قراءة في الخارطة السياسية السورية.. انفتاح محسوب أم تداخل خنادق؟!

حكمت العاني – القدس العربي

 

 


لماذا هذا التكالب علي سورية.. ولماذا اطلاق التهديدات السياسية بعزلها.. ولماذا السماح بتدفق الاتهامات ضدها من كل جانب.. ماذا فعلت لكي تلام وتتهم وتعاقب.. من' من الأنظمة السياسية العربية لم تصدر بحقه ملامة او يؤشر نحوه بارتكاب اخطاء ؟ الكل ملام ومخطئ سواء بحق نفسه او بحق اخوته او جيرانه. واذا كان الأمر كذلك وهو بحق قائم فعلا بحكم المواقف المسجلة والتاريخ المؤشر، فان تجميع الأخطاء وتضخيمها وتقديمها علي طبق من فضه لجهات اجنبية والسماح بأن تستغل استغلالاً بشعا من قبل هذه الجهات، فهذا من الكبائر.. وان السماح بأستدعاء او استعداء الأجنبي علي دولة عربية وشعب عربي، هو خطيئة لاتغتفر،كما حصل في العراق حين سمحت الكويت بفتح بواباتها الشمالية لتتدفق آلة القتل الأمريكية والصهيونية لتقتل شعب العراق وتدمر دولته وتحرق حضارته وتسرق كنوزه وتراثه، وشعب العراق لن ينسي ذلك مادام علي وجه الأرض، وحين سمحت السعودية باموالها ومعلوماتها في اغتيال شعب العراق، وحين سمحت مصر الدولة الكبري وغيرها بشرعنة العدوان علي شعب العراق عام 1991 من خلال مؤتمرها المفبرك الذي اعطي الضوء الأخضر بالعدوان علي العراق دون السعي الجدي الي حل المشكلة في البيت العربي وتفادي الذي حصل.
يتحدث البعض عن مواقف واحداث سجلت في حينه علي سورية كمواقف سلبية كان ينبغي ان يتدارك صانع القرار السياسي السوري هذه السلبيات ويتجنبها، لأنها مخالفة للمبادئ ومتعارضه مع المنطق الذي يحكم بعدم معاونة عدو اجنبي يريد النيل من شعب عربي او دولة عربية بأي حال من الأحوال، لأن منطق الأجنبي مع مصالحه وليس مع المصلحة السورية ولا مع اي قطر عربي آخر. فالخطوة السورية نحو ايران منذ نهاية السبعينيات التي تصلبت خلال اجواء الحرب العراقية ـ الايرانية، خطوة خاطئة في معايير المبادئ القومية العربية، لأن ايران لا ترغب في اقامة نظام عربي اقليمي قوي ومتقدم يمنعها من تحقيق توسعها نحو الغرب، سواء بخيار القوة او بخيار الأيديولوجيا، والدليل علي ذلك انها ارادت اجتياح منطقة الخليج العربي بعد محاولة تحطيم بوابة العراق.. وكان الخليجيون قد شعروا بذلك.. لأن العراق بفعل واقعه الجغرافي ـ السياسي يحمي الخليج من نزعة فارسية صفوية طاغية تفصح حقائق التاريخ والجغرافيا عن رغبتها الجامحة باتجاه المنطقة العربية، بفعل الثأر القديم وبفعل المصالح كدولة توسعية، وصولاً الي حافات البحر الأبيض المتوسط، بغض النظر عن النظام السياسي الحاكم في ايران، سواء كان في صيغة جنرالات او ملالي.!!
والخطأ السوري الآخر في حديث البعض، انها اشتركت في حرب اجنبية علي العراق عام 1991 وكان ينبغي وقتئذٍ ان يتدارك صانع القرار السياسي السوري ذلك ويتمسك بضبط النفس وينظر الي الموضوع من زاوية المصلحة القومية العليا ومبادئ الأمن القومي العربي، التي تشترط الدفاع عن اي بلد عربي، بغض النظر عن النظام السياسي الحاكم، ويبتعد عن المواقف التي من شأنها ان تمهد للأجنبي دخول البيت العربي ليفرض أجندته بطريقته الخاصة علي وفق مصالحه لا غير... ذلك في الماضــــي القريب.
