القبضة الحديد .. إفلاس سياسي!

أكرم البني : المستقبل 9/10/2005

البحث عن سبب منطقي لتفسير بعض الاعتقالات والمضايقات لنشطاء حقوقيين وسياسيين ولمعرفة دوافع إيقاف كثير من الفعاليات المدنية والثقافية، هو عمل شاق في سوريا ومحفوف غالباً بالأخطاء والأوهام، فليس من قوانين حاكمة أو نواظم واضحة يمكن أن تقيس عليها، حتى ما درج على تسميتها "الخطوط الحمر" هي قابلة للتعديل والتغيير من طرف واحد، وفي أي وقت، تبعاً لمزاج الأجهزة السلطوية وحاجتها لذرائع جديدة كي تؤكد "سطوتها" على المجتمع.
ثمة جديد في سلوك النخبة الحاكمة السورية تجاه الداخل بعد سحب القوات العسكرية من لبنان، والذي يبدو أنه يتجه نحو مزيد من الضبط والتشدد الأمني، ويظهر إصراراً على استخدام شتى الوسائل لضمان التحكم بقواعد اللعبة الداخلية وإبقاء كل الخيوط في اليد وتالياً تجنب احتمال نمو تفاعلات وارباكات قد تفضي الى فضح هشاشة دعائم السيطرة وربما الى نتائج وتطورات "غير محمودة" يجد أولو الأمر أنهم في غنى عنها مع ارتفاع حرارة الضغوط الخارجية.
طبعاً يقف هذا السلوك على نقيض ما ذهب إليه الكثيرون بأن ينعكس انحسار الدور الإقليمي السوري تحولاً تلقائياً صوب الداخل والاهتمام بالانفتاح الواسع على المجتمع وقواه الحية بما في ذلك إحياء مسار الإصلاح الديمقراطي المنشود. واليوم يلمس المراقب أن ثمة حلقات تنجز واحدة تلو الأخرى، للإجهاز على الحراك المدني المحدود. وقد إتضح أن تعليق أعمال منتدى الأتاسي ومحاصرة نشاطاته كان بداية هذه الطريق وجزءاً من آلية متكاملة ومحضرة مسبقاً لمنع أي لقاء أو نشاط في إطار العمل الديموقراطي درج الناس على ممارسته طيلة سنوات، تلاه فضّ ندوة لمركز الدراسات الإسلامي، كما فُضّ اجتماع موسع دوري للجان إحياء المجتمع المدني، ومنعت طاولة مستديرة للحوار العربي الكردي، وأيضاً مُنع المشاركون من الوصول إلى أحد المنازل في منطقة الزبداني في سياق المناقشة والتحضير لإنشاء تيار ليبرالي، كما فض اجتماع عادي لقيادة المنظمة العربية لحقوق الانسان في منطقة ببرود قرب دمشق، وأخيراً تم في منطقة خان الشيخ تفكيك اجتماع عام للجان الدفاع عن الحريات وحقوق الانسان بعد ساعات من بدء أعماله!!..
في إسار هذه اللوحة الغامضة ومساراتها المبهمة تتنوع التفسيرات حول ما يجري وأسباب الإصرار على العودة الى العقلية الأمنية القديمة رغم نتائجها المرة والمريرة طيلة عقود. أهي مجرد أفعال اعتباطية بسبب التنازعات الأمنية واضطراب أدوار الأجهزة ومراكز القوى في التعامل مع الحراك الداخلي، أم هي ضربات وقائية مدروسة يجد البعض في عشوائيتها، وفي اعتباطية اختيار الأهداف، فعلاً مقصوداً يحقق بأقل كلفة ممكنة أفضل أشكال زرع الخوف والرهبة وتالياً إعادة المجتمع الى ماضيه القاسي والمؤلم!! أم لعلها دليل أزمة تعاني منها قوى النظام تتكشف عجزاً عن التكيف وتخلفاً في إبداع طرائق ووسائل جديدة لإدارة الصراع وضبطه، أو هي ناجمة ربما عن الثقة المفرطة بأسلوب القوة لضمان السيطرة والوصاية على المجتمع، والاطمئنان تالياً بأن العمل المجدي والوحيد لإجهاض الاحتقانات وتفريغها، هو الاستمرار في إرهاب الناس وردع جديد نشاطاتهم، ليصبح مفهوماً الرد القاسي على احتمال ولادة روح جديدة بين صفوف المعارضة السورية في التعاطي مع تنظيم الأخوان المسلمين بعد تحولاته المعلنة صوب الديمقراطية. ويغدو أمراً مفسراً اعتبار الحوارات العربية الكردية واحداً من المحرمات حدا بالسلطات لتأخذ على محمل الجد وربما الخطورة أيضاً احتمال تبلور توافقات مشتركة منها، ما استدعى المسارعة للتدخل وإيقاف الأمور عند حد آمن خاصة مع تنامي حالة لافتة من الحراك في الأوساط الكردية.
