خطاب الرئاسة السورية... حيث المفاضلة رَجْعٌ بعيد متماثل

صبحي حديدي  - القدس العربي

 


هل من الممكن افتراض حكمة ما، حتي إذا كانت من النوع التفاضلي المحض، في المقارنة بين ما يقوله الرئيس السوري بشار الأسد لصحيفة غربية اليوم، وما قاله للصحيفة ذاتها قبل أربع سنوات؟ المنطق البسيط، الغائي المحض هنا أيضاً، يفيد الإيجاب: من غير المعقول أن لا تسفر المفاضلة عن فوارق وتبدّلات وتطوّرات، في مستوي الخطاب واللغة والمفردات أوّلاً، ثمّ في مستويات مختلف الملفّات التي شملها الحوار السابق والحوار اللاحق. ومع ذلك فإنّ النتيجة الملموسة لا تنتفي هذا المنطق البسيط فحسب، بل تنتهي إلي ما يشبه تسفيهه قلباً وقالباً! لنأخذ، إذاً، بعض القضايا المتماثلة التي أثارها الأسد في حوارين مع صحيفة دير شبيغل الألمانية، جري الأوّل في مطلع تموز (يوليو)2001، وجري الثاني أواخر آب (أغسطس) 2005.
ولسوف نقتصر علي الملفّ السوري الداخلي، أي قضايا الإصلاح ، السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي أو الإداري. في حوار 2001 يسأل الصحافي الألماني، بكثير من التهذيب واللباقة، عن مصطلح مايسمي النقاط الإيجابية ، متسائلاً عن طبيعة العوائق التي تمنع الأسد من القيام بخطوات أسرع في مضمار الإصلاح الإقتصادي أو الإصلاح الإجتماعي . ويجيب الأسد (وننقل هنا عن وكالة الأنباء السورية، سانا): هذا طبيعي ليس فقط لرئيس الجمهورية، بل لأيّ مواطن يريد التطوير وفي أيّ مجال. هناك عوائق خاصة في المناطق التي تعيش علي مفاهيم متجذرة في المجتمع مما يجعل عملية التطوير أصعب، ليس لأن المفاهيم نفسها تعيق، وإنما أحياناً الفهم أو التفسير الخاطيء لبعض نقاط هذه المفاهيم هو الذي يعيق. لكن بالنتيجة المنطقية تتطور والمهم أن تعرف الأسباب التي أدت إلي هذه النقاط السلبية، عندها تستطيع أن تطورها بكل سهولة، فالقضية قضية إقناع عبر الحوار وليست قضية فرض .
ما الذي سيقوله الأسد في حوار 2005، في إجابة عن سؤال مماثل تقريباً، يحدث هذه المرّة أنه أوّل أسئلة الصحيفة الألمانية (التي كانت في سنة 2001 قد بدأت بسؤال عن احتمالات الحرب والسلام في المنطقة)، ويسير هكذا: هنالك محاولات تحرّك نحو الديمقراطية هنا وهناك في العالم العربي. ولكن ثمة القليل فقط من الدليل علي هذا في سورية. لِماذا؟ . ويجيب الأسد (ونحن هنا نترجم أقواله عن النصّ الإنكليزي كما نشرته دير شبيغل علي موقعها الإلكتروني، لا لشيء إلا لأنّ معظم الترجمات العربية كانت غير أمينة ومشوّهة)، علي ثلاث مراحل:
المرحلة الأولي هي الفارق بين سورية وسواها: حسناً، الحال تقول إنّ الدول العربية تتطوّر بمعدّلات مختلفة وضمن شروط تاريخية مختلفة. مصر، مثلاً، لم تشهد انقلابات كثيرة كما جري في سورية. يضاف إلي هذا أنّ القاهرة وقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل، في حين أننا لسنا في حالة حرب ولا حالة سلام مع إسرائيل. وبالمناسبة، لم يبدأ تطوّرنا إلا قبل سنوات قليلة مضت، ولهذا فإنّ التوقعات تتباين كثيراً. ولكن القضية الأساسية هي أننا في سورية قد فتحنا حواراً حول الامر علي الأقلّ . وثمة التالي الذي يلفت الإنتباه في هذه الفقرة: التذرّع بالإنقلابات (التي كان آخرها سنة 1970، وجاء بحافظ الأسد وبيت الأسد إلي السلطة)، وكأنّ الدول العربية الأخري أنجزت هذا أو ذاك من الإصلاحات الديمقراطية لأنها لم تشهد انقلابات؛ والإحالة إلي موقف اللاسلم واللاحرب مع الدولة العبرية، وكأنّ الأسد يوحي بأنّ الديمقراطية السورية لا تأتي قبل السلام مع إسرائيل؛ والإعتراف، أخيراً، بأنّ التطوّر في سورية عمره سنوات قليلة ، الأمر الذي يعني أنّ الحركة التصحيحية (1970 ـ 2000، حتي سنة وفاة حافظ الأسد)كانت زمناً ضائعاً في ما يخصّ التطوّر! وبالطبع، الزعم بأنّ النظام فتح حواراً حول التحرّك الديمقراطي، وأنّ هذه هي القضية الأساسية، تفصيل غنيّ عن أيّ تعليق!
