من اين تبدأ ثقافة الحقيقة مجدداً؟ من جريمة قتل زعيم... ام من قتل امة وتاريخ وحضارة!

مطاع صفدي- القدس العربي

 


يتمني بوش ان يكرر سيناريو العراق مع سورية، ولكن بدون تكاليفه الباهظة، وبدون الحرب نفسها واهوالها علي المنتصر بأكثر من المنهزم احيانا، كما تقول تجربة الاحتلال يوميا بفظائعها وارتكاباتها المفزعة. يتمني ان يخوض الحرب السياسية او الحرب نفسها ولكن بوسائل السياسة. خاصة بعد ان استولت الدبلوماسية علي السياسة العالمية، وامكن احتكار الشرعية الدولية من قبل دبلوماسية القوة العظمي، كما هو منطوق قانون التنافس بين جبابرة الارض علي الامساك بدفة المصير الانساني كله. وهذه الدفة تعبث بها عواصف الشرق الاوسط. والامريكي البشع يريد ان يبقي سيد العواصف جميعها، وحده بدون منازع، مع العلم ان المنازع الاول له علي السيادة، ليس الاتحاد السوفييتي كما كان طيلة الحرب الباردة. فبعد زوال تلك القوي الكبري الاخري لم يتبق امام المتسلط المتوحد الا ممانعة الضحية المستهدفة عينها. ذلك هو معني انكشاف الشرق الاوسط او العالم العربي بالاحري، وهو انكشاف مضاعف، اذ فقد هذا العالم العربي كل عون خارجي من ناحية، مثلما فقد اقل ثقة بأنظمته الحاكمة، وباتت شعوبه وحيدة وجها لوجه امام هجمة العولمة المتوحشة بقيادة الامركة المعسكرة التي لم تعد تخاطب شعوب المنطقة، والعالم من ورائها، الا علي انها غنائم مفترضة مبرمجة في اجندتها، وتنتظر الدول العربية خاصة متي يأتيها الدور الامريكي واحدة بعد الاخري.
لقد حان الوقت لعالم اليوم، وليس لاهل المشرق العربي والاسلامي فقط، طرح اشكالية التحريض والعدوان المتواصل علي ما يسمي بالشرق الاوسط باعتبارها امست تشكل ذروة عليا لاستراتيجية الغرب عامة، ومنذ نهاية الحرب العالمية الاولي، للاستيلاء العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي علي هذا الشرق الاوسط. فلقد توالت شتي المعارك والحروب الكبري والاقليمية بين الغرب واعدائه المتواصلين من داخل قارته الاوروبية، بدءا من صراعه ضد الفاشية والنازية طيلة النصف الاول من القرن العشرين، ثم جاءت الحرب الباردة ضد الشيوعية وسيطرت علي سياسته الدولية للنصف الثاني من القرن نفسه، لكن استراتيجية الاستيلاء علي الشرق الاوسط والتلاعب بمصائر اقطاره ودوله وجغرافيته، والتحكم في مختلف شؤون حياته العامة والخاصة، هي المستمرة وحدها بأهدافها الاولي حتي منذ ايام الغزوات الصليبية المتلاحقة منذ عشرة قرون، الا ان الغزو الحديث والمعاصر اصبح مستقرا وثابتا وداخليا منذ مئة عام. كأنما هذا الغرب الاوروبي ثم الامريكي الراهن لا يجد سببا بنيويا لاستمرار حضارته المادية اللااخلاقية واللاانسانية الا بحرمان حضارات الجنوب من استقلالها وسيادتها، والاستيلاء علي مصائرها وثرواتها، ولا يزال العرب واسلامهم تحديدا هو بؤرة هذه الاستراتيجية التي اضحت ومنذ القديم تعادل بقاء الغرب وقوته ومناعته وازدهاره، بمعني ان اعمق اسباب وجوده عينه موجودة خارجه دائما، ومتوفرة فقط في هذا الشرق، وفي عهدة العرب والاسلام اولا حتي انتهت اعظم قوي الغرب، وهي امريكا، الي اختراع اخطر ايديولوجيا لذلك العدوان الشمولي غير المسبوق تاريخيا تحت اسم الارهاب والحرب العالمية المستمرة عليه، والمقصود منه واحد، وعدوه هو العدو المصمم ابديا والمستقر ابديا كذلك في اوطان العرب واسلامهم.