وإذ يجزم أغلب المقربين من مراكز اتخاذ القرار بأن ليس ثمة خوف أو قلق من تطور هذه المضايقات صوب الأسوأ ويرجحون أن لا تصل الهجمة الأمنية على المنتديات والسهرات الحوارية وأنشطة المجتمع المدني الى تسييد مناخات الماضي والى حملات قمع واسعة ضد المعارضة وأصحاب الرأي المخالف، طالما تتحقق الغاية المرجوة في إفهام الجميع ما استجد من حدود، وإكراههم على التزام صريح بالقواعد المرسومة وبما يبتكره أهل النظام من خطوط حمر!! وإذ يعتبر آخرون أن النخبة الحاكمة تعرف أكثر من غيرها بأن لا جدوى من العودة الى الوسائل الأمنية والعنفية وأن ليس من دولة أو حليف أو رأي عام يمكن أن يساند ويدعم سلطة لا تزال محصنة بالقمع والاستبداد!!. فثمة بالمقابل ترقب وتوجس يتناميان شعبياً وسياسياً من طابع المرحلة القادمة، ومن احتمال أن تكون الإجراءات الأخيرة مجرد بداية لتعميم المناخات الأمنية وتسييد آليات القمع والإقصاء، الأمر الذي يؤكد الرأي القائل بأن النظام وأصحاب المفاسد والامتيازات لن يتقبلوا خسارتين متتاليتين، وأن فقدان سوريا دورها الإقليمي ووزنها في لبنان سوف يفضي الى مزيد من استحواذ السلطة الوضع الداخلي وتشديد السيطرة عليه وتالياً قطع الطريق على المعارضة وقوى المجتمع الحية من استثمار التطورات الجارية، ما يعني أن الوعود والادعاءات عن الإصلاح والانفتاح سوف تذهب، مرة أخرى، أدراج الرياح وتبرهن فرضية طالما روج لها، بأن سلطة على صورة السلطة السورية، عجنها تاريخ من القوة والإكراه، عاجزة عن إصلاح نفسها وإصلاح المجتمع.
والحق يقال أن ثمة ازدياداً لافتاً في أعداد الذين "نفضوا أياديهم" من السلطة وفقدوا الثقة بدورها ووعودها الإصلاحية، وهم يجدون بعد مراوحة في المكان دامت سنين وسنين أننا نقف أمام سلطة ممانعة، تخشى التغيير والإصلاح وتتحسب من أي انفتاح على الداخل خوفاً من أن يؤدي إلى كسر وصايتها وتحسين فرص المجتمع في الحضور والمشاركة، أو لأنه يساهم في فضح زيف ادعاءاتها وكشف ظواهر الفساد المتفشية وحقيقة المصالح الخاصة والامتيازات الفئوية التي تقف ورائها!!.
ليس لجوء النخبة الحاكمة السورية الى لغة القوة لإغلاق هامش الحراك المحدود إلا دليل إفلاس سياسي في تثبيت هيمنتها، ولنقل قلة حيلة في استنباط أشكال أخرى أقل فظاظة لتحقيق هذا الهدف. أو لعل ثمة من "قرشها" جيداً واستنتج أن الاستمرار في تخفيف القبضة القمعية هو سياسة محفوفة بالمخاطر على مصالحه وامتيازاته في ضوء هذا المستوى من انكشاف عجز أداء النظام عربياً واقليمياً.
ما يحصل اليوم هو خيار سياسي بامتياز وليس له سوى تفسير واحد هو أن السلطة لم يعد أمامها من طريق سوى إعادة زرع الخوف والرعب التقليدي في المجتمع وقد بدأت غيومه تنحسر. وليست الحجج أو الذرائع التي تشيعها لتبرير الاعتقال والمضايقات إلا وسائل غايتها دعم هذا الخيار على أمل إعادة الاعتبار لسطوتها وهيبتها وترميم ما أصابها من صدوع وشدوخ، حتى لو كان ثمن ذلك مزيداً من التوغل في المجهول والضياع للمجتمع ومستقبل أجياله، فهل تعي قوى التغيير الديمقراطي أي رد ينتظر مبادرتها؟!..
جاء في قصص العرب أن الوباء قدم الى قرية فتصدى له شيخ حكيم قائلاً : "أما لك أن تترك أهل القرية بحالهم، فهم لم يرتكبوا ذنباً أو معصية تستحق العقاب" .. فقال الوباء: "لا تقلق فلن أقيم طويلاً عندكم ولن ينال الداء سوى عدد محدود من الناس"... وبعد زمن التقى الشيخ بالوباء فبادره محتجاً : "ألا يكفي أنك جئت بالأذى بل وتزيد بالكذب، لقد قتلت مئات الأشخاص".. فأجاب الوباء: "لا تظلمني أيها الحكيم، فالذنب ليس ذنبي، فأنا كما وعدتك لم أتعرض سوى لقلة منهم، أما الآخرون فقد قتلهم الخوف والفزع".