النظام العربي والجامعة العربية

حسين العودات : البيان

أسس العرب جامعة الدول العربية عام 1945 بما يعني أنهم أقاموا نظامهم الإقليمي منذ ذلك التاريخ، وكان لهم فضل السبق في تأسيس منظمة إقليمية وإقامة نظام إقليمي لم يكن موجوداً في عالم ذلك العصر ولم يسبقهم إليه أحد، لا منظمة الدول الأوروبية ولا منظمة جنوب شرق آسيا ولا بلدان أميركا اللاتينية ولا منظمة التعاون بين الدول الاشتراكية ولا حتى حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو.
ومهما كانت الأسباب التي دعت الدول العربية المستقلة في ذلك الحين أو لدى بعضها لإقامة منظمتها وجامعتها ونظامها الإقليمي فإن ذلك لا يلغي مأثرة أن العرب بادروا مبكرين في مواجهة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأدركوا أهمية استيعاب الظروف المستجدة والتعايش معها، وإبقاء الأمل قائماً بتحول هذا النظام الإقليمي إلى وحدة بين الدول العربية المستقلة.
أقامت جامعة الدول العربية منظمات إقليمية عديدة تغطي نشاطاتها مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية والأمنية العربية فضلاً عن السياسية، مثل منظمة الصحة العربية ومنظمة العمل والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم واتحاد الإذاعات العربية،
والمنظمة الأمنية العربية وغيرها ونشطت كل من هذه المنظمات في مجالها فأقامت معاهد ومراكز دراسات وطورت التعاون العربي والنشاط المشترك واستجابت لحاجات المجتمعات العربية ومصالحها، رغم ما أصيبت به من أمراض البيروقراطية والمحسوبية والمظهرية وسياسة التسويات والتوفيقية والاضطرار لإرضاء جميع الأعضاء في قضايا لا ينبغي أن تكون محل مساومة،
إضافة إلى عدم جدية بعض الدول الأعضاء التي تنعكس بوقف مساهماتها المالية أو بمقاطعة المنظمة المعنية أو بكيل التهم لها وللجامعة العربية، ورغم هذا كله فقد قامت هذه المنظمات بأعمال جليلة وفي المجالات جميعها. كانت الثغرة الكبرى في ميثاق جامعة الدول العربية (ومازالت) تتمثل بعدم التزام أعضائها بتنفيذ قراراتها،
لأن هذه القرارات غير ملزمة إلا لمن يوقع عيها ويتساوى الأمر إذا اتخذ القرار بالأكثرية أم بالإجماع وامتد التساهل وصار القرار لا يلزم حتى من يوقع عليه، دون أن يجد الميثاق أو مجالس الجامعة أو مؤتمرات القمة فيما بعد طريقة تلزم العضو بتنفيذ القرارات المتخذة وهذا ما أعطى المبرر للدول الأعضاء بأن لا تضع دعم منظمات الجامعة ضمن أولوياتها أو التعامل معها كالتعامل مع المنظمات الوطنية (القطرية)
وبقي الالتزام بقرارات الجامعة وهيئاتها والمنظمات التابعة لها خياراً لا يقع ضمن مسؤولية الدول الأعضاء، كما بقي الاهتمام بالشأن القطري هو الأساس مهما كان شأن المنظمات العربية المشتركة مهما ومفيداً وقادرا على تقديم ما تعجز عنه مثيلاتها القطرية.
ونشأ عن هذا الواقع أن ارتبط نجاح المنظمات بمدى نقاء العلاقات السياسية العربية لا بطبيعة بنية هذه المنظمات وآليات عملها الخاصة وإمكانياتها الذاتية، وللأسباب نفسها تراجع نشاط المنظمات العربية على جميع أنواعها ومهماتها كما تراجع النظام العربي برمته، وأخذ كل بلد عربي يبحث عن خلاصه بنفسه وبعلاقاته الثنائية وبمعزل عن جامعة الدول العربية ووجدت الجامعة نفسها شكلاً بدون محتوى وجسما بلا روح
حتى
انها لم تعد تستطيع دفع رواتب العاملين فيها وتأمين موازنات للمنظمات التابعة بسبب عدم دفع الدول الأعضاء ما عليها من التزامات، وغدت مؤسسة هامشية، ولم يعد للعرب في الواقع نظامهم الإقليمي الذي يساعدهم على التطور والتقدم والتأثير في السياسة العالمية، شأن المنظمات والأنظمة الإقليمية الأخرى الأوروبية أو الآسيوية أو الأميركية اللاتينية أو غيرها مع أن هذه المنظمات ظهرت بعد تأسيس النظام العربي بسنوات عديدة.
