"العنف والتمدين": نصوص متناقضة وأجوبة معلقة!

السيد يسين - الاتحاد



 

لم أتوقع بعد نشر مقالي الماضي "كتابة النص في عالم متغير" أنه سيتاح لي أن أختبر صدق بعض الفروض التي قدمتها بصدد العلاقة بين اللغة والإعلام وكتابة النص من خلال اشتراكي في ندوة علمية مهمة انعقدت في القاهرة في الفترة من 23 – 25 سبتمبر 2005. عنوان الندوة كان "العنف والتمدين" ولها عنوان فرعي هو "المجتمع المدني الكوني في مفترق الطرق". نظم الندوة مركز البحوث السياسية بجامعة القاهرة وجامعة لندن.
وأثيرت في الندوة موضوعات بالغة الأهمية جاء بعضها في شكل تساؤلات. بدأت الندوة بمناقشة موضوع "العولمة والمقرطة: الأنماط المتغيرة للعنف". أما الموضوع الثاني فكان "الدولة الحديثة والعنف". والموضوع الثالث عبارة عن تساؤل: "هل مذهبا الحرب العادلة و"الجهاد" يمكن تطبيقهما في حقبة تاريخية كونية؟". والموضوع الرابع سؤال: "هل من المشروع لنشطاء المجتمع المدني أن يلجأوا لاستخدام القوة؟"، والموضوع الخامس عن "دور الدين: متى يشجع الاتجاهات المتطرفة ومتى يشجع السلام والمصالحة؟"، والموضوع السادس عن "النوع"
Gender: هل علاقات النوع غير المتساوية ترتبط بالعنف؟ وهل للجماعات النسائية دور محدد في دفع السلام؟"، والموضوع السابع عن "دور الإعلام: العنف باعتباره مشهداً أو فرجة". وسؤال فرعي "هل الإعلام يمثل المجتمع المدني أم أنه أداة للسلطوية؟"، والموضوع الثامن "ترسيخ التمدين: دور جماعات الإغاثة وحركات السلام ومعركة المجتمع المدني الكوني"، وأخيراً "شبكة المجتمع المدني ضد الإرهاب".
لقد تعمدت السرد التفصيلي لعناوين محاور الندوة، لأن كل موضوع منها يمثل في الواقع نصاً إشكالياً، والأدق أن نقول إنه يتضمن في الواقع مجموعة نصوص متناقضة مما يجعل الأجوبة أحياناً معلقة، لصعوبة الاختيار بين النصوص من ناحية الصدق والثبات معاً.

وقد قدم عرضان في جلسة الندوة التي ترأستها، أحدهما لباحث لبناني قدم أطروحة متكاملة للإجابة على السؤال: هل من المشروع أن يلجأ نشطاء المجتمع المدني لاستخدام القوة؟ والعرض الثاني لباحثة فلسطينية قدمت أطروحة مضادة.

وقد تميز عرض الباحث اللبناني بتحليله لظاهرة العولمة بجوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولفت النظر إلى بعض آثارها السلبية، وأخطرها تقلص دور الدولة القومية واستقالتها من أداء بعض وظائفها التقليدية نتيجة ضغوط العولمة بإيديولوجيتها التي تنزع إلى الحرية المطلقة للسوق، وبتأثير المؤسسات الدولية التي تدفع للخصخصة، ولا تولي الأبعاد الاجتماعية اهتماماً كبيراً، مما أدى إلى تهميش طبقات اجتماعية متعددة، بل وإقصاء دول تنتمي للعالم الثالث من دورة العولمة الاقتصادية النشطة. ومن ناحية أخرى أدت ضغوط العولمة الثقافية إلى نوع من أنواع التشظي الاجتماعي، مما سمح لتنظيمات تحت مستوى الدولة بأن تنشط وتمارس فعلها بعيداً عن رقابة الدولة، أو بالرغم منها في بعض الأحيان، مثل بعض الجماعات الدينية، أو العرقية.

ثم قدم الباحث أطروحته الأساسية، والتي مبناها أنه إذا كانت الدولة الحديثة قد قامت باحتكار القهر في المجتمع واستخدام العنف مع المخالفين للقانون، فإن ذلك تم بتفويض من المجتمع.

أما وقد ضعفت الدولة في الوقت الراهن، ولم تعد قادرة على حماية كل فئات المجتمع كما كان يحدث سابقاً، فإن المجتمع من حقه أن يسترد التفويض الذي منحه للدولة باحتكار القهر، ومن حقه إذن أن يستخدم القوة. وبدا كما لو كانت هذه الأطروحة دفاعاً صلباً عن حق نشطاء المجتمع المدني في استخدام القوة. وما لبث أن عطف الباحث على شرعية استخدام المقاومة للعنف. وفي تقديري أن هذه الأطروحة مهما كان تماسكها بين الناحية المنطقية بالغة الخطورة، لأن من شأنها أن تفتح الباب للحروب الأهلية، بل إنها في الواقع تشرع لهذه الحروب التي يمكن أن تنشب في أي مجتمع من قبل جماعات متعددة ضد الدولة ذاتها، أو من قبل جماعات مدنية ضد جماعات مدنية أخرى، خضوعاً لاعتبارات التطرف الديني، أو الهوس الطائفي.

