أزمات إسرائيل السياسية وتأزّم عملية التسوية 

 بقلم :ماجد كيالي - البيان

 

ثمة ملاحظتان أساسيتان على الأزمة السياسية التي تمر بها إسرائيل في هذه المرحلة، والتي تتمثل بمحاولة إقصاء أرييل شارون من موقعه كرئيس للحكومة، وكزعيم لحزب الليكود، والتي ربما تصل إلى حد الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وإعادة صياغة الخريطة الحزبية الإسرائيلية.

الملاحظة الأولى، تتلخّص في أن عملية التسوية (برغم كل الاجحافات المتمثلة فيها بالنسبة للفلسطينيين)، ومنذ إطلاقها من مؤتمر مدريد (أواخر العام 1991)، أدخلت إسرائيل في حال من الأزمة المستعصية، التي تطال السياسة والمجتمع، إلى درجة باتت معها هذه العملية بمثابة المحرك والمحرض والعنوان الأبرز لمجمل الخلافات والانشقاقات الإسرائيلية، الكثيرة والمتنوعة.

هكذا بات الخلاف بين العلمانيين والمتدينين، أو بين الغربيين والشرقيين، أو بين اليسار واليمين، يتعزز أو يتغطّى، إلى حد ما، بالموقف من عملية التسوية. وتفسير ذلك أن عملية التسوية مع الفلسطينيين، من وجهة نظر الإسرائيليين، ليست مجرد مسألة خارجية، وهي لا تقتصر على الانسحاب من أراض، فقط، بل إنها تمسّ صميم حياتهم، ومبرر وجودهم، وتطال تعريفهم لهويتهم ولدورهم في المنطقة، ولحدودهم السياسية والجغرافية؛ ومن هنا ينبع مصدر التعقيد في التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية.

في هذا الإطار يمكن ملاحظة كيف أن حزب الليكود الذي هيمن على حكومات إسرائيل منذ العام 1977 عاد وتراجع في العام 1992، لصالح حزب العمل، الذي أوصل اسحق رابين إلى سدة السلطة؛ وكان من أهم أسباب تراجع الليكود وقوف قيادته، ممثلة بإسحق شامير (آنذاك)، في وجه رياح التسوية الدولية والإقليمية، وحتى الإسرائيلية.

ولكن توقيع اسحق رابين لاتفاق اوسلو مع الفلسطينيين (1993) قصّر من عمره، وبالتالي من عمر حزبه في الحكم، حيث تم اغتياله بالرصاص على يد المتطرف الإسرائيلي ايغال عمير، الذي تأثّر بمناخات التحريض ضد رابين، التي أطلقها في حينه بعض الحاخامين وأوساط من اليمين القومي والديني المتطرف.

وعندما صعد بنيامين نتنياهو (19961999) إلى رئاسة الحكومة (وكان من المحرضين ضد رابين)، لم يستطع بعقليته البراغماتية التملص من السير في عملية التسوية، ومن الضغط الأميركي بهذا الاتجاه، وكان أن وقع اتفاق الانسحاب من الخليل (1997) واتفاق واي ريفر (1998) للانسحاب من 1,13 بالمئة من الضفة الغربية، ما أدى إلى انفكاك الليكود من حوله، وتضعضع مكانته في البيئة الإسرائيلية، الأمر الذي اضطره للّجوء لانتخابات مبكرة عجّلت بنهايته.

أما إيهود باراك، الذي شهد عهده انطلاق المفاوضات على قضايا الحل النهائي مع الفلسطينيين (في يوليو 2000)، برعاية الرئيس الأميركي بل كلينتون، فقد اتجه هو الآخر نحو الانتخابات المبكرة، بعد إخفاق المفاوضات المذكورة واندلاع الانتفاضة. والآن يبدو أن الدور على أرييل شارون، الذي كان للمفارقة من المحرّضين ضد اتفاق واي ريفر (1998 في عهد نتنياهو!).

وكان شارون عمل منذ مجيئه لرئاسة الحكومة (2001) على التملص من عملية التسوية، وتقويض اتفاقات أوسلو، إلا أن التطورات الدولية والإقليمية ظلت تدفع به نحو هذا الاستحقاق، وقد عزز من الضغوط الخارجية المخاوف الإسرائيلية المتزايدة، والناجمة عن تعاظم ما يسمى بمصطلحاتهم الخطر الديمغرافي (الفلسطيني)، والذي يهدد طابع إسرائيل كدولة يهودية، مثلما يهدد نظامها الديمقراطي (العنصري)، ويضعها أمام مخاطر التحول لدولة ثنائية القومية، أو دولة «أبارثايد».

