قراءة في المصير الذي ستؤول إليه سورية

عبدالسلام بنعيسي

القدس العربي

 


ماذا فعل الزمن بمحور دول إعلان دمشق؟ كيف حال سورية اليوم وهي البلد التي تم في عاصمتها الإعلان عن تأسيسه؟ من الذي يتذكر ذلك المحور الذي ضم في صفوفه، عقب حرب الخليج الثانية، دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلي سورية ومصر؟ كما هو معلوم فإن المحور كان قد تشكل عقب إخراج القوات العراقية من الكويت سنة 91 علي يدي تحالف عسكري أشرفت عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وشاركت فيه أكثر من ثلاثين دولة من مختلف أنحاء العالم، وكان علي رأس المشاركين في ذلك التحالف القوات السورية بحوالي 20 ألف جندي، والمصرية بحوالي 40 ألفا من أفراد الجيش المصري.
تأسس محور دول إعلان دمشق، وقيل وقتها إن الرياض ودمشق والقاهرة، عواصم الدول العربية الكبري التي تألف منها المحور، ستشكل القاطرة التي ستجر العمل العربي المشترك. وكان واضحا أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قد راهن علي أمريكا وعلي مصر والسعودية، وتوهم أن المشاركة في الحرب إلي جانب الولايات المتحدة الأمريكية ضد دولة عربية التي هي العراق ستجلب له حسن الطالع، وستنهي مشاكل بلده الاقتصادية والاجتماعية، بالحصول علي مساعدات مالية ضخمة من دول الخليج، وستعيد له الجولان في طبق من ذهب.. وسيحصل علي كل ما كان يحلم به ويتمناه طوال حياته، وسينتقم من خصمه اللدود صدام حسين، وسيحجم طموحاته وسيقلصها، وسيظهر في هيئة الأفضل والأدهي منه.
وقتها انهالت، كما نذكر، علي الرئيس السوري السابق في كبريات الصحف العالمية مقالات كلها مدح وإطراء وإعجاب بما كان يوصف بأنه ذكاء، وعبقرية، وتبصر، وبعد نظر، يتمتع به حافظ الأسد، وتم السكوت كليا عن سجله غير النظيف في ملف حقوق الإنسان، واستفراده بالحكم. وقبل حرب تحرير الكويت، أو تدمير العراق وتخريبه، وقع عقد لقاء بين الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، وبين حافظ الأسد في جنيف بسويسرا، وتُرك علي إثره للرئيس السوري المجال مفتوحا لكي يسرح ويمرح كما يشاء في لبنان، وتم طرد ميشال عون من مخبئه في بيروت، بل لم تبد كبريات العواصم أي تبرم من عملية توريث الحكم لابنه بشار الأسد، وبدت سورية في تلك الأيام قطب الرحي ومحور العالم، وبدا أن الحاجة إليها وإلي موقعها الاستراتيجي ستظل كبيرة، وستكون علي الدوام لقادتها القدرة علي المناورة للاستفادة من هذا الموقع بالمساهمة في صياغة خريطة المنطقة وتحديد مصيرها..
كان ذلك في الأيام الخوالي، فكما يقول سعد الله ونوس في كتابه عن الذاكرة والموت أصبح الأمر ماضيا، سحيقا أو رواية قديمة ، فالضغط الذي يمارس حاليا علي سورية من مختلف الاتجاهات، والمأزق الذي يوجد فيه النظام السوري الحاكم، حيث أصبحت سورية عمليا محاصرة من جهة العراق، ولهيب نيران الحرب يصلها من ميدان المعركة في بلاد الرافدين، كما أنها محاصرة من جهة لبنان وإسرائيل، وتقرير ميليس يهدد بتوجيه اتهامات لأجهزتها بالمشاركة في اغتيال رفيق الحريري الأمر الذي قد يؤدي إلي فرض عقوبات عليها ربما قد تصل إلي حد المطالبة بمحاكمة أقطاب النظام لخلعه وإسقاطه.. كل ذلك يدفع للتساؤل عن الماضي القريب لسورية، وعن المآل الذي آل إليه محور دول إعلان دمشق، وعن الحكمة والتبصر الذي قيل إن القيادة السورية ظلت باستمرار تتصف بهما .
بخصوص محور دول إعلان دمشق، تكفي قراءة الصحف، أو مشاهدة الفضائيات الموالية للسعودية للوقوف علي حقيقة أن الإعلام الممول من طرف هذه الدولة يحرض علي دمشق، ويحث علي تشديد الخناق عليها، وإسقاط النظام الحاكم فيها، ويتعامل مع النظام السوري الحاكم كما كان يتعامل، بالتمام والكمال، مع النظام العراقي في السنوات الأخيرة لعهد صدام حسين. يحق لنا اليوم أن نتساءل ماذا جني النظام السوري من مشاركته في الحرب التي شنت علي العراق سنة91 ودمرت جيشه، وبنيته التحتية، وشكلت مدخلا لاحتلاله لاحقا، علما بأن العراق، بجيشه القوي، كان يشكل عمقا استراتيجيا لسورية، و سندا لها أمام أي اعتداء أو تهديد قد تتعرض له رغم الخلافات التي كانت قائمة بين النظامين؟
لقد وقف حافظ الأسد إلي جانب السعودية وإلي جانب الكويت، وساند القرارات الصادرة عن قمة القاهرة التي اعتُبرت أرضية سياسية مهدت لتدمير العراق، وكان الرئيس السوري الأسبق علي حق عندما كان يقول إن سورية هي التي حررت الكويت، فلولا دعم دمشق السياسي والعسكري لأمريكا في حربها الأولي ضد العراق لما كان العالم العربي، وعلي رأسه سورية قد وصل إلي هذا المستوي من التردي الذي صار يهدد بزوال النظام القائم في دمشق ذاته.