لقد باتت ايديولوجيا الارهاب في ثقافة العدوان الامريكي تعادل مفهوما مركزيا، وهو تجريد الشرق الاوسط من آخر اشكال ممانعته الذاتية وحتي العفوية. لقد صار ممنوعا عليه حتي ان يموت باختياره فقد انجز الغرب الاوروبي سابقا تجريد الشرق الاوسط من مختلف شروط دفاعاته الطبيعية، وجاء الغرب الامريكي اخيرا كيما يكافح حتي خيار الموت (الاستشهادي) وطريقته في اماتة الذات كأسلوب في اماتة الآخر، صارت حرية موت العربي والاسلامي ممنوعة علي اصحابها، ومع ذلك يظل الارهاب حجة الامريكي البشع لاستكمال تنظيفه للمشرق من آخر بقايا الممانعة السياسية. وسورية رغم انها كانت السباقة في اكتشاف ومحاربة الاسلام الجهادي منذ انتفاضة الاخوان المسلمين المسلحة ضد نظام حافظ الاسد في مطلع الثمانينات القرن الماضي، الا ان جريرتها الكبري اليوم انها لم تتعظ بما حصل بالعراق، ورفضت الغزو، ولم تمنع مقاومة الاحتلال بالشدة التي يطلبها الغازي الامريكي. علي الرغم من كل التأشيرات الصارخة في وضوحها التي اعطت لسورية او ايران الدور الثاني في اجندة الغزو الغربي الامريكي للشرق عامة، ومن بوابته التقليدية (الشرق الاوسط)، فقد راهن نظام دمشق علي تجنب الاجندة البوشية هذه بمنطق المناورة والمداورة والتلويح بالصفقات المعقودة معها او المطلوبة بالرغم من هذا الرهان القديم الذي كان الاستاذ المجلي في استخدامه هو مؤسس هذا النظام وصاحبه الرئيس الراحل حافـظ الاسد، الا ان ما اعاق استمرار هذا النهج في عهد ابنه وتلميذه الرئيس بشار ليس تغير الظروف الدولية فحسب، بل هو هذا التقصير الفادح في فهم ضرورة التغيير الذاتي في اعادة خلق وتكوين العلاقة مع الشعبين السوري واللبناني المحكومين بذات العقلية الاحادية التملكية التي استبدت كليا بسلوك الزمرة الجديدة وغير الخبيرة التي تحلقت حول الرئاسة الشابة، اعتقدت بمناعة حاكميتها الأمرية المطلقة، والي ان وقعت الخطيئة الكبري مع اغتيال الحريري كأنها حادث عرضي من احداث الحروب الاهلية اللبنانية المعتادة في قتل الرموز السياسية والطائفية لدي مختلف جماعات الصراع الاهلي، ذلك هو خطأ التقدير وحسابات التوازنات والظروف وخطيئة التوقيتين معا الاهلي الداخلي والاقليمي.
لقد حلت كارثة الجريمة السياسية في اللحظة المرتقبة من اضمحلال اعلي موجات العدوان الغربي المستمر التقليدي علي (الشرق الاوسط) الذي يكاد يصير اسمه فقط الغزو الامريكي العسكري المباشر بأحدث تقنيات التدمير الشامل، كان ذلك في وقت افول وافلاس الاحتلال للعراق، والضياع الاستراتيجي وقلق البحث المجنون عن المخرج بأي وسيلة كانت. فالجريمة السياسية العمياء هي الوسيلة وهي الذرية المجانية لان تستأنف موجة الغزو صعودها الاجرامي الشامل من هوة انحدارها فتنتقل من فشلها المدقع مع صمود المقاومة العراقية الي محاولة نجاح رخيص وانتصار شبه عسكري ولكن بطريقة الوصاية السياسية المباشرة علي بقية المشرق بتمامه، ويغدو هكذا (مشروع) الشرق الاوسط في جناحه المشرقي قيد التحقق اليومي، ومسيطرا عليه من قبل الحليفين، وقد صارا جادين وشريكين، امريكا واسرائيل، يتقاسمان كافة اشكال التسلطن المادي والمعنوي علي حكومات المنطقة وشعوبها كافة.
