تيسير علوني ومسيرة نزع السلاح الاعلامي عن العرب

د. عبدالوهاب الافندي – القدس العربي

 

 


عندما كنت اهم بدخول صالة المغادرة في مطار الخرطوم في وقت سابق من هذا الشهر، اقترب مني شاب لا اعرفه وسألني ان كنت مسافرا الي الدوحة. كان يحمل بيده مظروفا كان بلا شك يبحث عمن يحمله الي صاحبه. اعتذرت لأن الدوحة لم تكن وجهتي. ولو كانت لكان من المرجح انني سوف اتطوع بحمل ذلك المظروف الي صاحبه، وهي مهمة قمت بها مرات عديدة في اسفاري، وبدوري كلفت آخرين بحمل الاغراض والاموال نيابة عني الي الاهل والمعارف.
لا يتبادر الي ذهنك وان تقدم هذه الخدمات البسيطة التي لا تكلف شيئا لخلق الله ان تسأل طالب الخدمة ان كان يمارس والعياذ بالله علي سنة الاخ حسنين كروم ـ الارهاب. فالأصل في الناس البراءة، ومثل هذه اللمسات الانسانية في التعاون والتكاتف هي من الخير القليل الذي بقي في مجتمعاتنا التي يفترض افرادها الخير في الجميع اولا، ويرون من الواجب اعانة طالب العون.
الآن، وبعد الحكم علي مراسل الجزيرة تيسير علوني بالسجن سبع سنوات لأنه، بين اشياء اخري، تمثل هذه القيم في سلوكه، اصبحت نزعة الخير في مجتمعاتنا هذه تمثل عند البعض عملا اجراميا يعاقب فاعله ـ وحتي بدون اي اضافات اخري فان مثل هذا الحكم يعتبر بمثابة اعلان حرب علي قيم الخير والانسانية في مجتمعاتنا فكأنه يقول لنا، منذ هذا اليوم، اذا طلب منك صديق او غريب خدمة انسانية، فاياك اياك ان تستجيب له فلعله يكون ارهابيا.
ولكن هذه الحالة ليست امثولة معزولة، بل تمثل موقفا غربيا عاما يعبر عن نزعة عنصرية متأصلة. نجد هذا التوجه متمثلا علي سبيل المثال في القرارات التي تتخذ باغلاق المنظمات الخيرية الاسلامية بحجة انها قد تدعم الارهاب. والمعروف ان الهدف الاكبر للمنظمات الخيرية، حتي تلك التي تتبع لمنظمات متهمة بالارهاب مثل حماس وحزب الله، هو تقديم الخدمات الضرورية لمن لا حول لهم ولا قوة من اليتامي والارامل والمستضعفين والمعوقين الخ. مثل هذا الواجب مسموح به بل ومطلوب، حتي في حالة الحرب. ولمثل هذا استحدث الصليب الاحمر الذي يقدم الخدمات لجرحي واسري الحرب وللمدنيين حتي والقتال مستعر.
في المجتمعات الغربية التي عانت من الارهاب، مثل بريطانيا مع ثوار ايرلندا، واسبانيا، مع الباسك، والمانيا وايطاليا مع ثوار اليمين واليسار، لم يحدث ان اقترح احد التعرض للجمعيات الخيرية التي تدعم هذه المنظمات. بل لم يقترح احد التعرض للمنظمات والواجهات السياسية لهذه المنظمات. وكما هو معروف فان اسر المحكوم عليهم في جرائم ارهابية تتلقي في الغالب معونات من الدولة.
كل هذا يتفق مع مبدأ قديم في المعاملات الانسانية، وهو مبدأ تجنيب غير المحاربين ويلات الحرب ما امكن. صحيح ان الاخلال بهذا المبدأ كان اكثر من الالتزام به، ولكن المحاربين الذين اشتهروا بالاستخفاف به، من امثال جنكيز خان واتيلا وهتلر كسبوا سمعة سيئة لاحقتهم ابد الدهر. وفي العصر الحديث تم تطوير هذا المبدأ وتضمينه في مواثيق دولية مثل مواثيق جنيف وغيرها بحيث اصبح استهداف غير المقاتلين جريمة يعاقب عليها القانون الدولي.
ولكن لسبب ما فان تطبيق هذه المثل والمباديء يتعثر حين يتعلق الامر بالمجتمعات غير الغربية عامة والاسلامية خاصة، كما نري امام اعيننا هذه الايام في غزة والعراق. هنا نري العقوبات الجماعية، ودك المدن علي رؤوس اهلها المدنيين، والحصار الجماعي الي غير ذلك. متحدث اسرائيلي رد علي سؤال لصحافي غربي حول هذه الاجراءات بقوله: انني لا اري الصواريخ تطلق علي لندن وواشنطن، ولهذا يجب ان تتفهموا رد فعلنا . ولكن هذه المقولة غير صحيحة، لان الصواريخ اطلقت علي لندن من قبل، بل علي مقر رئيس الوزراء البريطاني في قلب لندن من قبل الجيش الجمهوري الايرلندي. ولكن لندن لم ترد بحصار بلفاست او تطلق الصواريخ علي دبلن، لان هذا سلوك مخالف لكل الاعراف والمواثيق السائدة اليوم.
