ثقافة الاختراق: التطبيع مع الهيمنة وتكريس الاستتباع الحضاري

د. محمد عابد الجابري - الاتحاد


 

تحدثنا في المقالات السابقة عن الهوية الثقافية، وكان واضحا منذ البداية أننا نتحدث داخل الثقافة العربية، وبالأحرى عن الهوية الثقافية كما تتحدد في المجال التداولي العربي المعاصر. هذا من جهة، ومن جهة أخرى اقتصر حديثنا لحد الآن على المقارنة بين مفهوم العولمة ومفهوم الثقافة الوطنية وإبراز التأثير الذي تمارسه العولمة أو يراد لها أن تمارسه على الهويات الثقافية. أما في هذا المقال فسننظر إلى العولمة، ليس بوصفها منافسا أو نقيضا للهوية الثقافية (من حيث إنها تستهدف إفقار مفاهيم الوطن والأمة والدولة إلى درجة الصفر، كما أشرنا إلى ذلك في المقال السابق)، بل سننظر إليها من حيث إنها ثقافة مضادة لثقافة الهوية، ثقافة لتسطيح الوعي ولاختراق الثقافات والهويات.

فعلا ظهرت مع العولمة، وكامتداد لها، ثقافةٌ جديدة تماما، لم يشهد التاريخ من قبل لها مثيلا، تتولى القيامَ بعملية تسطيح الوعي، واختراق الهويات الثقافية للأفراد والأقوام والأمم: ثقافة إشهارية إعلامية سمعية وبصرية تصنع الذوق الاستهلاكي (الإشهار التجاري) والرأي السياسي (الدعاية الانتخابية) وتشيد رؤية خاصة للإنسان والمجتمع والتاريخ، إنها "ثقافة الاختراق" التي تقدمها العولمة بديلا للصراع الإيديولوجي.

ولا يعني حلول الاختراق الثقافي محل الصراع الإيديولوجي موت الإيديولوجيا، كما يريد المبشرون بالعولمة أن يوهموا الناس! كلا إن الاختراق الثقافي، بالعكس من ذلك، مُحَمَّلٌ هو نفسه بإيديولوجيا معينة، -هي إيديولوجيا الاختراق- هي تختلف عن الإيديولوجيات السابقة المتصارعة، كالرأسمالية والاشتراكية، في كونها لا تقدم مشروعا للمستقبل، لا تقدم نفسها كخصم لبديل آخر تسميه وتقاومه، وإنما تعمل على اختراق الرغبة في البديل وشل نشدان التغيير لدى الأفراد والجماعات.

إيديولوجيا الاختراق تقوم على نشر وتكريس جملة أوهام، هي نفسها ما عبر عنه كاتب أميركي بـ"مكونات الثقافة الإعلامية الجماهيرية في الولايات المتحدة الأميركية"، وقد حصرها في الأوهام الخمسة التالية: وهم الفردية، وهم الخيار الشخصي، وهم الحياد، وهم الطبيعة البشرية التي لا تتغير، وهم غياب الصراع الاجتماعي. وإذا نحن أردنا أن نوجز في عبارة واحدة مضمون هذه الأوهام الخمسة، أمكن القول إن "الثقافة الإعلامية الجماهيرية الأميركية" هذه، تكرس إيديولوجيا "الفردية المستسلمة"، وهي إيديولوجيا تضرب في الصميم الهوية الثقافية بمستوياتها الثلاثة، الفردية والجمعوية والوطنية القومية.

إن "وهم الفردية"، أي اعتقاد المرء في أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته وأن كل ما عداه أجنبي عنه لا يعنيه، إنما يعمل على تخريب وتمزيق الرابطة الجماعية التي تجعل الفرد يعي أن وجوده إنما يكمن في كونه عضوا في جماعة وفي طبقة وأمة، وبالتالي فوهم الفردية هذا إنما يهدف إلى إلغاء الهوية الجمعوية والطبقية والوطنية القومية، وكل إطار جماعي آخر، ليبقى الإطار "العالمي" –بل العولمي- هو وحده الموجود.

أما "وهم الخيار الشخصي" فواضح أنه يرتبط بالأول ويكمله. إنه، باسم الحرية، يكرس النزعة الأنانية ويعمل على طمس الروح الجماعية سواء كانت على صورة الوعي الطبقي أو الوعي القومي أو الشعور الإنساني.

ويأتي "وهم الحياد" ليدفع بالأمور خطوة أخرى في الاتجاه نفسه: فما دام الفرد وحده الموجود، وما دام حرا مختارا فهو "محايد"، وكل الناس والأشياء إزاءه "محايدون" أو يجب أن يكونوا كذلك. وهكذا تعمل هذه الإيديولوجيا من خلال "وهم الحياد" على تكريس التحلل من كل التزام أو ارتباط بأية قضية. ومن هنا ذلك الشعار الذي انتشر في السنين الأخيرة: شعار: "وأنا مالي".

وأما الوهم الرابع وهو "الاعتقاد في الطبيعة البشرية التي لا تتغير"، فواضح أنه يرمي إلى صرف النظر عن رؤية الفوارق بين الأغنياء والفقراء، بين البيض والسود، بين المستغلين وبين من هم ضحايا الاستغلال، وقبولها -أعني تلك الفوارق- بوصفها أمورا طبيعية كالفوارق بين الليل والنهار والصيف والشتاء، فوارق "أنثروبولوجية" كما يقولون، الهدف من ترسيخها في العقول شل روح المقاومة في الفرد والجماعة.

