عصـر الحماقـة السياسية!

السيد يسين - الاتحاد

 

حين انهار الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الاشتراكية في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات، كان ذلك إيذاناً بسقوط النظام ثنائي القطبية الذي دار في جنباته الصراع الدامي بين الولايات المتحدة الأميركية ممثلة ''العالم الحر'' والاتحاد السوفيتي ممثل ''العالم الاشتراكي'' وانتهت حقبة الحرب الباردة التي كانت تقوم على أساس الردع النووي المتبادل ومحاولة كل خصم احتواء الآخر من خلال الصراع السياسي والضغوط الدبلوماسية على شتى الدول
وكان المظنون بعد بروز النظام أحادي القطبية الذي تنفرد فيه الولايات المتحدة الأميركية بالقوة وذلك على أنقاض النظام ثنائي القطبية، أن عصراً دولياً جديداً سيبدأ وسيسوده الرشد السياسي والعقلانية المستنيرة، بعدما ثبت من خبرات القرن العشرين المريرة الزاخرة بالحروب العالمية وصعود الإيديولوجيات المتطرفة كالنازية والفاشية والشيوعية، أن الإنسانية تحتاج إلى منهج جديد للتعامل بين الدول، مهما تفاوتت معادلات القوة بينها، وعلى أساس أنه يمكن حل أي مشكلة إقليمية أو دولية بالحوار البناء ومن خلال التفاوض الدبلوماسي
غير أنه - وعلى عكس هذه الأماني المتفائلة - شهدنا أنماطاً متعددة من الحماقة السياسية تمارسها بلاد نامية أو فلنقل متخلفة، كما تمارسها - للأسف الشديد - بلاد متقدمة كان يظن أن آلية صنع القرار الديمقراطي فيها كانت كفيلة بمنعها
والواقع أن هناك اتهامات تقليدية بعدم العقلانية كانت توجه لقادة بلاد العالم الثالث، بل لشعوبها ومجتمعاتها على السواء ويكفي في هذا الصدد أن نشير إلى التراث الاستشراقي الزاخر بالسمات السلبية التي كانت توصف بها الثقافة العربية على أساس أنها تتسم باللاعقلانية، والتي تمس جوهر عملية صنع القرار، مما جعل قادة الدول العربية - كما يقرر النقاد الغربيون - يندفعون في اتخاذ قرارات انفعالية وبصورة عشوائية مما يخلق عديداً من الأزمات الإقليمية وأحياناً الدولية
ومعنى ذلك أن هؤلاء النقاد الغربيين ينطلقون من عقيدة مبناها أن العقلانية حكر على العقل الغربي، في حين أن اللاعقلانية هي تخصص للعقل العربي بحكم ''بدائيته''، وعدم قدرته على التطور لكي يتفاعل إيجابياً مع متغيرات العصر
ولا تعوزنا الأدلة من عالمنا العربي السعيد على الحماقات السياسية الصارخة التي ارتكبها زعماء نظم سياسية مستبدة، وأدت إلى تشرذم الأمن القومي العربي، وتفكك العلاقات العربية- العربية
ولاشك أن المثل الصارخ للحماقة السياسية في العالم العربي يتمثل في ما أقدم عليه صدام حسين رئيس العراق السابق من غزوه غير المبرر لإيران والذي ضاعت فيه أرواح ملايين العراقيين والإيرانيين سدىً، ولم يكتف بذلك لأنه سرعان ما انطلق بغير أي تدبر أو تفكير سياسي رشيد لغزو الكويت مستنداً إلى أسباب واهية وكان هذا الغزو الفاشل بداية التدخل الأجنبي الكثيف في البلاد العربية، والخطوة الأولى في انحدار العراق وهذه الحالة بالذات من حالات الحماقة السياسية العربية لم تكن إلا نتيجة منطقية لعجز قادة النظام العراقي عن قراءة التغيرات الكبرى التي حدثت في بنية النظام العالمي بعد نهاية الحرب الباردة من ناحية، ونتيجة لازمة لاستبداد قادة النظام وخوف المستشارين من أن ينقلوا لهم الصورة الواقعية للموقف
ولا ينبغي أن نظن أن حالة الحماقة السياسية العراقية الشهيرة أعطت درساً نافعاً لباقي النظم السياسية العربية! فها هو النظام السياسي السوري يمارس ما أطلق عليه أحد الكتاب العرب سياسة الهروب إلى الأمام! ذلك أن قرار الخروج من لبنان لم يقدم عليه قادة النظام السوري سوى بعد قرار دولي وضغط لبناني شديد وظن قادة سوريا أن تحالفهم مع إيران سينجيهم من الحصار السياسي الأميركي وأن لعبهم بورقة المجتمعات الفلسطينية في لبنان يمكن أن يمنحهم قوة تفاوضية! وها هو تقرير ''ميليس'' قد صدر بكل ما فيه من اتهامات صريحة وضمنية حول اغتيال الحريري
