التحقيق في اغتيال الحريري والمواجهة الشرق أوسطية

د. رضوان السيد ...الاتحاد

 

المشهد غريبُ ومهيبٌ في الوقت نفسه. الرئيسان اللبناني والإيراني في نفس الموقف، وليس في نفس الموقع. يتحدثان من على منصة الرئاسة في الأمم المتحدة، فلا يُصْغي أحدٌ إلى اللبناني، ويصغي قليلون للإيراني من أجل التثبُّت من إدانته، وليس للاستماع إلى الجديد الممكن من جانبه. فمنذ العام 2005 يتفاوضُ الأوروبيون، وتتفاوضُ وكالةُ الطاقة النووية مع الإيرانيين حول نشاطاتهم النووية. الإيرانيون يقولون في البداية إنّ من حقّهم أن تكون عندهم تقنية نووية للأغراض السلمية، ويتساءلون: لماذا يهتمُّ الأميركيون والأوروبيون بذلك، ولا يهتمون بأنّ إسرائيل تمتلكُ مئات القنابل النووية؟ ويجيب المفاوضون: إنّ إسرائيل –بعكس إيران- لم توقّع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، والوكالة والأطلسيون يشكّون في أنّ إيران تمتلك برنامجاً لتطوير أسلحةٍ نووية. ثم تأتي أحداث 11 سبتمبر 2001 وبعدها وقائع غزو أفغانستان والعراق، وتتصاعد الحاجة للتعاون الإيراني بل والسوري. فتخفُّ الضغوط على إيران، ويتعاون الإيرانيون مع الأميركيين في هدم نظامين سياسيين معاديين لهم. فحركة "طالبان" أذاقت الشيعة الأفغان والإيرانيين( على الحدود) الأهوال. وصدّام حسين عدوّ إيران الأكبر. ثم إنّ إيران تعلم (وإن لم تكن تعلم فإنّ الوسيط أحمد الجلبي كفيلٌ بإخبارها) أنّ العاصفة كانت آتيةً على إيران، وليس على العراق، وأنّ الفضلَ في تحويلها عنهم لإسرائيل وله هو وأمثاله! لكنْ منذ منتصف العام 2004 تعود الضغوط على إيران. فالإيرانيون-متشجّعين بالتغاضي الأميركي المؤقت-عادوا لتخصيب اليورانيوم، والأوروبيون شعروا أنهم مضوا بعيداً في تجاهُل مطالب ومصالح الولايات المتحدة، فعادوا ينسّقون مع الولايات المتحدة في الضغط على إيران، مصطحبين معهم هذه المرة- وبشكلٍ ظاهر- الوكالة الدولية للطاقة النووية. وفي أواخر العام 2004 بدا أنّ الطرفين -الإيراني والأوروبي وبالتالي الأميركي– يتجهان لهدنةٍ على الأقلّ: الإيرانيون أوقفوا التخصيب، والأوروبيون (مع الوكالة) وافقوا على عرض صفقةٍ على إيران. وما بدت واشنطن راضية، فالصفقة التي يجري التفاوُضُ عليها تعترف لإيران بحقّ تطوير التقنية النووية للأغراض السلمية: وما حاجة إيران للطاقة عن طريق المفاعلات النووية، وهي الدولة الغنية بالبترول والغاز؟ ثم إنّ إيران ما عادت تتعاون في العراق كما فعلت إبّان الغزو، وهي توشكُ أن تسيطر في المناطق الشيعية سيطرةً كلية. ومع ذلك؛ فإنّ إدارة بوش الثانية تمهّلت مع إيران ومع سوريا، بسبب الفشل الجزئي أو الكلي في حروبها الاستباقية والردعية في أفغانستان والعراق وأشباههما. لكنّ الإصرار الأميركي من جهة، قابله إصرارٌ إيرانيٌّ وتغييراتٌ إيرانيةٌ من جهةٍ ثانية. فمنذ مطلع العام 2005 يصرّح الإيرانيون بكل سبيل أنّ المسألة النووية (السلمية) مسألةٌ وطنيةٌ وقوميةٌ ولا تنازُلَ عنها بأي سبيل. ثم إنّ (الأمل) الغربيَّ أن يخلُفَ رفسنجاني البراغماتي خاتمي خاب بمجيء محمود أحمدي نجاد( ظِلّ خامنئي) لرئاسة الجمهورية، وفي انتخاباتٍ أكثرية كاسحة، أُريدَ لها أن تُنسي الناسَ أكثريات خاتمي الشهيرة! وأمام خيبة أمل إيران من عرض الأوروبيين الهزيل (ميزات تكنولوجية، وتفضيل في التبادل التجاري- وإيران تستورد من أوروبا بحوالي 15 مليار دولار!) عادت لتخصيب اليورانيوم، وأرسلت رئيس الجمهورية الجديد (الذي لا يعرفُ لغةً أجنبية) إلى الأمم المتحدة للإعلان عن قرارها مواجهة أميركا، كما في مطلع الثمانينيات عند قيام الثورة!

