سورية مجددا في عين العاصفة الاخطر في حياتها

مطاع صفدي- القدس العربي


يغص الحدث العربي يوميا بالوقائع الكبري، التي تبدو كل منها وكأنها تفرض نوعا من منعطف جذري مؤثر في المصير العام للمجتمع بل للامة نفسها احيانا: فمن متغيرات السودان التي تناولت شكل النظام العام للدولة متحولا الي النموذج الفيدرالي المعترف به رسميا ودستوريا من قبل الغالبية والاقلية معا الي عمق المشرق العربي حيثما اعتاد التاريخ القومي ان يتلقي منه اشارات تحولاته المفصلية الفاعلة، يبدو المشهد العربي وخاصة في المشرق انه ينفتح علي ما يمكن وصفه راهنا انه يشبه الزلازل السياسية التي سيأتي كل ما بعدها مختلفا اطلاقا عما سبقها.
هذه المتغيرات العنيفة تشمل اقطارا رئيسية من هذا المشرق الواقع في مجمله تحت وطأة المرحلة القصوي للامبريالية الجديدة القديمة، بقيادة امريكا، اقوي طاغوت شبه خرافي لميتافيزيقا الشر المحض. فان آخر وربما اعنف ما اخترعته عبقرية التدمير المتذاكي لهذه الامبريالية هو تفجير الشعوب من داخلها بأدوات هذا الداخل عينه. واوضح مثال حي لن يحتكره العراق وحده، وان كان هو المسرح الاخطر لفصول وتجارب استراتيجية التدمير الذاتي، وبالاشراف المباشر لقوي الغزو الامريكي، اذ كان لا بد من هذا الغزو من اجل الرعاية المباشرة لتطبيق النموذج الاول الافتتاحي لهذه الاستراتيجية تحت وطأة العنف العسكري، الذي كان عليه اولا الاجهاز علي عنصري الحماية الطبيعية للدولة والمجتمع، وهما نظام الحكم والجيش، بصرف النظر عن ممارسة السلطة وطريقة استخدامهما لمشاريعها الخاصة. فالاحتلال انجز هذه المهمة بسرعة، وتعري هكذا العراق كليا من كيانه السياسي وامنه الوطني، اضحت مؤسساته الحكومية والمدنية هياكل فارغة من وظائفها وفعالياتها في الادارة والتنظيم والتوجيه، هذا الي جانب حرمان الناس من ابسط شروط حياتهم اليومية، وتأمين حاجاتهم الاولية. فالاحتلال هو في حد ذاته قوة تدمير متواصلة لكل ما هو قائم في البلد المنكوب، حتي وان لم تكن هناك اية مقاومة او تمرد علي سلطاته، فكيف اذا كان الوضع معكوسا تماما وكانت المقاومة المسلحة تحاصر المحتل في اضيق مجالاته وتثبت اعلانا يوميا عن رفض العراق لواقع الهزيمة. فهذه الحقيقة لم تستطع حتي اليوم ان تحجبها العملية السياسية الزائفة الصانعة للحكومات الشبحية وما تنتجه هذه من المجالس النيابية الملفقة التمثيل والولاء المكرسة للاقوامية والمذهبية المغلقة والمتخلفة، وصولا اخيرا الي تلفيق دستور منذور لشرعنة هذه المذهبية وتشظية وحدة الدولة والتاريخ والمستقبل.
لكن هذه العملية السياسية تكشف بكل جلاء ان اعتماد شكليات بعض الديمقراطية كان وسيلة لاختلاق دستور يراد له تثبيت نموذج انقلابي كياني يجعل العراق يوقع بأيدي ممثليه الزائفين علي مشروع التخلي عن وحدته وهويته، حتي يغدو كذلك نموذجا لغيره من اقطار العرب المهددة معظمها بتخلع كياناتها السياسية والاجتماعية فلا يمكن مثلا قراءة التطورات القضائية المتسارعة في لبنان واصدائها في سورية، في معزل عما يعد للعراق في ظـل هذا التحالف الخبيث بين قوي الاحتلال وبعض تيارات التشيع الايراني المسيطرة رموزها علي ظاهر العملية السياسية مع تلك المشاركة القسرية والجزئية لبعض رموز الشريحة الثالثة المستهدفة وهي السنة العربية، فلبنان الذي يبدو انه يتعافي من نظامه الامني السابق ويشرع في الاهتداء الي طريق الحقيقة التي غدت عنوان مرحلته السياسية لما بعد اغتيال الحريري، اي معرفة اقطاب المؤامرة من المنفذين الي المخططين، لبنان هذا، كما لو انه كتب عليه الا يخطو اية خطوة سياسية الا تحت مفاعيل التداعيات والمؤثرات الطائفية والمذهبية، لا يمكنه ان يشفي من مرض تلك المؤامرة الا ليفتح امامه ازمة الرئاسة الموكولة اصلا الي الطائفة المارونية. هكذا تتركز حول عملية التحقيق مع الموقوفين من قادة الاجهزة الامنية والمعتبرين من رجال القصر ورئيسه الحالي هدف اقالة او استقالة الرئيس، وبالتالي اطلاق معركة الرئاسة البديلة والبحث عن رجل المرحلة القادمة. في الوقت الذي ينتعش فيه تداول شبه صامت حول ابتعاث سيناريوهات الفيدراليات بعد السعي الحثيث نحو تغيير دستور الطائف، والاتيان بالدستور الآخر المشرع والمستنبط لاحد تلك السيناريوهات التقسيمية تحت تسمياتها الحديثة الذائعة دوليا كالفيدرالية والكونفدرالية.