لقد بدا عجز النظام العربي واضحاً بل مشهدياً في تعامله مع أحداث عربية وقعت في العقدين الأخيرين فقد عجز مثلاً عن حل مشكلة الصحراء الغربية ومشكلة جنوب السودان والحرب العراقية الإيرانية والغزو العراقي للكويت ومنع الغزو الأميركي للعراق وإيجاد حل لمشكلة دارفور وعديد من المشكلات الأخرى، أو تسوية خلافات جزئية بين دول عربية كالخلافات على الحدود أو التنازع على قضايا أخرى عارضة وربما طارئة،
كما عجز هذا النظام في أن يلعب دورا في السياسة العالمية ويجعل للعرب وزنهم العالمي كما هو شأن المنظمات الإقليمية الأخرى، وبدا العرب وكأنهم بدون نظام يجمعهم ويلملم إمكانياتهم ويوحد قواهم ويجعلهم فعالين ليس في حل مشكلاتهم فقط بل يفرضهم شركاء في النظام العالمي الجديد وكلنا يعلم أن لديهم الإمكانيات الحقيقية الجيواستراتيجية والاقتصادية والثقافية للعب دور عالمي يستحقونه.
لقد ساهم العدوان الأميركي على العراق وما استتبع من أحداث بكشف نظامنا العربي على حقيقته عارياً حتى من ورقة التوت، فهو لم يستطع مواجهة صدام ولا منع العدوان على العراق ولا المساهمة في بناء عراق ما بعد الحرب، وها نحن نشهد بأم العين تدخل الدول الكبرى والصغرى في شؤون العراق وتقرير مصيره،
وتفتت العراق الداخلي وصولاً إلى إنكاره الانتماء العربي في دستوره، واشتعال العنف بين فئات مجتمعه بما قد يؤدي إلى تآكل المجتمع العراقي وربما إلى الحرب الأهلية ومازلنا غائبين، وكل ما استطاعه نظامنا العربي إقرار إيفاد الأمين العام للجامعة العربية للعراق تمهيدا للمشاركة في مصالحة وطنية عراقية دون أخذ موازين القوى (التي نحن خارجها) بعين الاعتبار.
لاشك أن هذه المبادرة العربية محمودة وتنم عن رغبة حقيقية في المشاركة بحل مشكلات العراق، ولكن كيف لها أن تتحقق ونحن لا وزن مؤثراً لنا في توازن القوى العراقية الداخلية والدولية، حتى أن بعض الفئات العراقية رفضتها، والخشية أن تتحول أهداف هذه المبادرة ومراميها ونتائجها إلى الاكتفاء بالوصول لصلح شكلي بين الفئات العراقية المتصارعة لا أكثر ولا أقل.
حاولت معظم الدول الأعضاء في الجامعة العربية قبل سنتين تعديل النظام العربي وتطويره، وقدمت خمس دول وربما أكثر مقترحات لتحقيق هذا الهدف، ووضع بعضها يده على الجرح بأن اقترح أن تكون القرارات المتخذة بالأكثرية ملزمة للجميع وبالتالي يبدأ تطبيق نظام عربي فعال قادر على استيعاب شروط عالمنا (الجديد) ونظامه،
والوصول بالدول العربية لتكون كتلة واحدة متراصة في مواقفها من قضاياها ومن القضايا العالمية، إلا أن هذه المشاريع التي قدمت لم تلاق الموقف الجدي من معظم الدول الأعضاء وبالتالي لم تلاق القبول، وبقيت الأمور كما هي. ولم نصل إلى الاتفاق على نظام عربي جديد نحتاجه.