انجز الكاتب الصحافي روبرت فيسك المعروف بنزاهته، والمتخصص في قضايا وحروب المشرق، مذكراته الشخصية عن حروب الثلاثين عاما المنقضية، واصدرها في كتاب خصه بالعنوان الاقنومي الحرب العظمي من اجل الحضارة، الغرب ساعيا للاستيلاء علي الشرق الاوسط انه يعيد الي صدارة الاهتمام تلك الموضوعة التاريخية حول اشكالية فوز الغرب بالشرق الادني منه. انه يذكر ثقافة الغرب ومدنيته ان هاجسه الاول، بل محركه الدائم كان باستمرار السيطرة علي جنوبه، كأنه يريد مخاطبة شعوبه ان كل ما صار يتلقونه من العنف الاسلاموي الجهادي انما هو بعض رد الفعل علي افعال الغرب في شعوب الشرق، بل لعل عنوان كتاب فيسك يذكرنا نحن العرب كذلك بالا نتناسي ابدا ان ندرج كل عدوان او غزو جديد او ما يشبهه من التآمر السياسي والاقتصادي علي بلادنا في عداد هذه الاستراتيجية الشمولية التي شكلت المحرك الدائم والمطور لفعاليات القوي الغربية تجاه اقطار المنطقة العربية من مغربها الي مشرقها، ومحيطها الاسلامي القريب والاسيوي العميق. ولعلنا نواجه راهنيا اصعب انتاجات هذه واعادة احياء جديدة لمخطط الاحتلال المباشر عسكريا او بالوصاية السياسية، امريكيا او اوروبيا بالوكالة.
وحتي نفهم جوقة الشرعية الدولية المستنفرة ابواقها هذه الايام والمتحركة رموزها في كل اتجاه، والمتلاحقة قراراتها وتعابيرها لتصب علي رأس الضحية الجديدة سورية، بأية ذريعة كانت، وبالجريمة السياسية الكبري نفسها التي لا تخرج عن كونها ركنا مركزيا في سمفونية الجوقة، تأليفا وتوزيعا وتنفيذا لكي نفهم حقيقة ما يدبر للقطرين التوأمين سورية ولبنان معا، علي انها هي اصل كل الحقائق الاخري، بما فيها اساسا معرفة فعلاء الجريمة، ينبغي الا يغيب عن البال لحظة هذه الوحدة البنيوية المتماسكة لما يمكن تسميته بمشروع مشاريع الغرب في العالم الذي هو تواصل الغزو الغربي للشرق، ومن بوابته مساحته المركزية في الشرق الاوسط. انه الاصل التاريخي وربما المستقبلي كذلك لكل الهجمات والحروب واشكال العدوان المتنوعة من الخارج، وما بين مفردات الداخل ايضا، وتلك التدخلات المستمرة في ادق شؤون دول المنطقة جميعها. انه ما يمكن تسميته بمشروع مشاريع الغرب الاوروبي سابقا وقد يبقي لاحقا مستمرا بقيادة امريكا لعالم اليوم مهما تعددت صراعات الغرب مع اقطاب آخرين داخله او خارجه، فالشرق عامة والاوسط منه تحديدا، وحروبه المتكررة، هو وهي عماد استراتيجية الغرب التي اضحت من المسلمات الاولي لضمان بقائه وازدهاره وتفوقه الدائم، ومن هذه المسلمة المنسية تقريبا، والتي يسبقنا بعض مثقفي الغرب من امثال روبرت فيسك الي رفعها فوق هامة كل تحليل او تأويل نزيه للحدث الغربي العربي، ينبغي ان يُشرع في البحث عن ثقافة الحقيقة وكشف جريمة العصر السياسية من خلال اعادة استحضار ما تعنيه جريمة الغرب الدائمة من مئات السنين، والمتجددة الذرائع والاهداف الآنية والمرحلية، والمتعددة الوسائل، والهدف واحد ابدا وتحت المصطلح الالتباسي: حروب الحضارة وسعيا الي استيلاء الغرب علي الشرق!