تداعيات زيارة ميليس لدمشق

بقلم :حسين العودات – البيان

 

يزور المحقق ديتليف ميليس دمشق لاستكمال تحقيقه في مقتل الرئيس رفيق الحريري في مناخ من الحذر والشكوك المتبادلة بينه وبين السلطات السورية، لا تلغيها المجاملات المبالغ فيها بين الطرفين اللذين أبدى كل منهما ترحيبه بهذه الزيارة وسعادته بها، ولكن الحقيقة ـ يقيناً ـ ليست كذلك، لا بالنسبة للسيد ميليس الذي اتهم السلطات السورية قبل أسبوعين وفي تقريره الإجرائي الأول بإعاقة تحقيقه، ويخشى من عدم توفر الشروط المريحة لاستكمال التحقيق.

ولا بالنسبة للسلطات السورية التي قبلت مرغمة التحقيق مع بعض ضباطها وربما مع غيرهم من قبل محقق أجنبي وعلى أرضها ولم يكن أمامها خيار آخر تختاره، فلم ينفعها الحديث عن السيادة ولا التمسك بتطبيق القوانين السورية، وكان حرجها ماثلاً للعيان وترددها واضحاً في قبول طلب رئيس اللجنة الدولية التحقيق مع المسؤولين السوريين الذي قدمه للحكومة السورية قبل بضعة أسابيع.

 من الملاحظ بداية أن التحقيق الذي من المفروض أن يتم مع مسؤولين سوريين باعتبارهم أفراداً شهوداً قابلين للشبهة أو التهمة أو البراءة أخذ طابعاً مختلفاً حتى كاد أن يصبح تحقيقاً مع النظام السوري بكليته، مبنياً على افتراض أن اتهام الأفراد يعني اتهام النظام، وصار من الصعب في الحالة السورية التفريق بين الضباط الأمنيين الذين كانوا يعملون في لبنان وبين السلطة السياسية السورية، وقد انطلقت لجنة التحقيق

كما يبدو من اعتبار هذا الموضوع مسلمة وأن الضباط السوريين متماهون مع نظامهم السياسي وبالتالي فإن ارتكاباتهم إن حصلت هي تنفيذ لقرار اتخذه النظام. وقد تناولت تصريحات مسؤولين في دول كبرى وحتى في الأمم المتحدة هذا الأمر على هذا النحو وكذلك فعلت وسائل الإعلام العربية والدولية وتعاملت مع النظام السوري وضباطه ككتلة واحدة لا تنفصم، واعتبرتهم منفذين فقط لقرار مركزي لا رأي لهم ولا مبادرة فيه.

ينتظر كثيرون نتائج تحقيقات ميليس في سوريا، ويستعرضون (سيناريوهات) متنوعة، حيث تأمل السياستان الأميركية والفرنسية وربما غيرهما اتهام النظام السوري بالجريمة وتشاركهما الأمل فئات دولية ولبنانية عديدة. وكما يبدو لم تعد معرفة الحقيقة عن اغتيال المرحوم رفيق الحريري رئيس الوزراء السابق لها الأولوية الأولى لدى معظم هؤلاء الكثيرين، وإنما يهم الجميع اتهام النظام السوري وتوظيف التهمة لإضعافه ومساومته أو ربما للبدء في إجراءات تغييره،

أما بالنسبة للفئات السياسية اللبنانية فسوف توظف التهمة على الأقل لإضعاف موقف سوريا تجاه لبنان وإلزامها بعلاقات سورية لبنانية نديّة ومتوازنة تأخذ مصالح البلدين بالاعتبار على الدرجة نفسها، أما إذا تعذر اتهام سوريا فسوف يستعيد النظام السوري قوته وقدرته وتقوى قبضته الأمنية الداخلية ولن يلزمه أحد عندها على الإسراع في الإصلاح وسيبقى نفوذه في لبنان قائماً إلى سنوات طويلة مقبلة، وبالتالي سيحتفظ ببقايا دوره الإقليمي الذي لن يستطيع أحد إلغاءه.