في المرحلة الثانية، وبعد أن يقاطعه الصحافي الألماني سائلاً: لقد استغرق الحوار أكثر ممّا ينبغي، يذهب الأسد إلي سويّة أخري في التذرّع، فتسير إجابته هكذا: إنّ سرعة تطوّرنا تعتمد علي ما يتوجّب أن نواجه من تحديات، لا نستطيع دائماً التأثير فيها. علي سبيل المثال، يتوجّب أن نتعامل مع قوي أجنبية تتدخّل في شؤوننا الداخلية (وهنا يقاطعه الصحافي سائلاً: هل تقصد الدعوات الأمريكية إلي المزيد من الديمقراطية وإنهاء دعم الإرهابيين، فيتابع الأسد) كلما تزايد التدخل، تباطأت سرعة التطوّر في سورية. ففي نهاية المطاف، ينبغي للعملية الديمقراطية أن تسود البلد بأسره. وطبيعي أنّ عدم حلّ نزاع الشرق الأوسط يبطيء التطوّر أيضاً. هنالك، كذلك، مسألة أيهما ينبغي أن تكون له أولوية أكبر عندنا: التطوّر السياسي أم النموّ الإقتصادي؟ . ويضيف، عن العلاقة بين هاتين الأولويتين: هنالك بون شاسع بين الهدفين. فلكي نطوّر النموّ نحتاج إلي المساعدة من الإتحاد الاوروبي. وعند الكثير من السوريين الذين التقيت بهم، يحظي الفقر باهتمام أكبر من التطلّع إلي دستور ديمقراطي. إلي جانب هذا، هنالك الإرهاب أيضاً، والذي يقف في طريق التقدّم الديمقراطي .
ثمة هنا مزج محسوب بين الإبتزاز (حكاية الإرهاب، والتدخل الخارجي)، والإستفزاز (ما معني أنّ العملية الديمقراطية ينبغي أن تسود في البلد كلّه؟ هل من المحتمل أن تسود في جزء من سورية، فقط؟)، والإستجداء (دعم الإتحاد الأوروبي)، والديماغوجية (السوريّ الذي يهتمّ بالمعدة أكثر من الحرّية!)... ولكن من الجلي أنّ الأسد يركن في هذه الفقرة إلي نغمة جديدة لم يسبق لها أن كانت في ترسانة الذرائع التي اعتاد أن يسوقها علي سبيل تأويل تعثّر الإصلاحات أو بطئها أو انعدامها. لقد كان، حتي وقت قريب، يتحدّث عن مشكلات الإدارة، وعجز المؤسسات القديمة، و الحرس القديم لا كما يتمثل في اثنين أو ثلاثة أشخاص يحتلون مناصب رفيعة في أعلي النظام ، بل كما يراه الأسد في آلاف البيروقراطيين العاديين والمتحجرين علي امتداد النظام، والذين تخندقوا في مواقعهم علي مرّ السنين والعقود وليست لديهم أية مصلحة في أن يسير أيّ شيء علي نحو مختلف . إنها أيضاً، ودائماً حسب الأسد في حوار خاص أجراه معه الباحث والمسؤول السابق في الخارجية الأمريكية فلنت ليفريت، مشكلة الحرس القديم في هذا القطاع الخاص الذي لا يحمل من صفة القطاع الخاص إلا الاسم، والذي يواصل الوجود في علاقة جنينية مع هذه البيروقراطية المتخندقة. أنظر إلي كلّ هذا، وعندها ستري الحرس القديم، وهذه هي العقبة الحقيقية أمام التغيير في سورية .
أيها، إذاً، العقبة الحقيقية أمام التغيير في سورية؟ البيروقراطية المتخندقة التي لا تتقدّم ولا تتطوّر؟ أم القطاع الخاصّ، المستقيل من وظيفته كقطاع خاصّ؟ أم العامل الديمغرافي، كما قال الأسد ذات يوم غير بعيد، في حوار شهير بدوره مع صحيفة إلباييس الإسبانية: في سورية زهاء 300 ألف مولود سنوياً، وبعد عشرين عاماً قد يكون لدينا 300 ألـــــف طالب لفرصة عمل ؟ أم عدم تطبيق منهج التفكير الذي اقــترحته الرئاسة علي الشــــعب والدولة، كما اعتبر الأسد في الحوار ذاته، وعدم تضافر جهود كلّ المؤسسات والشرائح الموجودة في المجتمع ؟ أم مفاهيم متجذرة في المجتمع مما يجعل عملية التطوير أصعب ، كما قال في حوار 2001 مع دير شبيغل ؟ أم التدخّل الخارجي، نغمة هذه الأيام، حيث من السهل اجترار الخطاب العتيق البالي حول استهداف القوي الإمبريالية لهذه الأنظمة التقدمية العربية، وحيث يُراد لنا أن نفهم أنّ نظام بشار الأسد هو آخر ممثّلي تلك الانظمة، بل آخر قلاع مناهضة الإمبريالية؟
أم لعلّ السبب، ببساطة يصعب علي الأسد الإقرار بها لأنه شخصياً جزء منها كمأزق شامل مستديم وليس كحلّ وشيك أو منظور، هو أنّ نظام البعث القائم منذ 1963 عموماً، ثمّ خصوصاً بعد سقوط النظام ذاته إلي درك الإستبداد العاري والنهب المافيوزي طيلة عقود الحركة التصحيحية، ليس مسؤولاً عن انعدام أيّ وكلّ إصلاح ديمقراطيّ فحسب، بل هو أيضاً وأساساً المسؤول/الصانع الذي يعيد إنتاج المزيد من أنماط الإستبداد والقمع والفساد.
