الاخوان المسلمون لا يمثلون أهل السنة والاحزاب الطائفية لا يمكن ان تستمر: عن المسألة الطائفية في سورية

محمد الحسناوي – القدس العربي

 


في العدد الأول من مجلة (مقاربات) الصادر قبل أربع سنوات كتبت مقالة بعنوان (المسألة الطائفية من منظور وطني)، تهدف إلي حل الإشكال الطائفي السوري بمنهج ديمقراطي وطني، بصرف النظر عن إثارة الحساسيات، أو تسمية الظالم والمظلوم، أو الطائفي وغير الطائفي. أما اليوم فأراني مضطراً للدفاع الموضوعي عن المظلوم، وبالدقة إلي تسمية الأشياء بأسمائها من غير تعسف ولا إثارة، وصولاً أيضاً ـ بعد الإنصاف ـ إلي حل الإشكال، لأنه الهدف والمآل.
السبب المباشر لتدبيج هذه المقالة سيل من الكتابات تتهم جماعة الإخوان المسلمين السورية بأنها (طائفية)، لأنها تتبني الإسلام (السنّي)، أو لأنها تمثل طائفة (السنة) في سورية! وتوقيت هذا السيل الاتهامي متزامن مع خروج القوات السورية من لبنان، ومع التحضيرات للمؤتمر القطري للحزب الحاكم وبعده إلي الآن، وقسم كبير منه يندرج في الحملة الإعلامية السلطوية الأمنية القمعية ضد المعارضة السورية بعامة، والتيار الإسلامي بخاصة. وهو متزامن أيضاً مع اتصال العُري بين الإخوان المسلمين ومعارضة الداخل، ممثلة بالتجمع الوطني الديمقراطي من جهة، وبالأطراف الكردية السورية من جهة ثانية. وكانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير الطائفي (قراءة كلمة المراقب العام للإخوان) في منتدي الأتاسي، فقامت قيامة السلطة ولم تقعد، حتي يشطب آخر مواطن إخواني، عملاً بقانون (الحضارة) (49) القاضي بإعدام كل منتسب أو صديق أو متعامل مع الإخوان المسلمين. زاد في ذلك أن أنصار المجتمع المدني والتجمع الوطني الديمقراطي قد أعلنوا في ذلك الحين عن أن التيار الإسلامي السوري وجماعة الإخوان المسلمين جزء من النسيج السوري الوطني الاجتماعي، وله الحق في الوجود والتعبير والإسهام في العمل الوطني، وتحقيق ما يقتضي ذلك من إلغاء القانون (49) وعودة المهجرين ووقف الملاحقات الأمنية وإصدار عفو عام، وعقد مؤتمر وطني تصالحي شامل، والسعي السلمي لإقامة دولة الحق والقانون.
كل هذه الملابسات سوف نضعها علي الرف، لقناعتنا بأن المنهج القائم علي (القمع) العاري وحده مصيره الإفلاس، وأن عجلة التاريخ دائرة مدارها، شاء من شاء أو أبي من أبي، والأحداث الأخيرة منذ مقتل رفيق الحريري وحدها تشهد علي ذلك، فضلا عن دلالات ما يجري في الأرض المحتلة فلسطين والعراق.
تعريف (الطائفة) في المعاجم العربية مثل (لسان العرب): القطعة من الشيء، والرجل الواحد إلي الألف، وقيل: الرجل الواحد فما فوقه. وبناء علي ذلك فإن أهل (السنة) في سورية ليسوا طائفة، لأنهم يشكلون الأغلبية باعتراف الجميع.