ويأتي الوهم الخامس صريحا في منطوقه ومفهومه: إن "الاعتقاد في غياب الصراع الاجتماعي" هو التتويج الصريح للأوهام السابقة: غياب الصراع الاجتماعي معناه -إذا قبلناه وسلمنا به- الاستسلام للجهات المستغلة، من شركات ووكالات وغيرها من أدوات العولمة. وبعبارة أخرى "التطبيع" مع الهيمنة، والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري الذي يشكل الهدف الأول والأخير للعولمة.

ومع التطبيع مع الهيمنة والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري يأتي فقدان الشعور بالانتماء لوطن أو أمة أو دولة، وبالتالي إفراغ الهوية الثقافية من كل محتوى. إن مشروع العولمة هو عالم بدون دولة، بدون أمة، بدون وطن. إنه عالم المؤسسات والشبكات العالمية، عالم "الفاعلين"، وهم المسيرون، و"المفعول فيهم" وهم المستهلكون للسلع والصور و"المعلومات" والحركات والسكنات التي تفرض عليهم. أما "وطنهم" فهو الفضاء "المعلوماتي" الذي تصنعه شبكات الاتصال، الفضاء الذي يحتوي –يسيطر ويوجه- الاقتصاد والسياسة والثقافة.

العولمة نظام يقفز على الدولة والأمة والوطن. نظام يريد رفع الحواجز والحدود أمام الشبكات والمؤسسات والشركات المتعددة الجنسية، وبالتالي إذابة الدولة الوطنية وجعل دورها يقتصر على القيام بدور الدركي لشبكات الهيمنة العالمية. والعولمة تقوم على الخوصصة، أي على نزع ملكية الوطن والأمة والدولة ونقلها إلى الخواص في الداخل والخارج. وهكذا تتحول الدولة إلى جهاز لا يملك ولا يراقب ولا يوجه. وإضعاف سلطة الدولة والتخفيف من حضورها لفائدة العولمة يؤديان حتما إلى استيقاظ، وإيقاظ، أطر للانتماء سابقة على الأمة والدولة، أعني القبيلة والطائفة والجهة والتعصب المذهبي الخ... والدفع بها جميعا إلى التقاتل والتناحر والإفناء المتبادل: إلى تمزيق الهوية الثقافية الوطنية القومية... إلى الحرب الأهلية.

ولابد من الـتأكيد هنا على أن مفهوم الهوية الثقافية القومية الذي نستعمله هنا، بمعنى الهوية المشتركة لجميع أبناء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، لا يعني قط إلغاء ولا إقصاء الهويات الوطنية القطرية ولا الهويات الجمعوية، الإثنية والطائفية. إنه لا يعني فرض نمط ثقافي معين على الأنماط الثقافية الأخرى، المتعددة والمتعايشة، عبر تاريخنا المديد، داخل الوطن العربي الكبير. كلا، إن التعدد الثقافي في الوطن العربي واقعة أساسية لا يجوز القفز عليها، بل بالعكس لابد من توظيفها بوعي في إغناء وإخصاب الثقافة العربية القومية وتوسيع مجالها الحيوي. ولكن تبقى مع ذلك كله الوظيفة التاريخية لهذه الثقافة، وظيفة التوحيد المعنوي، الروحي والعقلي، وظيفة الارتفاع بـ"الوطن العربي" من مجرد رقعة جغرافية إلى وعاء للأمة العربية لا تكون إلا به ولا يكون إلا بها.

هذا من جهة ومن جهة أخرى، فاللغة المشتركة بين جميع أبناء الأمة العربية، لغة التراث المشترك، ولغة العلم والثقافة العالمة جملة، وبالتالي لغة التحديث والحداثة هي اللغة العربية. ولذلك كانت اللغة العربية هي، في آن واحد، الرابطة المتينة التي توحد بين مستويات الهوية في الوطن العربي، أعني المستوى الفردي والمستوى الجمعوي والمستوى الوطني والقومي، وأيضا الأداة الوحيدة التي بها يمكن للعرب الدخول في العالمية وتحقيق الحداثة.

وأنا أتحدث مستعملا ألفاظا أصبحت منفية، مثل "القومية" و"الإيديولوجيا" و"الصراع الاجتماعي"، و"الوطن العربي"... أشعر وكأني أحرك في شعور بعض القراء بعض "الرواسب" التي قد ينظرون إليها اليوم بنفس المنظار الذي كانوا ينظرون به في عهد ازدهار تلك الكلمات في الخطاب العربي إلى ألفاظ من نوع "الشهادة" و"الجهاد" و"الجنة والنار".. الخ، هذه الكلمات التي استعادت مواقعها في الخطاب العربي المعاصر بعد أن كانت قد أقصيت إقصاء. والسؤال الذي يطرح عليَّ نفسه الآن هو التالي: ماذا قدمت ثقافة العولمة كبديل ثقافي حضاري يتجاوز كلا من ثقافة القومية والإيديولوجيا والصراع الاجتماعي وثقافة الشهادة والجهاد والجنة والنار؟

لا أرى سوى بديل واحد يتمثل وجهه التنظيري في مقولة "صراع الحضارات"، ويصرخ وجهه التطبيقي البشع، كل يوم، في كل من أفغانستان والعراق وفلسطين!.