سورية نموذجا: التلفزيونات العربية من النوم الي حالات الاستنفار

توفيق رباحي القدس العربي

 


حالة من الذعر عاشها التلفريون السوري نهار الجمعة واستمرت لاحقا عبرت بوضوح عن الذعر الذي اصاب النظام الحاكم في سورية جراء نشر تقرير القاضي الدولي ديتليف ميليس حول اغتيال رفيق الحريري.
ألغي التلفزيون السوري كل برامجه وجنّد فرقا من العمل للرد علي مضمون تقرير القاضي الالماني.
وللمناسبة، لم يترك مسؤولو هذا الجهاز حجرا لم يقلبوه. استنفروا الفنانين ورجل الشارع والمحللين الموالين للحكومة السورية من اجل تعزيز الموقف الرسمي السوري الرافض لمضمون التقرير.
من حقهم ذلك لان عواقب التقرير وتوريط سورية ستكون وخيمة علي شعبها وحكومتها. لكن مشكلة التلفزيون السوري، وكل التلفزيونات المشابهة، انه في مثل هذه الظروف الصعبة يهب في رد فعل للدفاع عن قضية، ان لم تكن خاسرة، فهي مرشحة للخسارة.
يستحيل ان يواجه التلفزيون السوري الآلة الاعلامية الغربية في موضوع القاضي ميليس، بل يستحيل ان ينافس حتي الآلة نصف اللبنانية باعتبار ان النصف الاخر موال لسورية.
والمشكلة اكيد في الامكانات وموقع الضعف الذي هو فيه، لكنها ايضا في اساليب العمل المتأخرة والبطيئة التي ينتهجها اصحاب هذا التلفزيون حتي يعجز عن اقناع السوريين فما بالك بالرأي العام الخارجي.
في منتصف نهار السبت ابلغ التلفزيون السوري مشاهديه بانه سينقل بعد ساعتين مؤتمرا صحافيا تعقده وزارة الخارجية بفندق الميريديان بدمشق. استثناء في النقل المباشر لان التلفزيونات العربية المحلية، السوري بالذات، غير متعودة علي مثل هذا النقل المباشر، ووفاءُ للقاعدة في تجنب تحديد هوية من سيعقد المؤتمر الصحافي رغم ان موضوع هذا المؤتمر لن يكون غير تقرير القاضي ميليس، وصاحبه معروف، وزير الخارجية فاروق الشرع، او مساعديه الذين حتما لهم اسماء ووظائف. هل الاسباب الامنية ام استمرار الارباك هو ما جعل المسؤولين يتكتمون عن هوية صاحب المؤتمر الصحافي؟ ربما مجرد اهمال شكلي، لكنه يحيل الي درجة التقصير التي لازمت وتلازم رد الفعل السوري الذي عبر عنه التلفزيون فاعاد بث المؤتمر الصحافي (لمساعد الشرع ومدير الشوون القانونية بالخارجية) اكثر من مرتين.
المشكلة ان هذه التلفزيونات تتأرجح بين النوم المطلق وحالات الاستنفار. وهي تعكس تماما الحالة التي تكون عليها دوائر الحكم ومواقع صنع القرار.
في الظروف الطبيعية، اي في الوسع، لا يفعل التلفزيون السوري وبقية المحطات التلفزيونات العربية المحلية، اي شيء مهني يفيدها في الظروف الصعبة.
لا يفكر اصحابها في برامج سياسية منفتحة علي نقاشات حرة، ولا يتقبلون الاراء المخالفة، ويصرون علي معاملة مشاهديهم كقاصرين عديمي النضج.
وعندما تحل هذه الظروف، ولكل دولة عربية ظروفها ودورها، تصاب ادارات التلفزيون بالارباك والذعر ويرتبك المذيعون وتُبتذل البرامج، ويفاجئ المشاهدون ببرامج ظرفية فيها الكثير من التصنع والتكلف.
والنتيجة دفاع فاشل وغير منظم عن قضايا قد تكون صادقة وعادلة.
من السهل دغدغة المشاعر القومية بالخوض في دعاية قائلة ان تقرير ميليس يستهدف مواقف سورية (ما هي واين هي؟)، وان التقرير سياسي يخدم اسرائيل ومصالح امريكا في المنطقة الشرق الاوسط. لكن، ما الجديد في هذا الكلام. بل هل بقي هناك من يصدقه؟
كيف يثق المشاهد العربي والسوري في برامج تلفزيونية تناقش تقرير ميليس ولا تتجرأ علي ذكر كل ما ورد فيه، مثل اسماء ومراتب القادة ومسؤولي المخابرات وافراد عائلة الرئيس الذين جاء ذكرهم في التقرير.
علي كل، طريقة الرد السورية لن تنفع كثيرا امام التصميم الدولي علي الزج بسورية في دوامة المساءلات. لا يعرف كثيرون ماذا قدمت الحكومة السورية كردود عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية للدفاع عن نفسها، لكن يقينا ما يشير الي ان التعامل الاعلامي والتلفزيوني من لدن الحكومة السورية مع الازمة لم يرق الي مستوي جيد، رغم ان اغلب التحليلات تكهنت بأن يكون تقرير ميليس مضرا بسورية. وهو فعلا عندما صدر لم يكن مفاجئا. لماذا لم تستعد له سورية كما يجب، اعلاميا علي الاقل. يبدو هذا (الاستعداد) اسهل قولا منه عملا. ذلك ان الامر ليس مباراة كرة تستعد لها جيدا فتفوز بها. ان النجاح في مثل هذه الامتحانات يكون ثمرة تقاليد اعلامية لا تتوفر الا في الاجواء الديمقراطية والحرة السليمة. وهي اجواء ليست متاحة في سورية.
نظام حكم غير ديمقراطي (شمولي) يعني تلفزيون غير ديمقراطي. نقطة ضعف سورية ليست الاتهامات الواردة في تقرير ميليس، بل في نظام حكمها وطريقة وصول رئيسها الي الحكم. ولن يصلح تلفزيونها هذا الضعف بدليل انه، يوم امس، غطي بطريقة بدائية، مسيرات بدمشق وحلب لم تفرّق بين بشار الاسد والوطن.
لن يحتاج الشعب السوري في الداخل الي جهد كبير ليختار صفه في هذه النازلة، غير ان هذا ليس من فضل التلفزيون او اجهزة الاعلام السورية. لن يصلح التلفزيون ما افسده الحكام وطريقة وصولهم الي الحكم.