و (الطائفية) هي تمسك الجماعة أو الطائفة بمصالحها ومنظومة قيمها المشتركة، وبتعصبها في الحق والباطل. وهنا يتقاطع مصطلح الطائفية مع مصطلح (الأقلية)، وإلي حدّ ما مع (الفئوية ـ القبلية ـ العشائرية ـ الحزبية). فإذا كانت العصبية الطائفية قذرة وتافهة ـ وهي كذلك ـ فلماذا لا تكون العصبية الحزبية أيضاً قذرة وتافهة؟ إن الأحزاب تحاول أن تكون، أو أن تحل محل الأديان والمذاهب، لأن كلاً من الدين والعقيدة السياسية ـ مهما تكن ـ فلسفة، وجهة نظر إلي الإنسان والكون والحياة: من ماركسية أو ليبرالية أو وجودية أو اشتراكية أو رأسمالية. وهذه الأحزاب السياسية تتعامل مع الأحزاب الأخري التعامل نفسه، ولا سيما إذا جعلت نفسها (قائدة للدولة والمجتمع). أليس هذا التعامل الإقصائي طائفياً أيضاً؟ لأنه لا يقبل التعايش. فالمقيت والتافه في (الطائفية) هو التعصب، وهو نفسه المقيت والتافه في الأحزاب وفي كل الجماعات البشرية. وأخيراً أليست المذاهب الإسلامية في أصلها وبدايتها أحزاباً سياسية: من أموية وزبيرية وخارجية وشيعية وعباسية وفاطمية؟ وكان الخلاف الأول ومازال علي (الإمامة) الأولي.
الإخوان المسلمون السوريون لا يمثلون أهل السنة والجماعة بالمعني الطائفي أو السياسي المتداول للأسباب التالية:
هناك فرق موضوعي بين الإسلام وبين المسلمين، كالفرق بين الطائفة وبين السلوك الطائفي، بمعني أن هناك فرقاً بين الإسلام في أصوله (القرآن الكريم والحديث الشريف) أو إسلام العهد النبوي الراشدي الذي يتبناه الإخوان المسلمون...وبين الإسلام التاريخي، أي (الإسلام) الذي نسب إلي الإسلام بعد الصدر الأول من أموي وعباسي وفاطمي وعثماني، أي إسلام الأحزاب الإسلامية. ومن شعارات (الإخوان) المشهورة لتوحيد الصف الإسلامي والعودة إلي الأصول الجامعة، والارتفاع علي الإسلام التاريخي والحزازات والخلافات الحزبية، وحتي الفقهية، ما أطلقه المؤسس الشيخ حسن البنا، وأصبح أحد ثوابت الجماعة: (نلتقي فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه). ومن ثمار هذا الشعار تأسيس (مجمع التقريب بين السنة والشيعة) من جهة، ومن جهة ثانية.. تلاقي الإخوان المسلمين العرب ـ في الخمسينيات من القرن الماضي ـ مع آية الله كاشاني (من مراجع الشيعة الإيرانية) وحزب (مجاهدي خلق ـ الإيراني) في شخص الشهيد نواب صفوي... من وجوه تلاقيهم مواجهة سياسات الشاه الأمريكية أيام المرحوم (مصدق) ضد النفوذ الغربي (الأنكلو أمريكي)، وضد نهب ثروات الأمة كالنفط، ثم في قضية احتلال فلسطين وقرار تقسيمها آنذاك. وهذا كله مشهور معلوم. وأخيراً تعاون شيعة لبنان مع (الجماعة الإسلامية) اللبنانية في تحرير الجنوب اللبناني ودعم المقاومة.
ومن الواضح أن اسم الجماعة هو (الإخوان المسلمون) وليس (الإخوان السنيين)!!
السبب الثاني لعدم تمثيل (الجماعة) للإسلام (السنّي) أمران: أحدهما فقهي سياسي لقولهم: (نحن جماعة من المسلمين) خلافاً للحركات المسماة بحركات العنف الإسلامي القائلة بـ(جماعة المسلمين)، فينشأ عن ذلك (تكفير) من لا يلحق بهم أولا يقول بقولهم.(انظر كتاب: دعاة لا قضاة ـ حسن الهضيبي). الملحظ الثاني: واقعي ميداني، حيث توجد أكثر من جماعة أو تنظيم في أهل السنة: مثل حزب التحرير وجماعة التبليغ والصوفية والسلفية وجماعات العلماء المستقلين...
