حسب اتهامات واشنطن: سوريا دولة خارقة القدرات

بلال الحسن

الشرق الاوسط

من يتابع الإعلام الأميركي، ومعه الإعلام العراقي الرسمي، يكاد يخرج بانطباع واحد، وهو أن المقاومة الوطنية العراقية، والتي بدأت تخترقها تيارات تنحدر نحو الحرب الأهلية ـ الطائفية (جرائم الزرقاوي وكل من يعمل باسمه)، هي كلها من صنع سوريا. سوريا حسب هؤلاء هي التي تحرك الحرب، وهي التي تعد لها الخطط، وهي التي تزودها بالمال والسلاح، وهي التي تسرب لها العناصر المقاتلة عبر حدودها. أما العراق والعراقيون فهم في ائتلاف وانسجام، يسيطر عليهم الود والتعاون والتفاهم، فكلهم متحدون ومتفقون على قبول الاحتلال، ورفض الإرهاب، وتأييد الدستور، وتعظيم الطائفية، والتمهيد لتجزئة العراق، ونزع الهوية العربية عنه.

سوريا هي الشر الأكبر إذاً حسب الاعلام الأميركي القابع في البيت الأبيض، فإذا جاء المحقق الألماني ميليس إلى دمشق، أصبح «المحافظون الجدد» المحيطين بالرئيس من كل صوب، قضاة ومحققين يقفزون فورا نحو اتهام سوريا باغتيال الحريري. وإذا انعقد اجتماع في نيويورك لدعم اقتصاد لبنان، فإن دعم اقتصاد لبنان يتحول على لسان كوندوليزا رايس إلى هجوم على سوريا، فسوريا مطلوب منها ولا يزال، أن تتوقف عن التدخل في لبنان أمنيا وسياسيا، وحين تعقد اللجنة الرباعية المتابعة للصراع العربي ــ الإسرائيلي اجتماعا لها في الأمم المتحدة، توضع سوريا في المقدمة ويكون مطلوبا منها أن تكف عن دعم «الإرهاب» الفلسطيني الذي تحركه دمشق.

ولكن من أين يأتي هذا الهوس الأميركي بسوريا؟

البعض يقول إنه يأتي من الفشل الأميركي في العراق، الفشل العسكري والأمني والسياسي، وكلما تعاظم هذا الفشل ازدادت اللعنات الأميركية ضد سوريا، وكأن سوريا هي الدولة الأعظم التي تحرك الخيوط في كل مكان، أما الولايات المتحدة وجيوشها الجرارة، فهي ليست سوى طرف يبحث عن نشر الحرية والديمقراطية.

والبعض الآخر يقول، إن الأمر ليس هوسا أميركيا، إنما هو سياسة مدروسة ومعلنة، عنوانها الأساسي هو نشر «الفوضى البناءة». أي تخريب كل شيء من أجل إعادة بنائه من جديد حسب التصور الأميركي له. وفي «الشرق الأوسط الكبير»، العربي والإسلامي، لا بأس من تخريب كل ما هو قائم، من أجل بنائه ديمقراطيا حسب النموذج الأميركي الرائع، وحسب التطبيق العملي القائم له في العراق. وبما أن التجربة الأميركية في العراق قد نجحت نجاحا باهرا، فإن الحماس شديد من أجل توسيع إطار تطبيقها ليشمل سوريا، ولا بأس بعد ذلك أن يمتد هذا التأثير نحو لبنان، أو نحو السعودية، أو نحو فلسطين، أو نحو ايران.

وسواء كان التفسير لهذا الهوس الأميركي بالهجوم على سوريا، نابعا من الفشل في العراق، أو من نظرية «الفوضى البناءة»، فإن قمة الأمم المتحدة شهدت تطبيقين عمليين له، تطبيقا إسرائيليا تجاه الفلسطينيين، وتطبيقا أميركيا تجاه ايران.

لقد وقف الرئيس الأميركي جورج بوش، بكل جلال قدره، ليعلن رسميا أنه يعتبر أرييل شارون رجل سلام من الطراز الأول، وليعلن أيضا أنه معجب به. وقد حدث ذلك بينما كان شارون يعلن رفض الاعتراف بقرار محكمة العدل الدولية الذي اعتبر الجدار العازل الذي أنشأه فوق الأرض الفلسطينية جدارا باطلا، وغير شرعي، وتجب إزالته. وحدث ذلك أيضا بينما كان شارون يعلن أنه سيضم إلى إسرائيل كل المستوطنات الكبرى التي تم إنشاؤها، وبخاصة حول مدينة القدس. وبالرغم من كل هذا استحق شارون بركات بوش وإعجابه الشديد به.