ولكن لماذا يحاول البعض تجميع الأخطاء وتقديمها في سلة جاهزة لكي تكون مبرراً جاهزاً للتدخل الأجنبي وتسهيل عدوانه ؟ قد يقول البعض ان الأخطاء هذه قد ارتكبتها سورية التي اعطت بنفسها الثغرات للأجنبي لكي ينفذ اليها في الوقت المناسب. غير ان توقيت حملة التشهير بسورية وتجميع اخطائها دون اي نقد موضوعي للأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها بعض الأقطار العربية الآخري بحق الشعب الفلسطيني والشعب العراقي حتي هذه اللحظة، يعد عملاً من شأنه ان يبرر للعدو ان يفعل ما يشاء من عزل وعقوبات جاهزة وحصار ثم اجتياح كما حصل للعراق !! الأمر الذي يفسر هذا السلوك بأنه اشتراك في جريمة العدوان علي الشعب السوري، في الوقت الذي يفترض فيه من الدول العربية ومنظماتها الحكومية وغيرالحكومية، ان تتصدي لمثل هذه الهجمة السوداء الشرسة التي تبيت الغدر والدمار لبلد عربي ولشعب عربي.
كان يفترض بمراكز القرار السياسي في كل الدول العربية، التي صمتت حيال التحضير للعدوان علي العراق، اذا كانت قد اخطأت في صمتها، ولا اظن ذلك، ان تغادر صمتها ازاء التحضير لمسرح العدوان علي سورية وتعلن تضامنها وتوجه صحافتها باتجاه الرفض الكامل للعدوان علي سورية او اي بلد عربي آخر يتعرض في المستقبل القريب او البعيد، والمؤسف ان الصمت العربي قد عزز سابقة خطرة في النظام العربي الأقليمي، قبل واثناء وبعد العدوان علي العراق.
نسي الجميع ان سورية ارضها محتلة منذ سنين طويلة (وتلتزم ضبط النفس) حيال عدو صهيوني جاثم علي ارضها يمارس ابشع اساليب الاستفزاز والغطرسة.. وانها فقدت عمقها الأستراتيجي، الذي لم تعره انتباهاً، وارغمت علي الأنسحاب من لبنان وفرضت عليها ضغوطاً تحمل بين طياتها ثلاثة اشتراطات :
الأول ـ التعاون في نزع اسلحة حزب الله في جنوب لبنان، وخيار سورية في ذلك فقدان علاقتها (الاستراتيجية) مع ايران، فيما يقع الوجه الآخر لهذا الخيار، ان ايران قد فقدت خيار القوة، ويصعب ان تمد سورية بالدعم في الوقت الذي تجثم الآلة العسكرية الأمريكية علي ارض العراق، وتعد لتحولات تعتقد انها قادرة علي تغيير خرائط المنطقة السياسية علي وفق المنطق الطائفي والعرقي.. وهذا يعني ان سورية قد تجد في موضوع التعاون لنزع سلاح حزب الله شأن داخلي لبناني بعد ان ارغمت علي الخروج من لبنان، واغلاق مكاتبها في دمشق. فاذا اقدمت سورية او استجابت لهذا (التعاون)، فانها ستفقد عمقها الفلسطيني المبدئي والايديولوجي، لأن الحديث عن الحرية والأستقلال والسيادة يصبح هراء، لأن السلاح والمبادئ هما القاسم المشترك الذي يجعل من التلاحم مع القضية الفلسطينية ان تكون مصيرية، ولا يهم هجمة الأدارة الامريكية والصهيونية الشرسة علي العرب والمسلمين، لأن مؤشرات التراجع والضمور في مفاصل القوة الأمريكية والأسرائيلية باتت واضحة، وربما ستفصح الأشهر القادمة عن تحولات لا تصب في الخانة الأمريكية ولا في رفوف الصهاينة.
