سورية اليوم: آخر زمن!

ميشيل كيلو القدس العربي

 


يقول القدماء: في آخر زمن، زمن القيامة ، لا تعرف الحية ولدها، وتعم الفوضي الكون، ويكون الحكام ظلاّما فاسدين، وتجري أحداث لا يتوقعها أحد، وتقع خوارق محيرة، ويظهر أنبياء ودجالون من مختلف الأصناف وفي مختلف المطارح، ولا يبقي شيء مألوفا أو عاديا في حياة البشر.
باختصار: في آخر زمن، تكون هناك أشياء من أوضاع سورية الراهنة. إليكم الدليل:
أعلنت الولايات المتحدة الامريكية مصادرة أموال مسؤولين أمنيين سوريين، فأعلن ناطق رسمي أن الإجراء الامريكي موجه ضد سورية، في حين طنّش عن القضية الأصلية وأحجم عن قول أي شيء حول ما إذا لديهما حقا أموال في امريكا تمت مصادرتها، وفي هذه الحالة: من أين حصلا عليها، وهل هي مدخرات فاضت عن راتبيهما، أم أنها إرث عائلي، أم.... الخ؟ كان من الضروري أن يخبرنا الناطق بما لديه حول ما أعلنه الامريكيون، خاصة وأن الناس تساءلت بحق: من أين لضابطي أمن مال يودعانه في مصارف امريكا؟ ولماذا اختارا امريكا بالذات؟ ألم يسمعا بالعداوة بين النظام الذي يخدمانه وبينها، وهي عداوة تقول وزارة إعلام سورية صبح مساء إنها لن تحل بالصلح أو عبر التفاوض؟ لقد كان من الضروري كشف الحقائق، لأن مواطنين كثيرين صدقوا مزاعم امريكا، لعلمهم أن موظفي الدولة السورية يسرقون شعبهم الحبيب، ولأن وزير اقتصاد سورية الرسمي الدكتور غسان الرفاعي أخبرهم ثلاث مرات أن أموال السوريين في الخارج تبلغ مائة وخمسة وعشرين مليارا من الدولارات الامريكية، فمن غير المعقول أن تكون كلها شعبية، وأن لا يكون شيء منها ملك موظفين يمدون أيديهم جهارا نهارا وبصورة شديدة الدقة والتنظيم ودون أي وازع من قانون أو ضمير إلي مال المواطن والدولة والمجتمع، لينهبوا ما تقع عليه أعينهم وأيديهم في القطاع العام والخاص والمشترك، تشجعهم علي ذلك نظرة إلي مناصبهم تجعلها باب رزق وبقرة حلوبا. هل كان لدي المسؤولين السوريين الكبيرين ـ حسب وصف الناطق الرسمي السوري ـ أموال في امريكا، فإن كانت الإجابة بلا، يصير السؤال: لماذا لا يصدر تكذيبا يفقأ عين العدو الإمبريالي، وينشرا بيانين موثقين حول وضعهما المالي، كما يفعل علي سبيل المثال رئيس فرنسا وغيره من ساسة البلدان المتخلفة؟ وإذا كان لديهما أموال، لماذا لا يخبران الشعب بمصدرها ومكان إيداعها؟ أطالب بهذا، لأنني لم أفهم لماذا يكون الإعلان عن مصادرة أموال المسؤولين السوريين إهانة لسورية، إن صح أنهما حصلا عليها بطرق غير مشروعة، ووضعاها سرا في مصارف دولة يقال إنها معادية، عرفت بمصادرة أموال من تختلف معهم في الرأي والسياسة، وكان متوقعا إذن أن تصادر أموالهما؟ أما كان يجب أن يعلن المسؤول الرسمي فتح تحقيق معهما بخصوص مصدر الأموال المصادرة، وأن يطالب امريكا بردها إلي الخزينة العامة السورية، لأنها أموال الشعب السوري؟ أليس إهانة لسورية أن لا يقال أي شيء رسمي حول أموال المسؤولين، وما إذا كانا قد أودعاها حقا في الخارج؟ هل يجسد المسؤولان المذكوران الوطن، حتي تكون الأفعال الموجهة إليهما أفعالا ضده وإهانة له، علما بأنهما يواجهان تهما موثقة لم يردا عليها إلي اللحظة تتهمهما وبعض زملائهما في الخدمة العامة بالاستيلاء علي أموال مصرف لبناني ذائع الصيت؟ والآن: هل نكون، إذا رجونا السيدين المذكورين الرد علي ما هما متهمان به، من الذين يسيئون إلي الوطن، باعتبار أنهما يجسدان سورية الحديثة؟ لقد كان منطقيا أن يلي تصريح المسؤول السوري تحقيق رسمي في واقعة وجود أموال تخص المسؤولين الكبيرين في مصارف امريكا. أما أن لا يسبق أو يلي التصريح أي تحقيق، وأن يزعم المصرح أن مصادرة أموالهما إهانة لسورية، فهذا من علامات يوم القيامة السوري، الذي لطالما تحدث عنه القدماء، وصارت مظاهره منظورة وملموسة في تفاصيل حياة المواطن اليومية.
