصلحة تركيز الثروة المتزايد فحسب، بل يضاً لمصلحة تهميش الشعب وإخراجه من دائرة القرار كما يعمل لمصلحة تعميق الإفقار الثقافي والفكري وجعل المعرفة والعلم والتربية والتعليم حكرا على الخاصة من المجتمع.

فالخيار الديموقراطي الاجتماعي يجعل من التنمية الاقتصادية والاجتماعية الغاية الأولى للسلطة السياسية وبالتالي ينظر بعين أكثر استعجالا الى تحقيق الوحدة والتعاون الإقليمي والدفاع عن القيم الوطنية. وهناك ديموقراطية إسلامية تريد أن تكون التعددية المنتظرة وما تتضمنه من اعتراف بالحريات والحقوق الاساسية للفرد المواطن وسيلة لإضفاء طابع القيم الإسلامية واحترام الطقوس والتقاليد الشعبية على الحياة العمومية وبث درجة أكبر من الأخلاق في حياة الأفراد والجماعات، في  الدولة والحياة الخاصة معا. أي بناء العلاقات والحياة العمومية على أسس أخلاقية.

وهناك مشروع الديموقراطية الليبرالية الذي يريد التعددية لجعل الحرية قيمة أساسية وذات أسبقية في الثقافة الوطنية وتقديس الفرد وضمان استقلاله امام مختلف السلطات التابعة للدولة او للمجتمع او للأجهزة الأمنية والبيروقراطية.

لقد اظهرت التجربة التاريخية أن فصل مسألة الحرية، التي هي مسألة جوهرية في الديموقراطية، عن القيم الإنسانية الأخرى التابعة من التضامن الاجتماعي وفي مقدمها قيم العدالة والمساواة، يقود لا محالة الى تفريغ الفلسفة الليبرالية نفسها من روحها الإنسانوية التي كانت هي الأصل في نشوئها. وفي هذه الحالة يمكن الليبرالية ان تتحول، وهي تتحول بالفعل، الى عائق امام الديموقراطية ليس فقط بسبب ما تفترضه من تطابق تلقائي بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية فحسب، وإنما أكثر لأنها تنزع الى تجاهل قيم العدالة والمساواة التي لا يمكن ان تستقيم من دون تدخل الدولة الممثلة لعموم الشعب وإرادته العامة. إنها باسم السعي الى أقصى درجة من الحرية الفردية، توشك ان تقضي على شروط انبثاق الحرية الحقيقية وتعميمها وتهدد بان تصبح فلسفة لا إنسانية ولا أخلاقية.

() ينشر هذا النص في العدد الجديد من "بدائل"، المجلة العربية التي تصدر بالتعاون مع مجلة "ذو ايكولوجيست" البريطانية وترأس تحريرها ليلى غانم.