والواقع أن احتكار الدولة الحديثة لاستخدام القهر في ضوء الدستور والقانون يمثل تقدماً أكيداً في مجال التقدم الإنساني بشكل عام. فقد قضى هذا المبدأ - والذي لم يستقر في الواقع إلا بعد نضالات عنيفة دستورية وقانونية، وبعد صراعات دامية - على الاقتتال الداخلي في كل مجتمع. وحتى لو افترضنا صحة ما ذهب إليه الباحث من أن سلطات الدولة القومية تقلصت بتأثير العولمة، هل هذا في حد ذاته مبرر لإسقاط احتكار الدولة لاستخدام القهر، وإباحة ذلك لمؤسسات المجتمع المدني؟

وربما كان مصدر خلل هذا المنطق المتهافت يعود إلى النظرة المثالية التي أصبح ينظر بها الآن على مستوى العالم بشكل عام، وعلى صعيد الوطن العربي بشكل خاص للمجتمع المدني. ذلك أنه نظراً لضعف الأحزاب السياسية التقليدية وعجزها عن إشباع المطالب السياسية والديمقراطية للشعوب، تحول الاهتمام إلى منظمات المجتمع المدني، باعتبار أنها هي التي ستنقذ الجماهير من تيه الضياع الديمقراطي!

وهذه النظرة المثالية تجاهلت للأسف الشديد عدداً من الاعتبارات التي تتعلق بوضع مؤسسات المجتمع المدني.

ولو ركزنا على وجه الخصوص على مؤسسات المجتمع المدني العربية الناشئة والتي لا يزيد عمرها على ثلاثة عقود، لاكتشفنا أولاً عدم تجانسها، والصراعات الإيديولوجية الحادة بينها. فبينها مؤسسات يسارية التوجه، وبعضها الآخر مؤسسات يمينية التوجه.

ومعنى ذلك أن المجتمع المدني الذي يروج البعض لفكرة أن يمارس ناشطوه القوة ضد الدولة - ولا أدري كيف يكون ذلك بدون فتح الباب واسعاً وعريضاً أمام الحرب الأهلية- يمارس في الواقع معركة مزدوجة. الأولى ضد الدولة التي توحشت واحتلت الفضاء العام وقلصت الحريات، والثانية هي معركة المجتمع المدني ضد نفسه! أو بمعنى أدق بعض مؤسساته ضد بعض مؤسساته الأخرى!

ولا يغيب عن البال أن فتح باب الصراع بالقوة من قبل مؤسسات المجتمع المدني ضد الدولة من ناحية، وضد بعض المؤسسات المدنية من قبل مؤسسات مدنية أخرى يمكن أن يؤدي إلى فوضى لا حدود لها.

وإذا أضفنا اعتباراً آخر يتعلق بوضعية مؤسسات المجتمع المدني العربي، وخضوعها لمؤثرات التمويل الأجنبي بكل ما يمثله ذلك من فرض جداول للعمل مُقحمة على المجتمع العربي لا تخدم في الواقع إلا الجهات الأجنبية التي تنفق في تمثيل الناشطين في مجال حقوق الإنسان وغيرهم بغير حساب، وقد أدى التمويل الأجنبي إلى شيوع ظاهرة الفساد في بعض مؤسسات المجتمع المدني، وعمليات الإثراء غير المشروع، بالإضافة إلى غياب التطوع، وظهور الاحتراف المعمم، ومعنى ذلك ضرورة تبني نظرة واقعية لمؤسسات المجتمع المدني، والتخلي عن النظرة المثالية لها.

والواقع أن الباحثة الفلسطينية قدمت أطروحة مضادة لأطروحة الباحث اللبناني، ورفضت قطعياً حق نشطاء المجتمع المدني في استخدام القوة، مع تأكيد لحق مقاومة الاحتلال.

لم يكن ما سبق سوى عرض لحالة نموذجية لوجود نصوص متناقضة في نفس الموضوع، مما أدى إلى بروز وضع تبدو فيه الإجابات أحياناً معلقة. غير أنه بالنسبة للسؤال المطروح فالإجابة في تقديرنا قاطعة، لا يمكن السماح لنشطاء المجتمع المدني باستخدام القوة، لأنه لو حدث ذلك لكان إيذاناً بانهيار الدولة وضياع مبدأ سيادة القانون، والذي هو أكبر ضمانة للحريات العامة.