والثالث ـ التعاون في تكسير العمق الأستراتيجي للعراق الذي تحول بعد سقوط النظام السياسي في العراق، الي مقاومة وطنية واسعة لها برنامجها السياسي وجناحها العسكري، تعتمد علي عمقها الشعبي علي وجه الخصوص وعمقها العربي بشك عام، واي تفريط في ذلك يعني التفريط في المجال الحيوي للدولة (السياسي ـ الجغرافي)، اذ لا يجب ان يجازف اي بلد عربي في هذا المجال تحت املاءات سياسية اجنبية ضاغطة، لاتخدم الا مصالحه الكونية. حيث يتساوق ذلك ويتوازي مع العمق الفلسطيني كمبدأ وكواقع مسلح، لأن واقع السياسة في الوقت الراهن علي الأرض هو للسلاح والتمسك بخياراته لا نزعه او التخلي عنه باي حال من الأحوال ـ كما نزع العراق سلاحه قطعة قطعه وآخرها الصواريخ البلستية الدفاعية التي وافقت الأمم المتحدة علي حيازتها بمدي لا يتجاوز مائة وخمسين كيلومتراً، الأمر الذي جعله منزوع السلاح الدفاعي مقدمة لاجتياحه عسكرياً ـ فيما تبقي السياسة ومحاوراتها ومناوراتها وقواعد لعبها موكولة للبراعة في تفويت الفرصة ومحاولات اقتناصها من قبل الجهات التي تتربص شراً بسورية ولبنان، والعراق وفلسطين المحتلين. في الوقت الذي يؤكد فيه مبدأ المقاومة توسيع القاعدة الشعبية والأنفتاح المحسوب والقيام بالفرز وعدم السماح بتداخل الخنادق. تلك هي الضرورات الموضوعية في سياسة البناء المقاوم وبناء السياسة في جوانبها المبدئية الصحيحة، لأن العالم قد دخل مرحلة الوهم منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، ويراد بهذا الوهم محولة احتواء العالم عن طريق ارهاب الشعوب والأمم والأنسان، مبعثه محور الشر الثلاثي (الأمريكي والبريطاني والأسرائيلي)، بسياسات القوة.
بعد الحادي عشر من سبتمبر، تسمر العالم وقادته من هول الصدمة وخوف التهديد بصفة الارهاب، الذي يمكن بكل سهولة ان يطال الجميع دفعة واحده، فبعضهم هرول يتمسح بأمريكا، والبعض بات يطلب منها السماح واخذ يداهن، اما البعض الآخر فقد وضع رأسه في رمال الغباء كالنعامه، فيما استمرت عمليات البطش والخرق السياسية والعسكرية والثقافية والأبتزاز الأقتصادي لحقول النفط، وهنا بيت القصيد كما يقولون!!
الأن بدأت الغيوم السوداء الداكنة في افق العالم تتكشف تدريجياً، وبدت امريكا كمن يلهث مثخنة بجراح افغانستان وتلعق جراحاتها الدامية في العراق ـ لأنها ابتعدت كثيراً عن مركز القيادة بالتدخل العسكري المكلف بالمال والأرواح، كما قصم التدخل السوفياتي في افغانستان، وخيار القوة بدء بالضعف والكلل في اطار سياسة الحرب علي (الأرهاب)، الأمر الذي بات فيه خيارها التفتيش عن ركائز محلية لتنمية ما يسمي بعناصر الضغط الداخلي التي تتزامن في مساراتها مع ضغط الخارج، ممثلا بالتهديد بالحرب وتغيير النظم السياسية بالقوة العسكرية، والتحريض والمشاركة في الاغتيالات السياسية والانقلابات العسكرية.. كل ذلك يأتي في نطاق سياسات الضغط وخيارات التهديد لتغييرات الداخل والاعتماد عليها. وهذا يعني ان خيار القوة في معادلة تغيير النظم لم يعد خياراً مجديا طالما اصطدم بالكلف الباهظة في الدم والمال والمصداقية والهيبة، او انه الخيار الأول والأخير، انما انحسر هذا السلوك تقريباً الي الداخل في التغيير حتي وان اقتضي الأمر اشعال فتيل حرب اهلية!!
ان الوقع الجيو ـ بوليتيكي لسورية لا تحسد عليه.. ففي شرقها نيران تشتعل في العراق وقوات امريكية متربصة، وفي غربها اضطرابات واتهامات بالجملة، فضلاً عن سيارات تنفجر وعناصر تغتال بدم بارد، حيث تختلط قائمة القتلي بلائحة الاتهامات في لبنان، وفي جنوبها شبكات لادارة ملف الأمن في المنطقة بأسرها.. اما الشمال فحالة هدنة موقوتة بأي خرق في الحدود يفتعله الكرد.. وهذا يعني ان الغاماً تحيط بسورية عليها تفاديها، ولكن لا تجازف بسلاحها، ولا تفرط بشيء عزيز اسمه العمق الشعبي العربي بأي حال من الأحوال!!