عصر الأكاذيب في السياسة والإعلام  

 د. رياض نعسان أغا  - الاتحاد

 

بات الوصول إلى الحقيقة أمراً صعباً في عالم يضج بالأكاذيب التي وجدت منابر ضخمة لها عبر ما وفرته ثورة التقنية والاتصالات من فضائيات وصحف ومواقع أنترنت تملأ أرجاء الدنيا بالأنباء والأشرطة والصور، وتديرها عقول ماهرة متخصصة في فن الإقناع والترويج الذي هو علم كذلك يستفيد من شكلانية الحقيقة دون مضامينها، ويقوم بصناعة تجميلية وتقنية للشبهات حتى تصير بديلاً عن الحقائق وسرعان ما تتلقفها أذرع الأخطبوط الإعلامي لتنشرها في العالم كله، واحذر إن كنت ممن يحرصون على التدقيق والتحقق من أن تشك بمصداقية الأكذوبة، فقد تواجهك تهمة جاهزة هي أنك من فريق عقلية المؤامرة المتخلف والعاجز عن قراءة العصر واكتشاف حقائقه.

وصناعة الأكاذيب عريقة جداً في الإعلام الغربي والصهيوني، وقد سمى "جور فيدال" عصر الأكاذيب (العصر الذهبي) وهو عنوان كتابه الذي يفضح فيه ثلاث أكاذيب كبرى غيرت مجرى التاريخ في منتصف القرن العشرين، وهي أكذوبة بيرل هاربر، وأكذوبة هيروشيما، ثم أكذوبة الحرب الباردة. وفيض الأكاذيب يتدفق اليوم، ونحن ندرك مع "كيفين فيليب" صاحب كتاب (سلالة أميركية) أن التداخل بين السياسة العامة والمصالح الشخصية بات عملاً إجرائياً ومعيارياً في الإدارة الأميركية، ولسنا نشكو من خطر ذلك بأكثر مما يشكو الأميركان أنفسهم. وحسب القارئ أن يتأمل عناوين بعض الكتب التي اشتهرت في الولايات المتحدة وهي تحاول مناهضة الأكاذيب، ومنها كتاب (ثمن الولاء) لـ"رونسا سكيند"، وكتاب (بوش المهزوز) لـ"مولي إيفنز"، وكتاب (أكاذيب كبيرة) لـ"جوكوناسون"، وكتاب (أكاذيب بوش) لـ"ديفيد كورن"، وغيرها كثير مما حفلت به المكتبات عدا ما ظهر في أوروبا وفي بريطانيا. فقد طفح كيل الأكاذيب ولم يعد الكتاب والصحفيون الغربيون الشرفاء يستطيعون هضم وجبات الإعلام المسمومة، بل إن كثيرين أصيبوا بالتسمم وبعضهم قتل نفسه كما فعل (ديفيد كيلي) خبير الأسلحة البريطاني الحكومي لأنه كان مصدر المعلومات التي اعتمد عليها فيلم (البي بي سي) الشهير عن التقارير الأمنية الملفقة. وبعض من تورط وقال الحقيقة واجه السجن كما حدث لـ"كاترين جن" التي كشفت تجسساً على الدبلوماسيين في الأمم المتحدة. أما "جوزيف ويلسون"، فقد دفعت زوجته "فاليري بلام" ثمن كشفه زيف الادعاء بأن صدام حصل على يورانيوم من النيجر. ولعل من الطرائف أن يكشف الإعلام ذاته أكاذيبه، فقد اعترف إعلاميون أميركان بأن فيلم العثور على صدام في حفرة تم تصويره لاحقاً وقد لعب صدام دور الأسير، وأطرف من ذلك قول ساجدة الذي ردده الإعلام الكاذب ذاته (إن الذي وراء القضبان ليس زوجي). وفي مقالة طريفة لـ"نعومي كلاين" إشارة فاضحة إلى أن ثمانين في المئة من متابعي قنوات إمبراطورية "ميردوخ" كانوا يعتقدون أن لدى صدام أسلحة دمار قبل أن يسمعوا اعترافات "باول" على القنوات الفضائية الأميركية وهو يبدي أسفه أمام الشعب الأميركي لنقله أكاذيب لمجلس الأمن لفقتها المخابرات الأميركية.