ما علاقةُ الرئيس الإيراني بالرئيس اللبناني؟ علاقتهما أنهما في موقف الذي يدافعُ عن "قضيةٍ" خاسرة، وهما يعلمان ذلك: إنما عزاء نجاد أنه يدافع عن المصالح الاستراتيجية لبلده، بينما يدافعُ لحود عن رأسه، ورأسه بالمعنى الحرفي. فهو لا يخشى العزلَ فقط؛ بل ويخشى المحاكمة والإدانة باعتبار مشاركته بشكلٍ ما في اغتيال الرئيس الحريري. وفي حين ما استطاع الرئيسان مقابلة أحدٍ من الكبار تقريباً، باستثناء الأمين العام للأمم المتحدة؛ فإنّ نجاد كانت لديه الشجاعة لتنظيم مؤتمر صحافي، كان أول سؤالٍ وُجّه إليه فيه: لماذا تحتاج إيران إلى التقنية النووية في إنتاج الطاقة، وهي التي تستطيع- كما تفعل الآن- إنتاجها عن طريق البترول والغاز الموجودَين بوفرةٍ مشهودةٍ في البلاد؟ وقد بدت الخيبةُ النجاديةُ واللحودية بأجلى مظاهرها حين لم يكد نجاد يغادر نيويورك عائداً إلى بلاده، حتى اجتمع مجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية، وأُعلن عن مشروعٍ أوروبي لتحويل الملفّ النووي الإيراني إلى مجلس الأمن. أمّا لحود فكانت إهانته أسرع وأعلى دوياً. فحين كان يلقي خطابه أمام الجمعية العامة، كان رئيس وزرائه فؤاد السنيورة، يترأس اجتماعاً "لدعم لبنان"، حضره أكثر وزراء خارجية الدول الكبرى، والوزيران السعودي والمصري، والأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس البنك الدولي، وسولانا ممثل الاتحاد الأوروبي، وألقى فيهم الرئيس السنيورة خطاباً حول برنامجه للنهوض والإصلاح السياسي والاقتصادي. ثم توالى على الكلام كلُّ كبار الحاضرين وعلى رأسهم كوندوليزا رايس (التي بدا كأنما تحتضن الرئيس السنيورة برموش عينيها!) ووزيرا خارجية السعودية ومصر، في التزامٍ بحماية لبنان ودعم استقلاله ونهوضه، وكشف حقيقة منْ اغتال رفيق الحريري. وفي فندقٍ ليس ببعيدٍ عن مبنى الأمم المتحدة، كان النائب سعد الحريري، ابن رفيق الحريري، يستقبل أو يلتقي رؤساء الدول والوفود، ويتحدث معهم عن علاقاتهم بوالده الشهيد، وعن مستقبل لبنان بعد غياب الحريري. وعلى هامش ذلك كلّه تصرح أطرافٌ قريبةٌ من لجنة التحقيق الدولي في مقتل الرئيس الحريري، أنّ الحقيقة ستنكشف سريعاً جداً، وأنّ كباراً من لبنان وسوريا، سيكونون بين المتهمين، بالإضافة إلى قادة الأجهزة الأمنية الموقوفين.