اسوأ من تورا بورا

علي
من قال ان العالم اصبح قرية واحدة لا سيطرة فيه علي الصور والمعلومات ان يعيد النظر في مقولته. وعلي الذين صدّقوا ان يعيدوا النظر في تصديقهم.
في كل مرة تأتي وقائع لتثبت لنا العكس. رغم الكم الهائل من القنوات الفضائية، عشنا احتكار الصورة والخبر في السعودية وفي تونس وسورية وكوريا الشمالية، وسنشاهده في دول اخري كلما دعت الحاجة.
اخر هذه الوقائع محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
قيل كل شيء عن هذه المحاكمة، لكن اري ضروريا القول ان اضافة الي انها احتكرت صور ومعلومات المحاكمة التاريحية ببثها متأخرة نصف ساعة بغرض السيطرة علي مضمونها، وفرت الدولة العراقية صورا واخراجا اسوأ بكثير من التسجيلات التي يسجلها اسامة بن لادن وايمن الظواهري وابو مصعب الرقاوي في كهوف تورا بورا والعراق. شيء اخر: لماذا جيئ بصدام ورفاقه في ذلك الشكل المهين الذي بلغ حد تجريد بعض المتهمين من عقالهم؟ هل تذكرون الاناقة التي ظهر بها سلوبودان ميلوسيفيتش بلاهاي؟ عندنا مثل دارج يقول بن عمك هو همّك ، اي لن يسيئ لك الا القريب منك.

واخيرا!

واخيرا قرر العرب العاربة التكرم علي اخوانهم في الانسانية، الباكستانيون والكشميريون، ببعض المعونات وتنظيم حملة جمع تبرعات.
السبت الماضي اطلقت قناة العربية السعودية، بالاشتراك مع قنوات محلية سعودية اخري حملة جمع تبرعات لصالح المتضررين من زلزال باكستان.
انتظر هؤلاء الناس مرور اسبوعين كاملين للتحرك في عمل خيري (الزلزال ضرب صباح السبت 8 من الشهر الجاري).
هل يكفي العقم البيروقراطي وبطء ردود الافعال وصعوبة التنسيق لتفسير التأخير؟ ربما، لكن ما يذكره العرب الفقراء (المرفوع عنهم الحرج مبدئيا) ان تجاوب اشقائهم الاغنياء مع اعصار كاترينا كان اسرع وافيد وبضجيج اكبر.
ادفنوا الكلام الجميل عن الانسانية والاخوّة والاخاء في الله. هذه الدول، بحكامها ووسائل اعلامها، تتصرف مثل الاشخاص فاقدي الثقة، يفعلون الخير حيث يراه الاخرون لا حيث يستفيدون منه.
في كل الاحوال، الخير المتأخر احسن من عدمه. حبذا فقط لو تخفف العربية والتلفزيونات السعودية من النق علينا وتذكيرنا في كل لحظة انها صاحبة فضل علي المتضررين المساكين.
كاتب من اسرة القدس العربي
toufik@alquds.co.uk