الفدرالية وخصومها في العراق

فايز سارة - السفير

 

تبدو قضية الفدرالية بين أكثر القضايا خلافية في العراق خاصة بعد سلسلة التظاهرات التي شهدتها مناطق عراقية واسعة بينها بغداد وكركوك عارضت الفدرالية، وشارك فيها عرب وتركمان وسنة وشيعة، وبعد التصريحات التي اطلقها زعماء سياسيون ورجال دين، اعلنوا فيها معارضة الفدرالية. والامر في الحالتين، كان تعبيرا معلنا عن الاختلافات حول الفدرالية في النقاش العراقي بصدد مشروع الدستور في الجمعية الوطنية، وقد كشف خلافات عراقية واضحة حول الفدرالية، التي بدت في وقت سابق كأنها بين الامور المتوافق عليها او المسكوت عنها.
ووجود خلاف عراقي واسع حول الفدرالية، يعيد الموضوع الى المربع الاول، حيث وجهات النظر المتقابلة، والاساس فيها تقدم العراقيين الاكراد بطرح موضوع الفدرالية باعتباره احد صمامات الامان في علاقتهم مع السلطة المركزية في بغداد، التي مارست سياسات اضطهادية ضدهم في المراحل الماضية، ما قاد الى تضمين قانون الدولة الاساسي نصاً على النظام الفدرالي باعتباره صيغة يمكن الاخذ بها في رسم حدود علاقة الكيان الكردي في الشمال مع بقية العراق، غير ان فكرة قيام كيان شيعي في جنوب العراق، فجرت المخاوف على مستقبل الكيان العراقي كله مع امكانية تحوله الى اتحاد فدرالي موقت بين كيان كردي في الشمال وشيعي في الجنوب، يكون بينهما بالنتيجة كيان سني في الوسط، وهذا سوف يسهل تقسيم العراق كما عبرت اوساط عراقية قومية وسياسية ودينية واجتماعية واسعة، وذلك مقابل اقلية عراقية لها نفس التوزع، وان كانت اضيق اتساعاً من سابقتها.
لقد وقفت اغلبية العراقيين من العرب السنة في مواجهة الفدرالية، واتخذت الموقف ذاته ولو لاعتبارات اخرى معظم الجماعات القومية الاخرى من العراقيين باسثناء الاكراد، وقد سار التركمان في تظاهرة كركوك الاخيرة مع معارضي الفدرالية من العرب، ويكاد يتطابق موقف التركمان مع موقف العراقيين من الآشوريين والكلدان الذين سوف تخضعهم الفدرالية وتجعلهم تحت سلطة اغلبية ما في واحد من كيانات العراق الثلاثة.
وموقف معارضي الفدرالية من أكثرية الجماعات العراقية، يجد له صدى وتفاعلا في اوساط العراقيين الشيعة في رفض الفدرالية. وقد اوضح عبد المهدي الكربلائي ممثل آية الله علي السيستاني، انه <<ليس المهم ان ينجز الدستور في وقته، وإنما المهم ان ينجز ويحقق وحدة العراق أرضا وشعبا، حاضرا ومستقبلا، وألا يؤدي الى تجزئته وتمزيقه>>، فيما قال عبد الزهرة السويعدي ممثل مقتدى الصدر في بيان له امام متظاهرين <<نحن نعتبر ان الفدرالية تمزق وتقسم وحدة العراق تحت ظل الاحتلال وبوجود حكومات منقوصة السيادة>>، وان <<الاحتلال يتحمس لتطبيق الفدرالية كي يبقى جاثما على ارض العراق>>. وان <<الفدرالية في هذه المرحلة نذير شؤم لحروب طائفية وفتن عرقية>>.
وكما هو واضح فإن الاساس في موقف معارضي الفدرالية، هو خوفهم من تقسيم العراق، ولأن اعتماد الفدرالية انما يتم تحت الاحتلال وفي ظل حكومة منقوصة السيادة. ولعل ما يزيد من مخاوف معارضي الفدرالية، صدور تصريحات من شخصيات عراقية كردية، رفعت سقف الاشتراطات الكردية للبقاء في اطار العراق الموحد، وبينها موضوع الفدرالية ومستقبل كركوك بجعلها في اطار الكيان الكردي، ثم جاء تصريح عبد العزيز الحكيم بشأن كيان شيعي في جنوب العراق ليوسع دائرة المعارضين، لكن الاخطر من التصريحات السابقة، كان الضغوطات الأميركية الكثيفة التي رافقت النقاش العراقي لمشروع الدستور، والتي ركزت على امرين اثنين: الاول ضرورة الحفاظ على الفدرالية باعتبارها مفصلاً من مفاصل النظام العراقي الجديد؛ والثاني التسريع بالاتفاق على مشروع الدستور تمهيداً لتمريره في استفتاء عام.
لقد تم الكشف مؤخراً عن تقرير اميركي، يبين الخلفية التي تستند اليها واشنطن في تأييد الفدرالية العراقية باعتبارها تمثل <<النظام الديموقراطي القائم على اساس تعددي>>، الذي <<يستجيب للتنوع الديني والعرقي للمجتمع العراقي>>، على <<اساس توزيع السلطة بين حكومة مركزية، وحكومات فدرالية تمثل كل منها مجموعة دينية او عرقية، يكون لها سيطرة كبيرة على سياساتها الخاصة والشؤون الاجتماعية والاقتصادية>>. ويجزم التقرير الأميركي، انه <<بدون هذا الشكل من الفدرالية فإن العراق سيتصدع نتيجة النزاعات الداخلية وهيمنة مجموعة عرقية او دينية بطريقة ممكنة الحدوث، وستقوَّض جهود الولايات المتحدة في اقامة الديموقراطية في العراق وفي الشرق الاوسط الكبير>>، الامر الذي يجعل التقرير في خلاصته يربط بين نجاح النظام الفدرالي في العراق ومستقبل المنطقة، ولا سيما انجاز تسوية الصراع العربي الاسرائيلي.
وبطبيعة الحال، فإن معارضي الفدرالية في العراق يربطون بين محتوى التقرير الأميركي، والسياسات التي تطبقها واشنطن عملياً في العراق وما تؤدي اليه من تصاعد في التوترات والانقسامات العراقية، ما يجعل مخاوفهم من تقسيم العراق امرا شبه مؤكد بعد ان تكتسب فيه الفدرالية بعداً دستورياً يصير من السهل في ظله على أي كتلة من كتله الرئيسية الثلاث الانسحاب من الاطار الفدرالي وفرط عقد الوطن العراقي الواحد، ولعل ذلك ما يفسر وجود طيف كبير وواسع من العراقيين الذين يعارضون الفدرالية.
(
) كاتب سوري