في المقابل...... كان الرئيس الايراني محمد أحمدي نجاد يقف ليعلن التزام بلاده بالقانون الدولي الذي يجيز للدول انتاج الطاقة النووية للأغراض السلمية، ويقف ليعلن التزام بلاده بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وبالسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش منشآت ايران النووية. ولكن هذا الموقف الملتزم بالقانون الدولي وبشرعية قرارات الأمم المتحدة، لم يحظ بإعجاب الرئيس الأميركي، فوجه لعناته نحو ايران، وصب عليها ضغوطه وغضبه، وهددها بإحالة ملفها إلى مجلس الأمن، لفرض عقوبات اقتصادية عليها.

بماذا نفسر هذا الموقف الأميركي الداعم لإسرائيل وهي تنتهك القانون الدولي علنا، والغاضب على ايران وهي تلتزم بالقانون الدولي علنا؟ لا تفسير لذلك إلا من خلال نظرية «الفوضى البناءة»، حيث يجب تدمير كل شيء من أجا إعادة بنائه من جديد، فما يخربه «الحلفاء» مفيد من أجل «الفوضى البناءة»، وما يبنيه «الخصوم» مضر لأنه يعرقل تطبيق «الفوضى البناءة».

إن شارون يلتقط هذه النظرية الأميركية، ويمارس تطبيقها إزاء الفلسطينيين. ولنلاحظ في هذا السياق ما يلي:

* إنه يطالب الفلسطينيين بضرب «الإرهاب»، ولكنه يرفض أن يسمح لهم باستلام الذخائر والأجهزة التي استوردوها لإعادة بناء أجهزة الشرطة والأمن.

* إنه يتباهى بالانسحاب من قطاع غزة، ثم يهدد الفلسطينيين بالحصار الاقتصادي إذا هم واصلوا إصرارهم على السيطرة الكاملة على معبر رفح، وكذلك الحال بالنسبة إلى الميناء والمطار.

* وها هو أخيرا يهدد الفلسطينيين، إما بالانصياع لمطالبه كاملة، أو بالعودة إلى ما كان الحال عليه عام 1967، أي إعادة الضفة الغربية (بعد الاستيلاء على الأراضي المطلوبة) إلى الأردن، وإعادة قطاع غزة إلى مصر.

* وحين يتوجه الفلسطينيون نحو الانتخابات البلدية والتشريعية، يهددهم شارون بأنه لن يسمح لحركة حماس بالمشاركة في الانتخابات، ويقول صراحة «إن إسرائيل يمكنها عرقلة سير الانتخابات في الضفة الغربية في حال مشاركة حماس فيها، من خلال الحواجز العسكرية وتقييد حركة الفلسطينيين».

وهذا الذي تفعله إسرائيل هو النسخة الفلسطينية عن نظرية «الفوضى البناءة»، يتولى شارون توسيع نطاقها ووضعها في خدمة السياسة الأميركية، وهي تلقى من السياسة الأميركية دعما يرقى إلى درجة الإعجاب.

أمام هذه السياسة الأميركية المنفلتة، والتي تضرب يمينا وشمالا، نلاحظ خفوت الصوت العربي في مواجهتها إلى درجة مخجلة، بل ونلاحظ على النقيض اندفاعا عربيا وإسلاميا لإرضائها عبر الاتصال بإسرائيل والتمسح بها. وكان لافتا للنظر أن موقف التصدي الوحيد جاء على لسان سعود الفيصل وزير خارجية السعودية، في الكلمة التي ألقاها أمام «مجلس العلاقات الخارجية الأميركية»، وانتقد فيها السياسة الأميركية في العراق قائلا «إن سياسة الولايات المتحدة في العراق تعمق الانقسامات الطائفية». وقال إن سياسة أميركا في العراق جعلت «طوائف الشعب العراقي معزولة كل منها عن الأخرى.... إنكم تتحدثون عن السنة كما لو كانوا كيانا منفصلا عن الشيعة»، وقال «إذا سمحتم بحرب أهلية فإن العراق سوف ينتهي إلى الأبد».

أما الديمقراطية الأميركية فقد تعاملت مع هذا الموقف السعودي بانتهاك واضح للديمقراطية، فلم نشاهد في قنوات التلفزيون الرئيسية أية تغطية لهذا اللقاء، ولم تشر تلك القنوات إلى موقف سعود الفيصل لا من قريب ولا من بعيد. ولعل هذا أيضا جزء من سياسة «الفوضى البناءة».