وهكذا لابد أن تتغير الرهانات والحسابات الداخلية والخارجية في ضوء نتائج زيارة ميليس. لم يعد سراً أن الولايات المتحدة وفرنسا تعملان بدأب لاستمرار الضغط على النظام السوري، وربما تبحثان عن مبرر لفرض العقوبات عليه تمهيداً لتغييره لأسباب لا علاقة لها باغتيال الحريري، لكنهما تختلفان على الأسلوب، حيث ترى فرنسا أهمية التحول السلمي والابتعاد عن العنف في سوريا وتأمل أن يتم التغيير من داخل النظام وتكون مرحلة الانتقال سلسة (كما تم في لبنان)

على عكس الولايات المتحدة التي يهمها الهدف ولا تكترث بالأسلوب (حسبما حصل في العراق) وفي الحالتين فإن الطرفين ينتظران أن تكون نتائج تحقيق ميليس هي المبرر المشروع لبدء تنفيذ خططهما، وتعتبر الدولتان أن التحقيق القضائي ما هو إلا مقدمة ومبرر لقرارات سياسية، وهذا ما يخشاه النظام السياسي السوري وما سماه بتسييس التحقيق

 

فضلاً عن إجراء المحاكمات أمام محكمة دولية وليست لبنانية وبالتالي تحويل القضية إلى قضية دولية وإخراجها من إطارها اللبناني، وتسهيل ممارسة الضغوط على سوريا، وفرض شروط إذعان عليها في إطار الشرعية الدولية وخاصة حسب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح فرض العقوبات بما فيها العقوبات العسكرية.

الملاحظ أن الجميع سواء منهم بعض الدول الكبرى أم معظم الفئات والأحزاب اللبنانية ووسائل الإعلام تتناول موضوع التحقيق انطلاقاً من أن المسؤولين السوريين متهمون بل مدانون حتماً، وكأن الأمر بديهية وتحصيل حاصل ولا ينقصه إلا زيارة شكلية من قبل ميليس لسوريا توجبها مقتضيات التحقيق القضائي الذي لا تتأكد مصداقيته إلا بعد التحقيق المباشر مع المسؤولين السوريين، ويبدو أن ما من أحد يخطر له الاحتمال الثاني أعني عدم توفر الأدلة التي تساعد على الاشتباه بهؤلاء المسؤولين أو اتهامهم تمهيداً لإدانتهم،

ولعل موقف الجميع المنطلق من هذه (المسلمة أو البديهية) هو ما يزيد حنق المسؤولين السوريين وخشيتهم في الوقت نفسه من إدانتهم المسبقة في مناخ من العداء اللبناني والدولي لهم، وما المحققون في النهاية (حسب رأي المسؤولين السوريين) سوى أفراد يتأثرون بمثل هذا المناخ وقد يأخذون الناس بالشبهات فيكفي مثلاً أن يشتبه المحقق في هذه الحالة بأي شخص حتى تتحول الشبهة إعلامياً إلى تهمة والتهمة إلى جريمة نكراء.

وهكذا ستكون لمهمة ديتليف ميليس في دمشق وتداعياتها نتائج بعيدة المدى على النظام السوري وعلى سوريا وعلى العلاقات السورية اللبنانية، وربما على الوضع الإقليمي القائم، فإما أن ينجو النظام السوري برأسه إذا لم يتهم ميليس مسؤوليه الأمنيين وغير الأمنيين وينتعش النظام من جديد ويبحث عندها عن سياسة تساعده على الصمود بوجه الضغوط الخارجية،

ويبرأ من تهم كانت ستوصله إلى موقع النظام الإرهابي الخارج عن القانون وتوصل سوريا إلى موقع الدولة (المارقة)، وإما أن يقع تحت عبء الضغوط الدولية والعقوبات الدولية السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها إذا اتهم التحقيق أحداً من مسؤوليه، وسوابق البلقان وليبيا والعراق لم تترك مزيداً لمستزيد.

يبدو أن الظروف المعقدة والملتبسة المحيطة بزيارة ديتليف ميليس إلى دمشق وتحقيقاته وعلاقة سوريا بقضية الاغتيال تقتضي أن يجهد المسؤولون السوريون للنأي بأنفسهم عن السير في طريق مسدود، وأن لا يخضعوا لضغوط داخلية من بعض أهل النظام تدفعهم للممانعة والتورط بمخالفة قرارات مجلس الأمن ماداموا يؤكدون براءتهم من التهم الموجهة إليهم. خاصة وأن أطرافاً عديدة تتربص بهم.

كاتب سوري