إذا كانت السعودية تحرض في العلن بإعلامها، وربما في السر بتحركاتها الديبلوماسية ضد دمشق، فإن الدولة التي كانت تعتبر حليفا لسورية في دول إعلان دمشق ونعني بذلك مصر، قد تخلت بدورها عن سورية، وتركتها وحيدة تواجه مصيرها الذي يبدو أنها لم تعد متحكمة فيه.اتفاقيات الكويز وبيع الغاز المصري للدولة العبرية، والمشاريع السياحية القائمة بين البلدين في طابا..كل هذا يدل علي أن مسلسل التطبيع الرسمي بين مصر وإسرائيل ماض في طريق سالك ومنحدر، ولا شك أن هذا يشكل في واقع الأمر طعنة في ظهر سورية التي ما زال جزء من أرضها محتل، وتشترط للقبول بمبدأ التطبيع العربي مع إسرائيل انسحابها من الجولان المحتل، كما أن تشجيع السعودية لباكستان علي إقامة علاقات مع إسرائيل، يعتبر ضربة في مقتل لسعي سورية منع إسرائيل من إقامة علاقات مع دول العالم الإسلامي قبل قبولها الانصياع لقرارات الشرعية الدولية بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة منذ67 وعلي رأس هذه الأراضي هضبة الجولان.
لا شك أن نظام صدام حسين ارتكب أخطاء لا تغتفر، وجر بلده إلي مغامرات لم تكن محسوبة ومدروسة واستفاد منها خصوم وأعداء العرب، ولكن الأنظمة العربية التي كانت تحكم إلي جانبه تتحمل جزءا لا يستهان به من المسؤولية في ارتكابه لتلك الأخطاء، ففي حرب الخليج الأولي وقع دعمه ماليا وإعلاميا وسياسيا من طرف مجمل النظام العربي الرسمي، وعندما ارتكب خطيئة غزو الكويت، لم تحسن الأنظمة الحاكمة التصرف مع هذه الخطيئة، ولم تعالجها بصبر وحكمة، ولم تفوت علي المتربصين بالعالم العربي اغتنام الفرصة للإجهاز علي العراق وعلي العرب أجمعين، لقد تصرف النظام العربي الرسمي بنفس الأسلوب الأرعن الذي صدر عن صدام حسين، وكان بإمكان سورية التي أرضها محتلة، ويمثل العراق عمقها الاستراتيجي أن تضبط الأعصاب، وتهدئها، وتساعد النظام العراقي علي الخروج من ورطة غزوه للكويت.
من الممكن أن محاولات سورية لم تكن ليكتب لها النجاح، نظرا لعدة اعتبارات خارجة عن إرادتها، غير أن المشكل هو أن دمشق لم تكلف نفسها حتي عناء المحاولة، فلو أنها حاولت، وأخفقت، لكان التاريخ قد سجل لها محاولتها تلك، ففي المحاولة اعتقاد كما يقال، ولكنها لم تقم بأي مبادرة في هذا الصدد، بل كانت في قائمة المتعنتين والرافضين لأي عمل الهدف منه إخراج العراق من ورطة غزو الكويت، بشرف وبكرامة، وبما لا يعرضه للتدمير.
السياسة التي تتحكم فيها الأحقاد الشخصية، والتي لا تضع لنفسها استراتيجية واضحة وثابتة، والتي يعتقد القادة الذين يسنونها بعيدا عن إرادة الشعوب أنهم أذكي من الشعوب، ومن الحكام الآخرين، هذه السياسة تنتهي بأصحابها إلي المأزق، فلو كانت الجماهير العربية تشارك في صنع القرار السياسي سواء في سورية، أو العراق، أو الكويت، أو السعودية، أو مصر.. لما كانت الخلافات بين الدول العربية تصل إلي حد القطيعة والمواجهة العسكرية فيما بينها، والاستعانة بالأجنبي، ولما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، ولما غزا العراق الكويت، وحتي لو كانت الحرب قد وقعت، والغزو قد جري، لتم التغلب علي تداعيات ما حدث بأخف الأضرار، ولما وصل العالم العربي، ومعه سورية إلي هذا الوضـع الذي تعيشه اليوم، حيث أصبح مصيرها فوق كف عفريت.
ما جري للعراق بالأمس، يجري حاليا لسورية، وسيقع نظيره غدا، بأشكال مختلفة، للأقطار العربية الأخري، فليس من بين هذه الأقطار من هو أفضل من الآخر، وأذكي وأبرع منه، ليعتقد مع نفسه أنه غير معرض للغزو والاحتلال، و للتجزئة والتفتيت، للسيطرة عليه، وعلي قدراته وثرواته. الجميع في سلة واحدة، وكل نظام سيأتي دوره، ما دامت الأنظمة الحاكمة اختارت تغييب شعوبها وعدم إشراكها في اتخاذ القرارات أثناء سن سياساتها الداخلية والخارجية. فهذه أنظمة تتعامل مع أبناء شعوبها، ليس علي أساس أنهم مواطنون لهم حقوق، وعليهم واجبات، ولكنها تعاملهم وكأنهم مجــرد عبيد. وكما يقول البروفيسور برهان غليون فإن أمة من العبيد، لا يمكن أن تكون إلا من عبيد الأمم يفعل فيها الأمريكان والإنكليز والإسرائيليون ما يريدون، دون أن تكون لها القدرة علي الدفاع عن نفسها، وتحديد مصيرها باختيارها..
ہ صحافي من المغرب