من هانز بليكس الى ديتليف ميليس

تركي علي الربيعو  - الخليج

 

عندما نتذكر هانز بليكس رئيس لجنة الأمم المتحدة للمراقبة والتحقق والتفتيش “أنموفيك”، لا نتذكره وحده، وهو يجلس واجماً في مجلس الأمن، يقرأ تقريره عن أسلحة الدمار الشامل العراقية بتلعثم، مع علمه أن العراق لم يكن يملك أسلحة دمار شامل، وأن مئات الآلاف من العراقيين يموتون جراء الحصار والمرض والجوع، وان “البروباغندا” الأمريكية ممثلة بالرئيس بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد ووزير خارجيته آنذاك كولن باول،  كانت تنشد الحرب مهما كان الثمن ومهما كانت نفقاتها، الا أن حصافة الرجل قد خانته، وغادرته جرأته فلم يقطع بعدم وجود أسلحة دمار شامل، فهذا من شأنه أن يهدد مستقبله، بل راح يطلب مهلة تمكنه من القول الفصل الذي عجز عنه دوما، مع أنه يعلم أن الادارة الأمريكية لن تمهله واذا أمهلته فستجعل من تلك المهلة “قميص عثمان”.

كانت طبول الحرب تدق، تردد صداها جمهوريات الموز والخوف معاً والتي شاركت في الحرب مقابل حفنة من الدولارات القليلة كما كشفت التقارير لاحقاً، وكانت المهلة التي يطالب بها بليكس ليس أكثر من ذر للرماد في العيون . لم يستطع بليكس الذي عكف على كتابة مذكراته أن يقطع مع النهج العدواني لخبراء الأمم المتحدة، ولا أن يبيض صفحة الأمم المتحدة المخترقة من قبل الادارة الأمريكية، وهذا ما يجعلنا لا نتذكره وحده، فعلى مسافة تاريخ يزيد على عقد من الزمان، وبالضبط منذ حرب الخليج الثانية 1991 الى احتلال بغداد من قبل أمريكا وبريطانيا ،2003 ظلت لجان الأمم المتحدة العاملة في العراق مخترقة من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والموساد “الاسرائيلي”. فقبل “الانموفيك” كانت “الاونسكوم” برئاسة سكوت ريتر مثالا على هذا الاختراق، فقد اعتبرت “الاونسكوم” بمثابة وحدة تجسس على العراق لخدمة أمريكا وهذا ما افقدها مصداقيتها، فاستبدلت بموجب قرار الأمم المتحدة 1294 ب “الانموفيك”. وهذا الكلام ينطبق على رئيس الاونسكوم السابق الاسترالي ريتشارد باتلر المناهض للعراق الى درجة العداء والموثوق به من قبل الادارة الأمريكية، وهذه عادة ما تكون مواصفات الخبير الجيد في نظر الولايات المتحدة.

أعود للقول، انه على طول المسار الذي ترأس به بليكسالانموفيك” لم يأت بالجديد، وصحَّ في وصف جدته المثل الذي يقول انه لم يحسن سوى تحريك قوائم المرمى في مكانها، ويرى البعض أن حصة “الانموفيك” من الأفراد المعادين للعراق والمرتبطين بالموساد “الاسرائيلي” لم تقل عن حصة سابقتها “الاونسكوم”، وهذا ما جعل جهود الأمم المتحدة، عقبة تحول دون ازاحة العقبات، وشاهد زور في سعي الولايات المتحدة في حربها على العراق.

قد يتساءل القارئ، عن وجه الشبه بين هانز بليكس وبين دتيليف ميليس القاضي الألماني المشهود بنزاهته والمكلف بالتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري والذي من المفترض ان يصل الى دمشق اليوم لاستكمال مهمته واستجواب بعض المسؤولين السوريين، من الذين كانوا مكلفين بحماية لبنان والأمن اللبناني. إن وجه الشبه كبير بين الاثنين، فالمشهود للاثنين كفاءتهما، مع رجحان كفة ميليس الذي يحقق في قضية عادلة يجب الكشف عن مرتكبيها، ولكن السياق الذي حكم جهود الاثنين بليكس وميليس، أفقد بليكس المصداقية والى الأبد حتى لو حاول تبرير تردده بأكثر من مذكرات، وقد يفقد ميليس مصداقيته أيضا.

يدرك ميليس، الذي لم يتهم السوريين حتى هذه اللحظة، أن هناك أجندة أمريكية  فرنسية تعبر عن نفسها بموجب “خطة هجوم” تستهدف سوريا بهدف حصارها وإركاعها، وان ثمة تحريضاً علنياً على ذلك، فثمة شهوة عند الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى تغيير النظام في سوريا، وان “خطة هجوم” أمريكية كتلك الخطة التي شرحها بوب وودورد بشأن العراق، هي في طريقها نحو سوريا لولا اعصار كاترينا. وفي هذا السياق، لن يقبل من ميليس تبرئة السوريين اذا كانوا بريئين، هذا اذا لم يكن معاديا بالسليقة لسوريا على طريقة خبراء الأمم المتحدة في العراق، وسيكون تقريره محتملا لكل أشكال التفسير، فالمطلوب كما أسلفت هو رأس سوريا، وليس مجرد أربع أو خمس شخصيات من الذين يحتمل تورطهم في مسألة اغتيال الشهيد الحريري مع أن ميليس لم يقطع بذلك.

يدرك السوريون المرتبكون، والذين تلكأوا في التعاون مع ميليس في البداية والذين لم يبخلوا على أمريكا بكل أشكال التعاون كما بيّن سيمور هيرش، أنهم أمام تاريخ عراقي  قد يعيد نفسه في سوريا، وان كل أشكال التعاون مع ميليس لن تجدي، فلا ضوء في نهاية النفق الذي تريده لها أمريكا وفرنسا، فحتى لو خرج ميليس ببراءة سوريا وهذا بعيد، فسوف يتم تغييره برجل تثق به أمريكا والموساد “الاسرائيلي”. وبالتالي سيجد السوريون أنفسهم أمام حالة من حصار ونوبة أخرى من المذابح الجماعية على حد تعبير جيف سيمونز التي يوفرها الحصار على سوريا. وحده اعصار كاترينا، وليس العرب الذين خذلوا العراق سابقاً وسيخذلون سوريا لاحقاً، قادر على وقف اعصار ميليس أو تأخيره، ومن شأنه تنشيط ذاكرة الأمريكيين الذين نسوا كما قال الرئيس الروسي غضب الطبيعة وغضب الله القدير.