لكنْ مرةً أُخرى: ما العلاقةُ بين نجاد ولحود؟ العلاقةُ الأخرى بينهما أنهما جزءٌ من مشهد المواجهة الشرق أوسطية الجديدة بعد العراق: الولايات المتحدة في مواجهة إيران. والملفّ النوويُّ ذروة جبل الجليد. فهناك أيضاً نقاطٌ أُخرى كثيرة قد لا تقلُّ أهميةً، وإن لم تظهر إلى الواجهة بنفس القدر: العراق والقُدُرات الإيرانيةُ فيه، و"حزب الله" في لبنان، والاختلاف على ثروات بحر قزوين، والوجودان الأميركي والإيراني في آسيا الوسطى والقوقاز. لقد كنت أرى أنَّ العامَ 2005 سيشهدُ صفقةً بين إيران والولايات المتحدة، وأنّ الاختلاف كان وما يزال على الشمولية أو التجزئة: إيران تريد صفقةً شاملة في مقابل التخلّي عن النووي، والولايات المتحدة تريد توافقات جزئية، الملفّ بعد الآخر. لكنّ الذي يبدو الآن أنّ الطرفين يتجهان نحو المواجهة: الإيرانيون اعتقدوا أنّ الولايات المتحدة لن تُغامر بالدخول في نزاعٍ كبيرٍ بعد الخيبات المتوالية ولذلك تابعوا المسألة النووية، وتدخلوا في العراق، وزادوا من تسليح "حزب الله"، واحتضان النظام السوري؛ كلُّ ذلك لتكثير الأوراق في أيديهم عندما يحين أوانُ التفاوض أو المواجهة. والأميركيون يريدون الآن الخروج من المأزق العراقي بانتصارٍ من نوعٍ ما- وهم الآن في موقفٍ أفضل: الأوروبيون معهم ضد النووي الإيراني، وضدّ سلاح "حزب الله" في لبنان، والعالمُ معهم في إدانة التدخل السوري في العراق وفلسطين ولبنان، واغتيال رفيق الحريري.

تُعدُّ الولاياتُ المتحدةُ إذن لجبهة عريضةٍ ضد إيران وسوريا، وهي تتوخى الصبر والحكمة، كما حدث في عهد بوش الأب في حرب الخليج الثانية، وليس كما حدث في إسقاط نظام صدام حسين. وما يزال لإيران أنصار أو مترددون أهمُّهم الصين وروسيا. لكن ملفّ الشرق الأوسط بيد الولايات المتحدة، ومصالحهما معها أكبر بكثير من مصالحهما مع إيران. وسينتهي الأمر إمّا بضرباتٍ جويةٍ لإيران أو تتراجع في النووي، وفي الملفات الأخرى (العراق وسلاح حزب الله). إنما المشكلةُ اختفاءُ الوسطاء. فالفرنسيون مشغولون بخلافة شيراك، وتراجُع قيادتهم في السوق الأوروبية. والألمان لا يستطيعون حتى تشكيل حكومة، والتوجهات الشعبية في البلدين لصالح الولايات المتحدة. والأميركيون لا يعتبرون الصين وروسيا وسيطين نزيهين. أما النظام السوري فالذي يبدو أنّ الأميركيين يحاولون خداعه لفصله مبدئياً عن إيران بالطلب منه التعاون في مسألة العراق، وفي التحقيق الدولي بمقتل الحريري، وبعدم التدخل بلبنان. لكنه إن نفّذ المطالب الأميركية تهاوى وسقط، وإن رفضها تهاوى وسقط. ولذلك فالذي أراه أنّ شهوراً مضطربة قادمة تنتظرنا في سوريا ولبنان.