الملاحظة الثانية، وتتمثل بضعف مستوى الاستقرار في النظام السياسي الإسرائيلي (على مستوى الحكومة والأحزاب ومزاج الرأي العام). فمنذ انطلاق عملية التسوية في مطلع التسعينات، شهدت إسرائيل انهيار حكومات عديدة، ونشوء أحزاب جديدة واختفاء أحزاب قديمة، كما شهدت تغيرات في المزاج السياسي الإسرائيلي من اليسار إلى اليمين، (وبالعكس) ومن الاعتدال إلى التطرف (وبالعكس).

ففي تلك الفترة مر على إسرائيل ستة من رؤساء الحكومات (شامير ورابين وبيريز ونتنياهو وباراك وشارون). اللافت أنه ولا واحد من هؤلاء استكمل ولايته إلى نهايتها (ماعدا شامير)، فقد قتل رابين في سابقة فريدة من نوعها في إسرائيل، ولجأ كل من بيريز ونتنياهو وباراك إلى تقريب موعد الانتخابات للخروج من الأزمات السياسية، التي تعصف بإسرائيل على خلفية عملية التسوية.

ويبدو من ذلك أن حكومة شارون، وبعد تنفيذ خطة الانسحاب الأحادي من غزة، تسير بدورها نحو هذا المصير. ويتبين من طبيعية الجدل الإسرائيلي، بأن سابقة الانسحاب من أراض فلسطينية، وسابقة تفكيك بعض المستوطنات، برغم محدودية وجزئية كل منهما، أدتا إلى هزّة وجدانية وسياسية في المجتمع الإسرائيلي.

ويبدو أن هزّة على هذا الشكل والمستوى، بأبعادها التاريخية والأيديولوجي والأخلاقية، في مجتمع استيطاني أيديولوجي عنصري، مثل المجتمع الإسرائيلي، بحاجة إلى نوع من الاستدراك والمراجعة و»الدوزنة«، التي لن يحلها إلاّ التوجه نحو انتخابات جديدة، لإعادة النظر في الاصطفافات والانتماءات السياسية، والتفكير باليوم التالي، بانتظار استحقاقات تسوية أخرى.

وكان شارون منذ نجاحه في الانتخابات لرئاسة الحكومة (مطلع العام 2001)، تعرض لعدة أزمات سياسية وحكومية، توجّت أولاها بخروج حزب العمل من الحكومة (أواخر العام 2002)، على خلفية التردّي في الوضع الاقتصادي والسياسي والأمني، وبسبب استشراء الاستيطان في الأراضي المحتلة، وتدني مكانة إسرائيل في الحلبة الدولية.

هكذا تم حل الكنيست ونظمت انتخابات لرئاسة الحكومة وللكنيست (مطلع العام 2003)، حيث أحرز شارون تقدما كبيرا، بحصوله على أصوات نسبة كبيرة من الناخبين، وصعد حزب الليكود (بزعامته) إلى مكانة الحزب الأول في إسرائيل، بعد أن حظي بثمانية وثلاثين مقعدا في الكنيست (بدلا من تسعة عشر مقعدا)، في حين تدهورت مكانة حزب العمل.

وبعد هذا الفوز شكل شارون حكومة بالتعاون مع حركة شينوي (ثالث حزب في إسرائيل) والأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة، وبدون حزب العمل (وبدون شاس). ولكن هذه الحكومة لم تصمد إذ تعرضت للانهيار، بخروج الأحزاب القومية المتطرفة منها (المفدال ـ الاتحاد الوطني)، في أواخر العام 2004، بسبب توجه شارون نحو طرح خطته للانسحاب من غزة وأربع مستوطنات من الضفة.

وحينها وجد شارون نفسه مجددا مضطرا لإقامة حكومة وحدة وطنية مع حزب العمل، برغم المعارضة الداخلية في الليكود لذلك. إضافة إلى الأزمات الداخلية فإن شارون واجه معارضة داخلية شديدة في حزبه الليكود وثمة عدة منافسين له أهمهم بنيامين نتنياهو وعوزي لنداو، إضافة على تراجع أسهمه في الليكود عموماً.

يستنتج مما تقدم بأن عملية التسوية ستظل من أهم العوامل المشكلة لأزمات إسرائيل، وأن إسرائيل ستظل تراوح في إطار سياسة «اللاحسم»، تجاه قضية التسوية، طالما بقيت المعادلات السياسية القائمة على حالها. وأيضا بسبب عدم نضجها وانقساماتها، وبسبب عدم وجود معطيات إقليمية ودولية تضطرها لذلك. ولعل هذا ما يفسر تلاعبها على الواقع بالتوجه بين فترة وأخرى نحو صناديق الاقتراع، وهو الأمر الذي ربما سنجد أنفسنا مجددا في مواجهته.

كاتب فلسطيني