السبب الثالث أن (الجماعة) ليست محدودة بالقطر السوري، بل لها منظمات شقيقة في بقية الأقطار العربية، كما أن لها ما يوازيها من حركات أو تنظيمات إسلامية دعوية جماهيرية في بقية أرجاء العالم الإسلامي، وحتي وجود في الجاليات الإسلامية في الغرب وفي الشرق...يتأسس علي ذلك، التذكير بأن الإسلام الذي يتبناه الإخوان المسلمون ليس الإسلام التاريخي، ولا الإسلام القطري، ولا الفئوي، بل هو (رسالة) تطرح تصوراتها (الفلسفية) علي مستوي الكون مقابل (الماركسية) و(الليبرالية) وأمثالهما، وحين ينظر إلي إسلام الإخوان المسلمين علي أنه إسلام (طائفة) أو طائفي، فإن في ذلك مغالطة كبيرة تخالف العقل والمنطق والواقع.
في السبعينيات من القرن الماضي، وقبل أن ينتقل المفكر العربي الفلسطيني (منير شفيق) من ضفة إلي ضفة الإسلام.. كان يدبج مقالات في مجلة (الدستور) الأسبوعية ذات مانشتات علي الشكل التالي: (علي المسيحيين العرب أن يقرأوا الإسلام كما يقرأون الماركسية والليبرالية) أي بغير نظرة مسبقة أو ردود فعل تاريخية. والرجل مازال علي هذا الخط وعلي قيد الحياة، ونرجوه باسم الحقيقة والتاريخ أن يسجل ذكرياته وشهاداته علي العصر والفكر، بالإضافة إلي مؤلفاته المنشورة الذائعة الصيت. أما مواقف الأستاذين فارس الخوري (رئيس وزراء سورية الأسبق) وميشيل كيلو (الكاتب المعروف)... من الإخوان السوريين فإضافة أخري للموضوعية والديمقراطية.
أما القول بأن السماح لحزب ديني كالإخوان المسلمين يستتبع السماح بتأليف أحزاب للمسيحيين والشيعة والعلويين والدروز والإسماعيلية، ونحن بدورنا نقول: ما المانع من ذلك في ظل الدستور والقوانين المرعية والشفافية الديمقراطية، مع العلم أن هذا الافتراض لم يتحقق من قبل، يوم كان الإخوان المسلمون تنظيماً علنياً أو غير علني في تاريخ سورية طوال ستين عاماً، وقد أجملنا الموقف منه بطرفة سياسية من تاريخ سورية الحديث، حين أصدر الدكتور بشير العظمة رئيس وزراء سورية الأسبق (المعروف بأنه يساري أحمر) قانوناً للأحزاب السورية في عهد الانفصال، يمنع فيه تشكيل أحزاب دينية، فعارضه المراقب العام للإخوان المسلمين آنذاك عصام العطار، من علي منبر المسجد في جامعة دمشق بخطبة عنيفة جداً، حملت الدكتور العظمة علي دعوته إليه، ليقول له، كما نقلت مجلة (المضحك المبكي): يا أستاذ عصام، نحن لا نقصد جماعتكم، ولكن نقصد المسيحيين والعلويين والدروز، فرد عليه الأستاذ عصام: نحن نفضل أن نمد يدنا مئة مرة إلي حزب ذي دين، من أن نمدها مرة واحدة إلي حزب...
من مزايا الديمقراطية الشفافية وحرية الرأي والاختيار، فلو صدر قانون بحظر تشكيل حزب ديني أو ماركسي أو ليبرالي أو علماني لا ديني ـ فإن الالتفاف عليه ليس بمستحيل، مثل أن تشكل حزباً (علي هوي الدستور) ظاهرياً، وتعمل في الخفاء علي هواك الديني أو الفكري وحتي الطائفي أيضاً وتجربة الحزب الحاكم معلومة، ولكن ما كل بضاعة معروضة في السوق تروج.
في الديمقراطية الحقيقية لا يستطيع حزب طائفي أيا كان أن يعيش، لانحصاره بشريحة محدودة، أو لمخالفته سنن الحياة والعلم والاجتماع البشري المنفتح السليم. ولأن تسقط الدعاوي الطائفية ديمقراطياً خير من أن تحاول ذلك القوانين التعسفية السلطوية الإقصائية.
في تشريح الإشكال الطائفي مفارقات معبرة جداً، لكن يتم تجاوزها أو السكوت عليها، منها أن المسلمين يعترفون بالأديان السماوية وبأنبيائها ورموزها الشريفة، كالمسيح وأمه الصديقة مريم عليهما السلام، وكأنبياء بني إسرائيل موسي وهارون وسليمان وداوود، لايفرقون بين أحد من الرسل. أما موقف الآخرين فليس كذلك، والتعايش حاصل مع ذلك.
ومفارقة أخري أن (الإسلام السنّي) يجل الصحابي العظيم علي بن أبي طالب وعترته الشريفة، كإجلال الصحابة الآخرين، بل هو عندهم رابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وقد رفض الإمام الشافعي والأئمة الآخرون الانتقاص من شرفهم أو التحيز ضدهم. أما الآخرون فليس موقفهم من الصحابة كذلك.
علي أن المفارقة الأكبر هي الموقف من الإمامة العظمي ألا وهي (الخلافة) أو رئاسة الدولة، فالإسلام (السني) يؤمن بالتداول أو بالانتخاب والبيعة، أي (العقد الحر) المدني بين الحاكم والمحكوم، وهو ما يعبر عنه بالشوري أو الجمهورية. وهكذا كانت بيعة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم، لا يورثها أحدهم لابنه من بعده، جاء في الحديث الشريف: (اسمعوا وأطيعوا ولو ولّيَ عليكم عبد حبشيُّ رأسه زبيبة). وقد نهي الرسول عن تحول (الخلافة) إلي (ملك)، بقوله في حديث صحيح: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون بعدي ملكاً عضوضاً). المقصود بالملك العضوض شيئان في الأقل: توريث السلطة والاستبداد فيها.أما الآخرون فيجعلون (الإمامة) وراثية، ومحصورة في أبناء علي بن أبي طالب وحده، رضي الله عنهم، وأصبحت الإمامة عند الآخرين جزءاً لا يتجزأ من عقيدة الإيمان والكفر.
توخياً للتجرد والموضوعية، وتجنباً للإثارة والحساسية، في معالجة الإشكال الطائفي، اقترحنا في مقالنا السابق.. تحويل ما يمكن تحويله من جوانب الإشكال الطائفي إلي جهات ومؤسسات متخصصة، فالجانب التاريخي (كالجذور والمراحل والصدامات) تحول إلي المؤرخين، والجانب (الفكري ـ الفلسفي ـ الكلامي) أي العقيدة وتجلياتها وإسقاطاتها أو قربها أو بعدها، أو تناقضها مع العقائد الأخري، ومدي تعاطيها مع العقل والمنطق، يحول هو الآخر إلي المجامع الفكرية أو الدينية، أو الكليات الجامعية، ومجامع التقريب. وأما الجانب الاجتماعي، أي ما يخص البنية الاجتماعية لكل شريحة، وعلاقتها بالشرائح الأخري، وأبعادها الطبقية وبهجراتها وبداوتها وتحضرها، فيحوّل إلي علماء الاجتماع. ولا يبقي للمهتمين بالشأن العام إلا البحث في (معيار توافقي وطني ديمقراطي، معيار المواطنة)، الذي يحقق مصالح المجموعات بقدر ما يحقق مصالح الفرد والأمة، ويصر علي الخروج من التاريخ، للعودة إلي الأصول، فضلاً عن عقد مؤتمر وطني شامل، وطيّ صفحة الماضي، ورد المظالم، وإعادة ترتيب التوازنات، وإحالة ما يمكن إحالته إلي القضاء العادل.
كاتب من سورية