إلي اين تذهب سورية:

من الدولة الأمنية إلي الدولة السياسية؟

ميشيل كيلو – القدس العربي

 


هناك سيناريو آخر يطرح نفسه بقوة علي سورية، موالاة ومعارضة، يقوم علي إنجاز إصلاح سياسي شامل هو، في الوقت نفسه، بديل السيناريو الأمني وجزء من مصالحة وطنية تنبثق عن حوار وطني كان المؤتمر العاشر لحزب البعث قد أفرد توصية خاصة به.
يقول هذا السيناريو، الذي تسانده قوي متنوعة داخل سورية الرسمية والشعبية ما يلي: تجتاز سورية مرحلة انتقال لا خيار لها فيها، تبعدها عن نظامها الراهن، الذي تقادم حتي لم يعد نظاما وظيفيا وتاليا شرعيا، وتأخذها نحو أحد بديلين:
ـ إجراء الانتقال في ظروف متوافق عليها بين السلطة والمعارضة، في ظل تطبيع الحياة السياسية.
ـ إجراؤه بقوي السلطة وحدها، دون توافق مع أحد، علي أن يحافظ علي جوهر الأمر القائم، وإن تبدلت أشكاله.
في الحالة الأولي، من الضروري أن يسبق الانتقال أو يواكبه اعتراف تدريجي بالقوي الأكثر حفاظا علي الوحدة الوطنية، والأكثر قدرة علي التوافق السلمي حول الانتقال ونتائجه، علي أن يتم الاعتراف بحقها في العمل العام، وفي إصدار الصحف والتمتع بحرية التنظيم والعمل، فذلك يسهل الانتقال ويجعله تدريجيا يطال السلطة والدولة والمجتمع، والدستور، وعلاقات الحزب الحاكم بغيره من القوي السياسية وبالمجتمع والدولة عموما.
هنا، ثمة ملفات كثيرة غائبة أو ناقصة يجب استكمالها، يتصل معظمها بالهياكل الرسمية للسلطة وبحريات المواطنين وبطبيعة الحقل السياسي والخيارات التنموية. وهناك ضرورات يجب أن يتفاعل الأمر الرسمي القائم معها بإيجابية، إذا أراد أن يبادر إلي الإصلاح والتغيير ويشارك في تأسيس إطار توافقي جامع تبلوره قوي الجبهة الوطنية التقدمية والمعارضة الديمقراطية، يصاغ في ضوئه برنامج سياسي عريض يحدد أولويات العمل الوطني، وسبل وأولويات معالجة الأزمات القائمة، والطرق والجداول الزمنية الضرورية لنقل البلد إلي أجواء من التعاون والتكامل تؤسس لوحدة وطنية من نمط طوعي، جديد، يحل محل علاقات الصراع والاستبعاد القائمة، ويحيد القوي المعارضة لهذا النمط من الانتقال، بغض النظر عن أسمائها وصفاتها، علي أن لا يعني تحييدها منعها من الاشتغال في العمل العام، أو من المشاركة بحرية في الحياة السياسية.
يتطلب هذا البديل انفتاحا عقليا وروحيا يجعل بالإمكان رؤية حاضر البلد بدلالة مستقبل الانتقال، ومعالجة القضايا المختلفة بطريقة تخدم التغيير وتسرع قيام الوضع البديل، الذي لا بد أن يكون معروفا ومتوافقا عليه في خطوطه العامة، ومن الضروري أن ينقل سورية من الدولة الأمنية إلي الدولة السياسية، دولة الحق والقانون، الذاهبة إلي الديمقراطية وتداول السلطة في طور تال. بما أن السلطة ستشارك من موقع متقدم في المرحلة الانتقالية، فإن أحدا لن يطلب إزاحتها أو تغييرها، مع أنها ستشهد عملية توسيع وتغيـير وتجديد في وظائفها تتقدم بتقدم الإصلاح. إلي هذا، لن يطرح أحد في هذا الطور مطالب علي السلطة تتخطي قدراتهـا، وسيدعمها الجميع وسيتعاونون معها، باعتبارها سلطة إصلاحية تنجز برنامجا هو مصلحة وطنية عليا للدولة والمجتمع، تحققه بالتعاون مع بقية قوي الطيف السياسي ضمن ظروف داخلية وخارجية مفعمة بالتحديات، فلا بد لإنجاحه من تضافر جهود وتوافق نظرات معظم أطراف العمل السياسي والمجتمعي.
بعد تحديد الملفات، يتوقف نجاح الانتقال علي قبول أطراف العمل العام بالتدرج سبيلا إلي تحقيق التغيير، وبالتعاون الوطني السلمي، القائم علي مشتركات وجوامع عامة ليس لأحد مصلحة في الخروج عليها، وعلي حرية أطياف التوافق الوطني العام باعتبارها مصلحة للسلطة، التي لن تري في نفسها سلطة حزب واحد، بل سلطة وطنية تجسد توافق قوي السياسة والمجتمع، حامل التغيير والانتقال السلمي الآمن، فلا ضير إن اعترفت بحريتها وعززتها ووسعتها بلا توقف، ما دام تعزيزها وتوسيعها قوة لها أيضا. لا داعي للقول إن الانتقال، الذي يتصوره هذا السيناريو، سيكون شاملا لا يقتصر علي قطاع دون غيره أو علي مسألة بعينها، وانه سيكون بالضرورة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا... الخ. يبقي، في النهاية، بعد مهم يسم هذا النمط من الانتقال، هو أن توافق قواه سيشمل أسسا خاصة بحماية الوطن من الأخطار الخارجية والداخلية، تترجمها وحدة وطنية من نمط جديد، يستمد شرعيته من قيم تتخطي اي انتماء ما قبل مجتمعي/ما قبل وطني، طائفيا كان ام اثنيا ام طبقيا ام جهويا ام عشائريا... الخ.