ثمة علامة أخري من علامات الساعة شهدتها مدينة إدلب، حيث أعلن مواطن سوري نبوته، فتبعه بعض خلق الله، الذين اعتقلوا وحشروا في سجن المدينة، فما كان منهم إلا أن تمردوا وأسروا رئيسه وبعض حراسه، عندما سمعوا أن نبيهم تعرض للإهانة في سجن أريحا. بعد أيام، اضطرت السلطات إلي استقدام النبي المزعوم من سجنه إلي إدلب، ليطلب إلي أنصاره الخلود إلي السكينة وتسليم السجن إلي أصحابه الأصليين. كان القدماء يقولون: إن من علامات الساعة ـ يوم القيامة أو آخر زمن ـ اختلاط كل شيء بكل شيء وعجز المرء عن تمييز الصحيح من الزائف. في الماضي، كان شخص ما يزعم أنه من أولياء صالحين. أما اليوم، في آخر زمن، فقد تحسنت الأحوال وأخذ يظهر في بلد أدمن العلمانية والثورية أنبياء تستعين السلطة بهم لإنقاذ موظفيها الأمنيين، فلا عجب إن اختلط الحابل بالنابل من الآن فصاعدا، وتحول بعض الرفاق إلي مريدين لهذا النبي أو ذاك من أنبياء زمان الإحباط العربي، وبعض الأنبياء إلي رفاق يحمون السجون والسجانين، ويحررون سجاني أتباعهم، الذين يعودون إلي قواويش الطاعة سعداء قانعين.
ومن علامات الساعة عجز الفانين عن رد علاماتها. والعجز صفة كل ما تفعله أجهزة السلطة السورية، مهما كان بسيطا. منذ فترة، فر أردنيان من عمان وجاءا إلي سورية، بعد أن قاما هناك بمائة وتسعة وثلاثين عملية سطو مسلح فقط لا غير. ومع أن الأردن طالب بهما مرارا وتكرارا، فإن السلطات السورية لم تأبه للأمر، وبقيت غافلة عن وجودهما علي أراضيها، رغم أنهما قاما بعمليات كسب غير مشروع في دمشق، حين جردا عشاق جبل قاسيون من أموالهم بقوة السلاح، بينما كان هؤلاء يمارسون هواية التعري بمشاركة مع من وقع تحت أيديهم من ماجدات القطر. غير أن قوي الأمن الداخلي لم تقف مكتوفة اليدين، حين أبلغها سائق تاكسي عمومي أن رقم سيارته موجود علي المركبة التي أمامه في الشارع، فقدمت إلي الجبل وطوقت العصابة، التي كانت قد نصبت الأراكيل وصبت كؤوس الراح بانتظار ساعة متأخرة من الليل تباغت فيها نادي العراة علي ظهر الجبل المحتشم. بدأت القوات القادمة من ثلاثة مراكز شرطة إطلاق النيران علي العصابة أولا ثم في جميع الاتجاهات، فقتل من قتل وفر من فر من أعضائها الأربعة والمواطنين الآمنين، واعترفت امرأة ألقي القبض عليها بما أدخل السرور إلي فؤاد السلطات السورية، وهو: أن ذكريّ العصابة كانا من القاعدة قبل أن ينخرطا في حراسة صدام حسين، وأنهما كان علي وشك الذهاب إلي العراق للجهاد ضد الكفرة الامريكيين. بتوفر هذه المعلومات الموثقة، أعلن ناطق رسمي سوري أنه تم القبض علي خلية للقاعدة، وأن سورية، مثل امريكا، مستهدفة بالإرهاب وتقاتله. هنا، تدخل الأردنيون ـ قاتلهم الله ـ لتشويش نتائج المعركة الظافرة من حرب النظام ضد الإرهاب الدولي، وأعلنوا أن من وقعوا في يد الأمن السوري عصابة سطو وسرقة عادية، وان أحدا من أفرادها لم يكن في العراق ولم يسبق له أن فرد سجادة صلاة. عندئذ، تقدم ناطق سوري رسمي آخر وقال ببراءة ونزاهة شيئا علي قدر كبير من الإقناع، هو إن المرأة، التي أمدت السلطات الذكية بالمعلومات، مختلة عقليا. لم يفكر السيد الناطق بمدلول ما قاله، وإلا لكان تساءل عن معني أن تتلاعب امرأة هذه صفتها بمسؤولين أمنيين محترفين لا شبهة في صحة عقولهم.!
آخر زمن، ومن علاماته انعدام المقاييس واختلاط الخطأ بالصواب، وانتشار الفساد في البلاد والعباد، وغلبة الباطل علي الحق، وظهور أنبياء جدد يستخدمهم الأقوياء ضد الضعفاء، وغياب العناية الإلهية عن حكام يأتيهم الباطل من بين أيديهم ومن خلفهم، بينما يحيق الخطر من كل جانب بوطنهم ومواطنيهم، لكنهم يرفضون ولو أخذ علم به، ويواصلون غفلتهم، التي هي أبرز علامات زمن النظام الأخير!