ما رأيناه في الفلوجة وتلعفر والبصرة وغيرها لن يكون ابدا مقبولا في اي مدينة اوروبية، مهما امتلأت بالارهابيين. وبنفس القدر فان حصار العراق الذي امتد لاكثر من عقد ومات من جرائه الملايين ممارسة لا انسانية لم تطبق حتي علي المانيا النازية، ولا تطبق اليوم في حق كوريا الشمالية او كوبا. ولكن هذا الحصار جعل تقديم الطعام والشراب لاطفال العراق بغير اذن جريمة يعاقب عليها القانون. وبنفس القدر فان اعانة الارامل واليتامي في فلسطين تعتبر اليوم دعما للارهاب يعاقب فاعله بمئات السنين في السجن.
نفس الموقف تجاه منظمات الاغاثة الاسلامية يتخذ تجاه المؤسسات المالية التي يديرها مسلمون، مثل مؤسسة البركات للتحويلات المالية التي تم اغلاقها تعسفا وبدون تحقيق قضائي بتهمة تمويل الارهاب. الافتراض هنا هو ان اي مؤسسة مالية ذات طابع دولي يديرها مسلمون هي مؤسسة مشبوهة غير قابلة للاصلاح. هذا مع العلم بأن المتهمين بارتكاب احداث ايلول (سبتمبر) لم يستخدموا البركات ولا غيرها من المصارف العربية والاسلامية، وانما استخدموا المصارف الغربية المعروفة، ولو ان لبن لادن ملايين مخبأة فــــي مكـــــــان ما، فالاغلب انها في حسابات سويسرية سرية، ولم نسمع من احد دعوة لارسال الصواريخ لقصف سيتي بانك او بنك الاعتماد السويسري استنادا الي دعوي كهذه.
مرة اخري هذه السياسة ليست معزولة، فقد اتبعت في حق بنك الاعتماد والتجارة الدولي، الذي كان المصرف العالمي الوحيد العامل في الساحة الدولية. فقد اغلق ذلك البنك في الثمانينات بدعوي الفساد والضلوع في جرائم غسيل الاموال. ولحسن الحظ فان جريمة تمويل الارهاب لم تكن هي السائدة وقتها، والا للبست اصحاب البنك المساكين. والكل يعرف ان هذه الجرائم لم تكن قاصرة علي ذلك البنك، والعقوبات التي تتم في حق المتهمين هي تقديمهم للمحاكمة وتغريم البنك المعني.
مثل حالة بنك الاعتماد فان جهات الاختصاص، وهي البنك المركزي البريطاني، صادقت علي تحويل ملكيته الي دولة الامارات، وهي جهة غير متهمة عندهم، وقد تعهد الشيخ زايد رحمه الله وقتها بتحمل كل ديون البنك. وعليه لم يكن هناك اي مبرر قانوني او مالي لاغلاقه، ولكن السلطات قررت فجأة اغلاقه وتصفيته، موجهة بذلك ضربة موجعة لآلاف المودعين، وغالبيتهم من المسلمين.
ما نراه اذن من استهداف سياسي وقانوني (وعسكري) احيانا لقناة الجزيرة يبدو لنا علي الاقل ـ وبعض الظن اثم ـ انه جزء من توجه (حتي لا نقول مخططا) ثابت للحفاظ علي الهيمنة الغربية في المجالات المالية والاعلامية والعسكرية، وعدم السماح لأي طرف غير غربي بأن يكون له موطيء قدم في مجالات التفوق هذه. ويدخل في هذا استهداف المقدرات النووية الايرانية وقبلها العراقية.
واذا احسنا الظن فان من الممكن تشبيه ما وقع لعلوني بما وقع للبرازيلي الذي قتل بدم بارد في محطة قطار الانفاق في جنوب لندن في تموز (يوليو) الماضي بطريق الخطأ. بمعني آخر ان هناك تسرعا في الحكم، اما اذا لم نحسن الظن فان الاستنتاج هو ان هناك لا مبالاة بمصير الأبرياء في سبيل تصفية الحسابات مع الخصوم.
ولنتصور للحظة مثلا ان صحافيا اوروبيا او مفتشا في وكالة الطاقة الذرية اعتقل في طهران، وضبطت معه وثائق ومكالمات تشير الي انه كان علي اتصال بأشخاص في الولايات المتحدة او اسرائيل ثبت ان لهم صلة بالاجهزة الرسمية والمخابراتية في تلك الدول. ولنفترض ان ايران قررت محاكمته بتهمة التجسس علي منشآتها النووية لصالح العدو. هل نتصور حينها الضجة التي كانت ستقوم في الغرب حول هذه المحاكمات غير العادلة والاحكام الجائرة ؟ ألن نسمع ليل نهـــــار ان ايران لا يحق لها محاكمة الصحافي او المفتش بأي حال؟
هناك سؤال محوري اذن يتمثل في: لماذا كل هذا الاستخفاف بمعايير العدل والمعادلة الانسانية في حق فئات بعينها؟ أو ليس هذا الاستخفاف المنهجي والمستمر والمتكرر هو الذي يوغر صدور كثير من الشباب ويفقدهم صوابهم بحيث يدفعهم الي اعمال جنونية؟ او ليس اتباع نفس هذا المنهج بدعوي مكافحة الارهاب هو من قبيل التداوي بالتي كانت هي الداء؟