وهذا التعاطي أسبابه شبيهة تماما بحالة الحماقة العراقية السابقة غير أن الحماقة السياسية لا تقتصر فقط على المتخلفين ولكنها أيضاً تمارس بواسطة المتقدمين! وهل يستطيع إنسان عاقل أن يتهم الولايات المتحدة الأميركية بكل ما فيها من جامعات علمية مرموقة ومراكز أبحاث متقدمة وعقول استراتيجية باهرة بالتخلف؟ ومع ذلك فالولايات المتحدة، أو بمعنى أدق، الإدارة الأميركية برئاسة الرئيس جورج بوش الابن، تمارس منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر الحماقة السياسية بكل صورها وأنماطها
وتبدأ هذه الحماقة السياسية بالإعلان المدوي الذي مبناه من ليس معنا فهو ضدنا! ثم أصدرت الإدارة الأميركية قرارها المتعجل بغزو أفغانستان، وسرعان ما أعلنت عن خطتها لغزو العراق، تنفيذاً لخطة سبق أن وضعها المحافظون الجدد في عهد كلينتون وقدموها له لكي ينفذها إلا أنه امتنع وحين أصبح أصحاب الخطر أعضاء بارزين في إدارة بوش، وهم تشيني نائب الرئيس ورامسفيلد وزير الدفاع وبول وولفوفيتز وشارل بيرل وغيرهم، أقدموا بكل حماقة على غزو العراق بدون أن تكون لديهم خطة حول ماذا سيفعلون بعد الغزو! وأدت هذه الحماقة السياسية إلى وقوع الولايات المتحدة الأميركية في المستنقع العراقي وهناك إجماع من المراقبين الأميركيين على أن الولايات المتحدة قد خسرت الحرب في العراق، وأن المماطلة في الانسحاب ليس لها هدف سوى حفظ ماء وجه الإدارة الأميركية التي يقودها المتعصبون من المحافظين الجدد
وهذا لا يمنع وجود أصوات أميركية عاقلة حاولت من خلال التحليل الموضوعي نقد السياسة الأميركية الحالية تجاه العراق، ودعت إلى فهم أعمق للأسباب السياسية والاقتصادية والثقافية المنتجة للإرهاب، وفي نفس الوقت اقترحت عدم الاقتصار على الإجراءات العسكرية، وضرورة مواجهة الأسباب الحقيقية والتي تتمثل في التحيز الأميركي لإسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى السلوك الأميركي في العراق والذي أدى إلى أن يصبح معملاً كبيراً لإنتاج أجيال من الإرهابيين، سرعان ما سيهبطون إلى بلاد متعددة لممارسة عقيدتهم الجهادية الإرهابية ومن أبرز هذه الأصوات ''بروس هوفمان'' الباحث بمؤسسة راند في شهادته المهمة أمام مجلس النواب الأميركي
غير أن الرئيس بوش لا يسمع هذه الأصوات العاقلة، وهو يستبد برأيه ويرفض نصائح مستشاريه تماماً كما يفعل القادة السياسيون في البلاد المتخلفة!
ودليلنا على ذلك الخطاب الخطير الذي ألقاه الرئيس بوش أمام ''الوقف الوطني من أجل الديمقراطية'' وبحضور أعضاء من السلك الدبلوماسي في واشنطن وقد نشرت خلاصة لهذا الخطاب صحيفة ''كريستسيان ساينس مونيتور''، وذهب بوش إلى أن المشروع الأساسي في القرن الحادي والعشرين هو هزيمة القوى الأصولية الإسلامية، وذلك لمواجهة إيديولوجية الكراهية وأراد من خطابه تكذيب أن ما يفعله الجهاديون الإرهابيون هو رد فعل للسياسات الأميركية المنحرفة
ويرى بعض المراقبين الأميركيين أن الرئيس بوش قد تجاوز الرأي العام الأميركي وأراد عامداً أن يخفي الفشل الأميركي في العراق، حين أكد أن معركة الولايات المتحدة الأميركية في القرن الحادي والعشرين ستكون ضد ''الأصولية الإسلامية''، وأن هذه المعركة شبيهة بالمعركة التي دارت طوال القرن العشرين بين الشيوعية والرأسمالية ومعنى ذلك كله أن المتقدمين الذين يعبرون عن مصالح نظم سياسية وديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأميركية، يمكن أن يمارسوا الحماقة السياسية مثلهم في ذلك مثل المتخلفين!
غير أن حماقة المتخلفين قد لا تؤدي إلا إلى الإضرار بهم وبشعوبهم المجني عليها، أما حماقة المتقدمين، مثل الحماقة السياسية الأميركية التي أشرنا إليها، فخطورتها أن من شأنها أن تهدد الأمن العالمي كله، وتعصف بالاستقرار السياسي في عديد من البلدان، وتعقد العلاقات الثنائية بين شعوب العالم