وفي ما مضي، كما في حوار إلباييس مثلاً، اعتاد الأسد أن يقول التالي في حكاية معدة المواطن أو حرّيته: الإهتمام المباشر الآن للمواطن وللشريحة الأوسع في سورية هو الموضوع المعاشي والإقتصادي ، أو: هذا ما لمسته قبل أن أصبح رئيساً ومازلت، فإذاً هذا هو أهمّ شيء يجب أن نركّز عليه الآن في سورية . والحقّ أننا لا نحتاج إلي كبير عناء لكي نتفق علي اقتران الخبز بالحرية، وعلي استحالة إنجاز خطوات ملموسة علي طريق تحسين الوضع المعاشي للمواطنين، دون أو قبل إنجاز خطوات ملموسة أكثر علي طريق الإصلاح السياسي والقانوني والإداري. معاش المواطن ليس جزيرة منعزلة مستقلة بذاتها عن سواها، وكان حرياً بالأسد (وهو الرئيس الشاب دائماً)أن يتذكّر هذه الحقيقة الرياضية البسيطة كلما تحدّث إلي صحيفة غربية، وتوجّه إلي مواطن غربي، وإلي العالم بأسره في نهاية المطاف.
المرحلة الثالثة في إجابة الأسد تدهشنا (قليلاً فقط، في الواقع)لأنها إنما تستأنف أقوال وفلسفة رجل طبّل أزلام النظام وزمّروا بالقول إنه اليوم باد تماماً بعد أن ساد طويلاً، ونقصد نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام ونظريته حول حماية سورية من الجزأرة ، والشروع في وأد ما سُمّي ربيع دمشق علي خلفية تجنيب سورية مآل الجزائر، ثمّ تبرير حملات القهر ضدّ المعارضة والمنتديات في صيف وخريف 2001. بشار الأسد يقول اليوم لـ دير شبيغل ما تحاشي قوله هو شخصياً في حوار العام 2001 مع الصحيفة ذاتها، وما ترك مهمة النطق به ـ علي النحو الدراماتيكي الصاخب الفاقع ـ لنائبه خدّام. يسأله الصحافي الألماني: ما الذي تخشونه بصفة محدّدة، فيجيب الأسد: تطوّرات مثل تلك التي جرت في الجزائر منذ 1991. في ذلك الوقت أساءت الحكومة تقدير الشعب، وهدّد الإسلاميون باستلام السلطة. والجزائريون يدفعون بدمائهم، وحتي يومنا هذا، ثمن إساءة التقدير تلك !
كيف ينبغي للمواطن السوري أن يقرأ هذا الكلام؟ هل يخشي النظام الإصلاحات الديمقراطية لكي لا تتكرّر تجربة الجزائر (تماماً كما يقصد الأسد، وقصد خدّام قبله)؟ وهل الإصلاحات الديمقراطية التي شهدتها بلدان عربية مثل الأردن والمغرب والبحرين، بصرف النظر عن تقييمها في العمق والمحتوي الفعلي، انتهت إلي جزأرة من أيّ نوع؟ وكيف يمكن للنظام الراهن أن يسيء تقدير الشعب السوري، وعلي ايّ صعيد؟ ومَن سيلعب، هنا في سورية، الدور الذي لعبته جبهة الإنقاذ في الجزائر؟ وهل يخشي الأسد أن يمنح صندوق الإقتراع السوري، في أية انتخابات حرّة تجري تحت إشراف دولي، أغلبية صريحة للإسلاميين السوريين؟ ومَن هم هؤلاء، بالتحديد؟ أم أنّ الأسد يخشي، بل لعلّه علي يقين تامّ، أنّ مافيات الأجهزة الأمنية السورية سوف تعيد إنتاج المأساة الجزائرية علي نحو أكثر بطشاً وضراوة ودموية؟
ليس من المأمول أن نعثر علي إجابة طيّ حديث الأسد، وليست الإجابات هي ما ينتظره المجتمع السوري في كلّ حال. المأزق شامل عميق، والقادم ـ كما نقول ونعيد القول، للأسف ـ أعظم واشدّ هولاً من المفاضلة بين رجع بعيد وآخر، وبين الفلسفة الرئاسية 2001، أو 2002، أو 2003، أو 2004، أو 2005!
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس