نظام الفرص الضائعة

د. برهان غليون - الاتحاد

 

بصرف النظر عما سيسفر عنه التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري وصلت العلاقات السورية مع الكتلة الغربية المكونة من أهم قوى دولية قائمة اليوم، أعني الولايات المتحدة وأوروبا، إلى قطيعة نهائية لن يكون من الممكن تجاوزها أو الالتفاف عليها بأي شكل. وغني عن القول إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له دولة أو نظام هو أن يضطر أحدهما إلى أن يواجه تحالفاً أوروبياً أميركياً ضده. ولا يمكن لأي نظام، مهما كانت الحيثيات والدوافع والتبريرات، أن يتحمل مثل هذا التحالف ومن باب أولى أن يسمح بنشوئه أو أن يدفع إليه. فهو يعني، لا أكثر ولا أقل، أنه يدين نفسه بالعزلة العالمية ويسد أمامها جميع الآفاق. وفي منطقة مثل منطقة الشرق الأوسط الخاضعة بشكل لا مثيل له في أي منطقة أخرى للهيمنة الأميركية- الأوروبية التاريخية والمكشوفة معاً، يعني مثل هذا الموقع، أكثر من ذلك، عزلة إقليمية كبيرة أيضاً وبالتالي تعليق النظام نفسه في الفراغ.
لا ينبغي الاستهانة بالمخططات الغربية الأميركية والأوروبية معاً ولا الاعتقاد بأنها تهدف إلى خدمة المصالح العربية. فليس هناك شك في أن الولايات المتحدة تسعى اليوم إلى كسر شوكة الوطنية العربية التي اتخذت شكل الحركة القومية الوحدوية الماضية والتي لا تزال تعيش تحت الرماد، وأنها تهدف من مشاريعها إلى قطع الطريق على أي تفاهم عربي واسع كي ما تتمكن من بناء الشرق الأوسط الذي يمر تفاهم جميع بلدانه وشعوبه عبر واشنطن وبفضلها. وهذا هو الطريق لتكريس الهيمنة الإقليمية الأميركية وضمان المصالح النفطية والاستراتيجية معاً. وليس هناك شك أيضاً في أن ما تريده أوروبا اليوم في المنطقة العربية هو تأمين حدودها الجنوبية ومنع نشوء مخاطر عليها سواء أكان ذلك نتيجة قيام تكتلات استراتيجية قوية أو انتشار الأسلحة الهجومية الشاملة أو تصاعد حركات العداء والعنف المناوئة لها. وفي هذه السياسات نقاط خلاف جوهرية تفصل المصالح العربية العليا عن المصالح الأميركية والأوروبية. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أيضاً قضايا خلاف ظرفية نابعة من اختلاف وجهات النظر أو التعارض في المصالح التكتيكية أو الاستراتيجية العربية- الغربية كما هو الحال في ما يخص الحرب في العراق والموقف من الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين والجولان ومن بعض تشكيلات المقاومة العربية في فلسطين ولبنان والعراق.

لكن بالرغم من هذه الخلافات السياسية التي دفعت وتدفع واشنطن إلى ممارسة ضغوط استثنائية على الدول العربية لتغيير أجندتها وإعادة النظر في الكثير من خياراتها الاستراتيجية والاقتصادية والثقافية القديمة أيضاً، لا أعتقد أن المواجهة التي نسير إليها اليوم بين سوريا والولايات المتحدة الأميركية كانت حتمية أو لم يكن من الممكن تجنبها. فزوال الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة من جهة بما يعنيه من التراجع الدولي عن سياسات الاقتصاد المخطط والانخراط الطوعي والمتزايد للدول العربية وغير العربية في سياسات التحرير الاقتصادي والاندماج في السوق الدولية والخوف من تنامي حركات العنف والإرهاب في العالم كل ذلك يخلق مجالات لمصالح مشتركة أيضا بين الدول العربية والكتلة الغربية. وهذه المصالح المشتركة هي التي سمحت للعديد من النظم العربية التي تعرضت في السنوات الماضية إلى ضغوط أميركية وأوروبية قوية من أجل الإصلاح بالوصول إلى تفاهمات جديدة غيرت من طبيعة السياسات العربية والغربية معاً بما في ذلك التمديد لأنظمة كانت الولايات المتحدة تقف ضدها بصورة قطعية.

ولا يختلف الأمر عن ذلك في ما يتعلق بالنظام السوري الذي تبنى مثله مثل جميع النظم العربية الأخرى سياسة الانفتاح على الولايات المتحدة وأوروبا والتوصل معهما إلى تسويات في جميع الملفات. وهذا ما يفسر الحيوية التي طرأت على العلاقات السورية الغربية في الأعوام القليلة الماضية والتعاون الواسع الذي نشأ بين البلدين إلى فترة قريبة قبل انفجار الأزمة الراهنة. وهو الأمر الذي يستحق أن نتأمل فيه لنعرف أين حصل الخطأ الذي أدى إلى هذا الوضع ومن هو المسؤول الرئيسي عنه. فحتى أشهر قليلة، وربما حتى هذه اللحظة، كما لا يزال يعتقد البعض، لم يكن أحد يشك في أن نظام الرئيس بشار الأسد لا يزال يحظى برعاية خاصة في العواصم الغربية نظراً لما وسم به من علمانية ومقدرة مجربة على مواجهة الحركات الإسلامية والتعامل بواقعية مع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية. وبالإضافة إلى ذلك، كان هناك اعتقاد قوي لدى حكومات أوروبا وأميركا معاً بأن النظام السوري يلعب دوراً إيجابياً بوجوده في لبنان ويضمن الاستقرار على حدود إسرائيل الجنوبية جميعاً كما أن من الممكن أيضاً أن يكون له دور إيجابي في العراق.

وقد أظهرت دمشق تعاوناً كبيراً مع الدول الغربية فقبلت الدخول في مفاوضات السلام العربية- الإسرائيلية منذ مؤتمر مدريد عام 1991 كما أظهرت تعاوناً أمنياً معلناً مع السلطات الأمنية الأميركية في الملف العراقي الملتهب. وعلى المستوى الاقتصادي أظهرت المبادرات السورية المتعددة للتوقيع على اتفاقات التجارة الحرة رغبة حكومة دمشق القوية في الانخراط في اقتصاد السوق. بل يمكن القول إن مشروع التغيير من الداخل هو الذي يفسر الإجماع الذي حظي به الحكم الجديد في الخارج والداخل أيضاً. فقد كان الجميع على اقتناع بأن مثل هذا التغيير يشكل مصلحة عامة لأنه يخفف من مخاطر الانزلاق إلى الفوضى التي ترافق عادة مراحل الانتقال ويؤمن إعادة إدماج سوريا في الحياة الدولية بتكاليف أقل كثيراً مما تستدعيه الانقلابات والثورات الشعبية. وعززت التجربة العراقية المرة هذا الاقتناع. وتبنت العواصم الغربية مشروع تجديد نظام البعث السوري متجاهلة القوى الديمقراطية السورية ومشاريعها تماماً. ومنذ سنوات ثلاث فقط استقبلت أوروبا الرئيس بشار الأسد وزوجته استقبال الفاتحين في لندن ومدريد وباريس وكانت ترى فيه نموذجاً لجيل جديد من القادة العرب المتنورين العازمين على التغيير ومكافحة الفساد وتحقيق الانتقال، ولو تدريجياً، إلى نوع من التعددية يغير أسلوب التعامل بين سوريا والعالم. وبالمقابل تجاهلت جميع الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، خلال سنوات طويلة المعارضة الديمقراطية السورية على مختلف اتجاهاتها ولم تولِها، حتى وقت قريب، أي اهتمام. فما الذي حصل حتى انقلبت الأمور رأساً على عقب في أقل من سنتين وصار التكتل الغربي ينظر للنظام السوري على أنه أصل البلاء ومنبع جميع المصائب المحيقة بالشرق الأوسط؟ هذا ما سنسعى للإجابة عنه في مقال قادم.