الصحافة والصحافيون ولعبة الفساد

فايز سارة : الوسط

15/9/2005
في
وقت متقارب جرى الكشف عن حالات فساد في الصحافتين المصرية والسورية، التي وان انتمت كل واحدة منهما إلى بلد مختلف، فان هناك قواسم مشتركة بين الاثنتين، ربما تبرر حضور تماثل الفساد وتقاربه في الحالتين، بل ان الأمر يتعدى ذلك إلى تشابه الفاسدين من العاملين في هذا القطاع، لأن الظروف والمناخات، تكاد تكون واحدة، وهذا ما يقودنا إلى قول، ان الفساد في الصحافة التي تملكها وتديرها الدولة مرتبط بالفساد العام السائد في البلدين ممتدا إلى العاملين في إدارة المؤسسات الإعلامية، وتجاوزا إلى القائمين على رأس الهرم الإعلامي من الوزراء الغارقين في فساد متعدد الوجوه، قد يكون الفساد المالي احدها، لكن الفساد السياسي والإداري ربما يكون الأهم في فساد يصيب وزراء الإعلام كما في حالات مثل مصر وسورية.
والحال الأخيرة من الفساد الإعلامي التي شهدتها مصر، كان بطلها الرئيس السابق لمجموعة "الأهرام" الصحافية إبراهيم نافع، ورئيس تحرير "الأهرام"، وشغل هذا المنصب أكثر من عشرين عاما، واتهم بفساد مالي متعدد الأوجه في خلال ممارسته وظيفته، كان من نتائجه تبديد المال العام، والاستفادة الشخصية من منصبه بقنص ما يمكن الاستيلاء عليه، والموازي السوري لهذه الحال من الفساد الإعلامي، كان اتهاما بفساد مالي طال فايز الصايغ المدير العام لمؤسسة الوحدة الإعلامية ورئيس تحرير "الثورة" اليومية، وظهرت الاتهامات ضده عشية المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم قبل شهرين.
وبغض النظر عن النتائج التي ستؤول اليها قضية إبراهيم نافع، التي قد تطوى أو يتم تجاهلها، كما جرى بالنسبة إلى قضية فساد فايز الصايغ، أو السعي لايجاد تخريجة لها في ظل وصول القضية إلى القضاء المصري، فإن هاتين الحالتين ليستا سوى مثال على الفساد الذي يلف الصحافة والصحافيين في البلدين، وثمة أمثلة اخرى، بينها واقع الحال في المؤسسات الصحافية والإعلامية، التي يسيطر عليها ويتربع على سدتها مجموعة من ازلام النظام السياسي، واستمروا في سيطرتهم تلك عقودا متواصلة، ولعل واقع اتحاد الصحافيين السوريين مثال واضح. إذ تحتل مجموعة من الصحافيين المغمورين وذوي الإمكانات المهنية المحدودة موقع القيادة منذ تأسيس الاتحاد قبل أكثر من ثلاثين عاما، وتستأثر بكل الإمكانات والموارد، من دون ان تتيح أمام أعضاء الاتحاد أية فرص لتطور مهني أو نقابي له أهمية، وهي تربط الاتحاد كمنظمة نقابية بسياسات السلطة طبقا لما تتضمنه شروط العضوية في الاتحاد العتيد، بحيث صار الاتحاد هيئة تتبع النظام بدل ان يكون منظمة نقابية معبرة عن هموم وطموحات ومطالب الصحافيين واحتياجاتهم.
وثمة مثال مصري على الفساد في المؤسسات الإعلامية مماثل لحال الفساد في التنظيم النقابي الصحافي في سورية، والمثال في أحكام مجموعة من الإعلاميين الموالين للسلطات على المواقع القيادية في الإعلام القومي في رئاسة مجالس الإدارة الأربع، واحتفظ هؤلاء بمواقعهم طوال نحو ربع قرن من الزمان في بلد يعد فيه الصحافيون بعشرات الآف، وفيه صحافة مميزة تمتد لأكثر من قرن مضى.
وثمة جانب مشترك في فساد الصحافة والإعلام في البلدين، ويعلق بالفساد من الناحية السياسية، ويكون أقرب أمثلته في تجيير الإعلام - وخصوصا الصحافة - وتوظيفه في دعم سياسات النظام، واحتياجات رموزه الكبار، الأمر الذي يخرج الإعلام من طبيعته في خدمة المجتمع الذي يدفع كلفته ويتحمل أعباءه، ليجعله في خدمة السلطات وأركانها وهي جزء من المجتمع ليس الا، وربما يكون ما يقوم به الإعلام المصري والسوري في هذه الأيام مثالا فجا على حال فساده السياسي. إذ يسعى الإعلام السوري إلى تبرير كل سياسات الحكومة والدفاع عنها سواء في المجالات الخارجية أو الداخلية، فيما حشد الإعلام المصري إمكانات في الحملة لإعادة انتخاب الرئيس مبارك لفترة رئاسية خامسة من دون النظر بجدية لوجود منافسين آخرين للرئيس في الانتخابات وتقديم خدمة دعائية لهم باعتبارهم مواطنين، وباعتباره إعلاما للمجتمع.
ان الفساد إذ ينخر الصحافة والصحافيين وامتدادا إلى الإعلام والإعلاميين، انما يخرب الدور المفترض القيام به في تعميم المعلومات والمعارف داخل المجتمع وفي صفوف مواطنيه، وتلبية احتياجاتهم، وتعزيز قدراتهم، ويذهب إلى تضليل الرأي العام وإخضاعه لمصالح حلف الحاكمين بمن فيهم الفاسدون في حلقات متتابعة ومترابطة، ويخضع للسلطة التي ترعى الفساد، وهو فوق ما سبق يؤكد ان الصحافة بصفتها السلطة الرابعة بدل ان تكون عين المجتمع وصوته وسلطته على السلطات الأخرى من تنفيذية وتشريعية وقضائية، انما تتماثل مع السلطات الثلاث التي ينخرها الفساد، وتصير تعبيرا واضحا عن فسادها جميعا.