سوريا ولبنان: تهديدات... قلق... وأسئلة مفتوحة الموقف السوري بين القلق والجمود

حسين العودات - السفير

 

 

يعيش النظام السوري قلقاً واسع الطيف جراء تحقيقات اللجنة الدولية المكلّفة بالتحقيق في مقتل الرئيس الحريري التي بدأت تحقيقاتها في سوريا. كما يعيش الشعب السوري قلقاً مماثلاً من المرحلة اللاحقة للتحقيقات سواء أكانت نتائجها اتهاماً للمسؤولين الذين ستحقق معهم أم كانت عزوفاً عن الاشتباه بهم. فلكل نتيجة ردّ فعل لاحق في سوريا وتأثير لا شك فيه على تطورها السياسي والاقتصادي في المرحلة المقبلة، خاصة وأن التحقيقات تتزامن مع تهديدات أميركية صريحة تفتح الباب على (مختلف الاحتمالات) من بينها احتمال العقوبات الاقتصادية أو العدوان العسكري، ومع نشاط مكثف للدبلوماسية الأميركية لمحاصرة سوريا وزيادة عزلتها الإقليمية والدولية. وهكذا فالقلق عام وشامل سواء بين أهل النظام أم بين أبناء الشعب السوري، والكل ينتظر ما هو آتٍ.
الملاحظ أن هذا القلق (الذي تصل وتيرته أحياناً إلى حد الخوف) لم يوحِ للنظام السياسي بتنشيط وتيرة (التطوير والتحديث) التي ينادي بها في كل مناسبة، ولم يقنعه ببدء إجراءات الإصلاح (حتى على مستوى تلك التي أقرها المؤتمر القطري العاشر) ولم يشهد السوريون أي تحوّل أو تطور أو حراك بهذا الاتجاه بعد المؤتمر، فلم يصدر قانون الأحزاب ولم يعدّل قانون المطبوعات كما لم يتم أي تضييق على إجراءات قانون الأحكام العرفية ولم يطلق سبيل سجناء سياسيين لم يحاكموا بعد أو سجناء سياسيين مودَعين في السجون منذ سنوات طويلة قد تصل إلى العقدين، ولم يشهد الناس قرارات أو إجراءات اقتصادية أو اجتماعية تنبئ ببدء (التطوير والتحديث)، ورغم أن هذه كلها أوصى بها المؤتمر القطري العاشر فإن السلطة السياسية لم تجد حاجة لبدء تنفيذها، فكيف بالمطالب الأخرى الأكثر جدية وشمولاً التي تنادي بتنفيذها القوى السياسية والاجتماعية خارج السلطة؟ إنه لأمر يدعو للتأمل وربما للاستغراب في حال نظام سياسي يواجه تهماً وضغوطاً وحصاراً وتهديداً ومع ذلك يقف حائراً ساكناً متفرّجاً ولا يستقوي على هذا كله بإجراءات إصلاحية داخلية كفيلة بإعطائه وزناً داخلياً وقوة داخلية لا شك فيها ولا بد أن جميع القوى الخارجية ستحسب حسابها إن تحققت.
والملاحظ أيضاً أن النظام السياسي السوري الذي يواجه ما يواجه ويتعرّض لمخاطر لا شك فيها لم يخطر بباله أن ينفذ سياسة جديدة تجاه شعبه ومجتمعه، تجاه التقارب مع التيارات السياسية والاجتماعية من خارج السلطة، بهدف الحوار معها وفهم آرائها وتعديل مواقفها ومواقفه والوصول إلى توافقات مشتركة جديرة بتقوية النظام ودعمه بعد استقوائه بشعبه تمهيداً لوحدة وطنية حقيقية.
وقد لجأت معظم الأنظمة السياسية في التاريخ الحديث والمعاصر إلى إقامة الوحدة الوطنية لمواجهة التهديد أو الكوارث أو الحروب، ولنا مثال بالاتحاد السوفياتي خلال الحرب الثانية وبإسرائيل قبيل عدوان حزيران، وبالمصالحات الوطنية التي تمّت خلال السنتين الأخيرتين في الفلبين وسيريلانكا وأندونيسيا وغيرها بُعيد كارثة تسونامي حيث تواصلت هذه الأنظمة جميعها مع القوى الثائرة المتمردة وصالحتها، فهل سوريا من طينة أخرى أم أن نظامها من بنية مختلفة حتى لا يلجأ إلى ما لجأت إليه بلدان العالم بمواجهة الملمات؟
من جهته، يراقب الشعب السوري ما يجري في الداخل وعلى الحدود وفي الخارج، يسمع الأخبار والتحليلات ويرى الصور والنشاطات، ويناقش هذه وتلك بنصف علنية (حتى الحوار حول المخاطر ممنوع عليه) يتعاطف مع نظامه أحياناً ويستنكر سياساته التي أوصلته إلى هذه الحال أحايين أخرى، وفي الحالات كلها لا يلوي على شيء ويقف متفرجاً ومن غير المطلوب منه سوى الانتظار والتنحّي جانباً وكأن الزمن برمّته لا يهمه، أو كأن ما يجري صراع بين قوى في قارة أخرى، مع ان الشعب السوري هو الوحيد الذي سيدفع الثمن المرّ لحصاد مرّ وسياسة أكثر مرارة.
من حق أي مراقب أو محلل سياسي أو ناشط في شؤون العمل العام أن يتساءل على ماذا يراهن النظام السياسي السوري، وهل هذه العطالة والجمود هي الخيار الأفضل، وهل العزوف عن استقواء الناس وعدم شدّ أزر الوحدة الوطنية سيوصل إلى نتيجة، خاصة أن النظام لم يكتف بهذا بل أخذ بدلاً من ذلك متابعة أي اجتماع لبضعة ناشطين في شؤون المجتمع المدني أو حقوق الإنسان ومنع أية محاضرة تلقى في أي مكان غير رسمي حتى لو كانت عن الأدب والشعر، وجميع هذه الاجتماعات أو اللقاءات علنية ومفتوحة وتتداول شؤوناً تهمّ الناس ولا تشكل خطراً على أحد. فإذا كان النظام يراهن على قدرات أجهزته الأمنية فهذه لم يعد يراهن عليها أحد في هذا العصر، خاصة أن بعض مسؤوليها يطالهم تحقيق ميليس، ظلماً أم عدلاً، مما أخذ يفقدها زخم قدرتها وهيلمانها وسيطرتها التي كانت، وإن كان يراهن على الزمن فإن المراهن عليه في عصرنا خاسر لا محالة، لأننا في عصر التحولات السريعة والمفاجآت المتسارعة، أم أنه يراهن على (قلب الطاولة) ولكن الطاولة تقلب عادة من ندّ على ندّ، أم يقارن بالتجربتين العراقية والليبية ومن المؤكد أن المقارنة هنا خادعة، ومن البديهي أن أي رهان على غير الشعب إنما هو قفزة في فراغ في عصر سيطرة القطب الواحد، وطغمة المحافظين الجدد وفي عالم شديد التحوّل والتغير.
من حق النظام السوري أن يقلق مما يدور حوله وما يوجّه إليه، ومن حق الشعب السوري أن يقلق على ما هو آت من احتمالات قد تجبره على دفع ثمن غالٍ، ولكن ينبغي لهذا القلق أن يتحول من قبل النظام إلى نشاط استثنائي وإجراءات فعالة تواجه الضغوط والتهديدات التي إن لم تستطع ردّ القضاء تساعد على اللطف به، وهو أضعف الإيمان.
لعله من غير الحكمة ولا من حسن التدبير أن ينتظر النظام السوري تحقيق ميليس وتراجع الضغوط الأميركية حتى يبدأ إجراءات التغيير المنتظرة والموعودة هذا إذا كان ينوي الإصلاح فعلاً. ويبدو أن الشك بدأ يراود السوريين حول جدية النظام ببدء هذه الإجراءات وأخذوا يعتقدون أن لا رغبة لديه لتغيير أي شيء تغييراً جدياً، وإلا ما الذي يمنعه من الإصلاح وكسب ثقة شعبه وسحب البساط من تحت أقدام الآخرين، سوى أن الوعود غير جدية وأن النظام يستسيغ الحال التي هو فيها؟
(
) كاتب سوري