وهي كلها في الاصل تعني جمع المتفرق من الشعوب والاثنيات تحت كيان دولة واحدة متعاونة دستوريا بين مكوناتها. بينما يجري استخدامها لدينا، وتحت جناح الهيمنة الاجنبية، والامريكية بخاصة، في معني تجزئة الموحد
اصلا، وتقطيع اوصال الجسد الموروث وتحويل اعضائه ضد بعضها.
وعبر مجريات التحقيقات بقيادة القاضي الالماني ميليس في بيروت تغدو دمشق مشتركة ومشاركة بالقوة او بالفعل في تحمل نتائجها التفصيلية المعلنة والمحجوبة. فما انجزه ميليس حتي الآن يعتبره محصورا في نطاق مرحلة المنفذين، وانه ينتقل راهنا الي مرحلة المخططين واصحاب القرارات الاولي. ما يعني ان التحقيق يتجاوز حدوده القضائية، الي تلك الحدود السياسية المفتوحة علي الاحتمالات الاستراتيجية الكبري المهيأة للمنطقة ككل ولاقطارها الخارجة حتي اليوم عن شبكية الهيمنة الامريكية المباشرة. وبذلك لا بد لكل مراقب للحدث اللبناني بخاصة ان يلاحظ مدي الفائدة الكبري وغير المنتظرة التي وفرتها واقعة الجريمة واغتيال الحريري لاصطياد السمكة الكبيرة بالطعم المسموم، فلبنان يعود وظيفة الاداة لسواه.
هذا في حين ان الاثمان الباهظة هو الذي يدفعها ليريح الآخرين. لكن سورية لن تكون هذه المرة خارج مصيدة الاخطار الجسيمة المتهمة بالمشاركة هي كذلك في حبك شباكها، سواء عن قصد خاطيء او سوء تقدير للخطط والنتائج المترتبة عليها.
استراتيجية التدمير الذاتي ليس تطبيقها معتمدا كله علي تحفيز الافخاخ الداخلية فحسب بل ان الاعداد الخارجي والاقليمي يوفر الاجواء، وحتي الادوات التي تتدخل في الظروف المناسبة، فسورية ليست اليوم في عين العاصفة بسبب النتائج الاولية لتحقيقات القاضي ميليس فقط، بل كان ذلك هو موقعها منذ احتلال العراق. وكان برنامج الطاغوت الامريكي ينطوي بكل صراحة علي الفقرة السوداء المتعلقة بالمصير المقرر لكل من سورية وايران وانظمة عربية اخري، سيجري تغييرها باسم الهجمة الديمقراطية وحدها، فالتصميم الكارثي قديم في الاجندة الامبريالية الغربية، وصار مادة رئيسية في امبريالية الرئيس بوش. والمهم ان سورية كانت في الماضي تخترع اساليب صمودها وحماية انظمتها بحسب كل عاصفة وانماط تهديداتها. وقد تخرج منها سالمة وفي حلة جديدة بفضل متغيرات تحدث في الداخل وصفقات في الخارج. لكن ربما امست اليوم في عين العاصفة الاشد عنفا وتصميما من كل سابقاتها. بينما الكلام الاعلامي الكثير المتواتر حول المصير الآتي يراهن علي الحلول القصوي. وهناك في الاوساط الدبلوماسية الدولية من يتحدث عن احد خيارين ينتظرها اما الصربي او الليبي.
لكن، هذا الضحيج حول السيناريوهات المرتقبة او المعدة، لا يدخل كله في عداد الحرب النفسية والتهويل الاعلامي، فالخطر هو اوضح من ان تغطيه اية غمامة بيضاء متفائلة، واصبح الوقت اكثر ضيقا وحرجا من اي ظرف خانق مرت به البلاد. انه المأزق الاصعب الذي لن يسمح بالتحليلات المرتجلة او السطحية وينبغي القول بالفم الملآن ان المأزق اضحي يعادل معني بقاء سورية او زوالها، فهو يتخطي تهديد النظام الحاكم ليعيد تشكيل هيكلة الكيان السوري بتمامه.
انه المصير العراقي عينه او ما هو اسوأ منه ايضا، لان انهيار سورية سوف يعني انهيار المشرق ودخوله في اسوأ خارطة لمختلف اشكال التشظية وصراعاتها المدمرة. ومثل هذا المصير لن يبقي كذلك اية آمال في ان يسترجع العراق استقلاله ولا ان تتبقي للبنان اية صورة حضارية يعرف بها. اسرائيل وحدها ستتسلم قيادة المنطقة، وتستبيح كل خيراتها. هذا عدا عما سيصيب كيانات الخليج والجزيرة من التفكك الاثني والمذهبي والجغرافي.
ان بقاء سورية هو الضامن الاخير لهوية العرب وثقافتهم ومستقبلهم الحضاري والكياني معا. هذه البدهية تضطر لتكرارها لانها وحدها الكفيلة باحياء ذاكرة سورية والعرب معا، لكي يبتكرا سوية ايضا شكل الممانعة المشتركة ويعدا القوة الحقيقية لمقاومة تأريخية غير مسبوقة. لكن البداية كلها انما هي في يد النظام السوري انه يعرف طريق التغيير الشمولي المطلوب نحو جعل صموده يلتحم بصمود شعبه، انها لحظة المنازلة مع الطاغوت الخرافي الذي يصير واقعا كله. ولن يردعه او يكافحه هذه المرة الا قيامة عملاق الممانعة من كافة الامة وفي طليعتها الجزء المهدد اولا والذي يغدو مصيره هو مصير الكل بعده.

 

ہ مفكر عربي مقيم في باريس