يقول البديل الثاني بإنجاز الانتقال بقوي السلطة وحدها، فهو إذن محدود وجزئي، هدفه إعادة إنتاج الأمر القائم في حاضنة محلية ودولية سريعة التبدل، وإنجاز أدني حد ممكن من التغيير في أبنية النظام وآليات اشتغاله. يبرر مؤيدو هذا النمط من الإصلاح موقفهم بعدم وجود قوي داخلية تستطيع إجبار السلطة علي إجراء تغيير وطني شامل، وعدم مطالبة الخارج بتغيير كهذا، ويرون أن مبادرة النظام إلي تغيير شامل ستكون ضربا من الحماقة، وأن من الضروري توجيه سياساته نحو إدامة أوضاعه وبناه القائمة، وتعزيز بيروقراطيته وأجهزته المدنية والعسكرية، التي سيقع علي كاهلها إنجاز الإصلاح بوصفه جملة عمليات متفرقة، جزئية ومحدودة، تنجزها سلطة هي موضوعها الرئيسي في إطار توازن القوي القائم بينها وبين المجتمع، تعمل، في الوقت نفسه، للحيلولة دون بناء كتلة مجتمعية داخلية تستطيع الضغط من أجل إصلاح عام وشامل، يطال الدولة والمجتمع والسلطة، علي أن تستمر في بذل جهود من شأنها إقناع الخارج بأن النظام القائم هو أفضل النظم الممكنة، وأن من مصلحته ضمان استمراره وربط الإصلاح به وبهياكله ومصالحه. هذا البديل لا يعني إغلاق الباب أمام خيارات السيناريو الأمني، التي تأخذ بسياسة القبضة الحديدية في الداخل، وتعزز مواقع النظام تجاه ضغوط ومطالب الخارج. في هذا البديل، تعتقد السلطة أن الإصلاح يجب أن يبقي محكوما بحاجات النظام في الداخل، وبما يمكّنه من تحقيق تكيف هيكلي عام مع الخارج، يتم بشروط المؤسسات الدولية ويرضي امريكا، التي سيتعاون النظام معها عندئذ وسيشاركها بفاعلية في الحرب ضد الإرهاب.
يقول البديل الثاني بعدم استعجال الإصلاح، ويستخدم سياسة الترقب والضبط في الداخل، والتعاون والتفاعل في الخارج، ما دامت السلطة المؤيدة له قوية إلي درجة تجعلها قادرة علي منع خيار الإصلاح الشامل، الذي يقول أنصار البديل الأول، الديمقراطي الوطني، علي اختلاف مشاربهم، وعلي ممارسة سياسة اليد القوية، التي يدعو إليها أنصار الحل السلطوي، علي اختلاف منازعهم وميولهم. هنا، في هذا النمط من الإصلاح، لا حاجة أيضا إلي تعجيل الانتقال وتحديد هدف واسع له، ما دامت طبيعته ستتعين عبر مساومة تاريخية ـ إذا جاز القول ـ مع الخارج بالدرجة الأولي. لا حاجة، أخيرا، إلي استكمال ملفات الانتقال وتغيير الحقل السياسي القائم بإدخال قوي جديدة إليه، لأن استكمال الملفات يعني تغيير آلية إنتاج النظام، وتوسيع الحقل السياسي يعني بناء توازنات جديدة فيه تبدل أسسه كلها.
تدعم قوي المعارضة الديمقراطية والإسلامية التوجه الأول، وتؤيد انطلاق الإصلاح الشامل من أي قطاع أو مجال جزئي من قطاعات ومجالات الحياة العامة، وتخشي انزلاق التوجه الثاني في اتجاه السيناريو الأول، الأمني والعنيف، الذي قد يجر البلاد إلي حرب أهلية. إلي هذا، تدعم قوي وازنة في حزب البعث وفي الدولة والمجتمع السوريين البديل الأول، لاقتناعها بعبث تضييع وقت البلد والشعب علي التوجه الثاني، الذي يعتقد بحتميته كخيار واقعي وحيد قطاع نافذ من الممسكين بالأمر القائم، يعتقد بدوره أن النظام تقادم ولم يعد ملائما للعصر وملبيا لحاجات البلاد الراهنة. بينما تدعم السيناريو الأول، الأمني، قوي الفساد السياسي والاقتصادي، التي تضع مصالحها الشخصية فوق مصالح البلد ، كما قال الدكتور بشار الأسد لتلفاز العربية ذات يوم بعيد.
إلي أين تذهب سورية، أي سيناريو وأية بدائل سيختار نظامها؟ أخشي أن قوة السلطة في الداخل وضعفها تجاه الخارج، وانقسام قيادتها، وخوفها من نتائج الإصلاح علي توازناتها ومصالحها، وتبدل دورها الإقليمي، بعد خروجها من لبنان خاصة، يجعلها نزّاعة إلي السيناريو الأول، سيناريو وقف الإصلاح وتبني سياسات تنحو أكثر فأكثر نحو العنف والحلول الأمنية والقبضة الحديدية، تتذرع بمحاربة الإرهاب الإسلامي لضبط الانفلات الديمقراطي وإعادة سورية إلي مربعات قال النظام نفسه مرارا وتكرارا إنه غادرها إلي غير رجعة، عودته إليها مشكلة يتمني محبو وطنهم أن لا يأخذه إليها أحد.