ويبدو أن تقديم الاعتذار هو الحقيقة الوحيدة التي يقدمها الإعلام الصهيوني بعد انتهاء فاعلية الأكذوبة، وهذا لا يعني أن كل الصحافيين الأميركان متورطون بالكذب، فكثير منهم يصرخ، وقليل منهم من تجد صرخاته صدى، فإن وجد فسينال الاحترام الذي ناله "سيمون هيرش" الذي فجر حقيقة "أبو غريب"، وسيسخر من رجال فقدوا هيبتهم بافتضاح أكاذيبهم، كما سخر "روبرت فيسك" من المحقق الدولي اللواء كينيث ديل الذي هلل لاكتشافه وثائق تقود إلى سر أسلحة صدام، وسرعان ما افتضح كون الوثائق المزعومة ترجمة لرواية تايلور (الكفاح من أجل الإتقان ) مما دعا "فيسك" إلى أن يقول بأسى (كم من السخافات يراد لنا نحن الجمهور أن نبتلع؟).

لقد أصبح الكذب السياسي والإعلامي جرثومة أخطر من جرثومة أكذوبة الجمرة الخبيثة، وأكاذيب الإعلام تنتقل اليوم بسرعة وتقنية عالية نحو سوريا التي حان دورها، وكانت جريمة اغتيال الشهيد الحريري الحدث التراجيدي الأخطر الذي يبدأ معه التصعيد، ومع بالغ احترامي للمحقق "ميليس" وفريقه الدولي، ولا سيما حين أصر على أن التفجير لم يحدث تحت الأرض كما رغب الباحثون عن اتهام سوريا وليس عن الحقيقة (وقد فضحهم الوزير سليمان فرنجية وأيده تقرير ميليس) إلا أنني أستغرب أن يفتعل المحقق اتهاماً لسوريا بعدم التعاون والكتب بين يديه تؤكد حرص سوريا على نجاح مهمته وعلى وصوله إلى الحقيقة، وأستغرب (من موقف شخصي) أن يوجه اتهام لنائب لبناني عروبي أصيل بأنه مشتبه به لمجرد أنه صديق لسوريا ومدافع عن عروبة لبنان. وأما حكاية أنه بعث كتاباً لسوريا يحرضها على التخلص من الحريري فهي فبركة مضحكة، وأحسب أن الأمر لا يعدو كونه تصفية حسابات مع رجل أصر على أن تستمر علاقة لبنان بسوريا طيبة ومتينة، وقد أحزنني أن يتهم الرجل بحبه لسوريا وكأنه وحده في لبنان من يحب سوريا، فإن كان حب سوريا تهمة فالمتهمون إذن هم الغالبية العظمى من شعب لبنان ممن خرجوا في مسيرة الوفاء. وأما وصفه بأنه كان وديعة سوريا عند الحريري فهذا الوصف يسيء للحريري الحر، الذي كان يحب ناصر ويقدره وقد ضمه لكتلته النيابية ضمن اعتبارات انتخابية وطنية رواها لي ناصر قبيل أسابيع معبراً عن إعجابه الكبير بالحريري وكنا نتحدث عن فجيعتنا المشتركة بغيابه وعن كون اغتياله اغتيالاً للعروبة في لبنان. والحريري كما يعلم الجميع هو من وثقت به سوريا على مدى سنوات رئاسته لحكومات متتالية، ومن السخف ادعاء بعض الإعلاميين الحاقدين بأن الحريري كان مرغماً على ادعاء المحبة لسوريا بينما هو يكن حقداً عليها وعلى من يحبها في داخله. ولو أن الحريري ينطق لصرخ في وجه هؤلاء المزايدين وأعلن أنه سوري قبل أن يكون لبنانياً، فهو لم ينكر قط أن عائلة الحريري عائلة سورية عريقة رحلت إلى لبنان من حوران، ولم ينكر قط أن سوريا هي التي شجعته على الانتقال من عالم المال إلى عالم السياسة، ووثقت به، وهو لم يشكل حكوماته المتتالية رغماً عن سوريا، ولم تقبل به سوريا رئيساً لوزارات لبنان رغماً عنها، بل لقد كان الحريري أقرب إلى سوريا من أي لبناني آخر، والخلاف في الرأي في بعض المسائل السياسية ووجهات النظر أمر عادي، وحسب المدعين أن يتذكروا آخر ما كتبه الحريري في جريدة السفير، وأن يتذكروا زيارة السيد وليد المعلم له، وكانت تمهيداً لزيارته إلى دمشق، وقد قلت في مقال سابق أحسب أن الحريري كان هو الذي سيشكل الحكومة اللبنانية بتوافق سوري لبناني لولا أن يد الغدر سبقت إليه.

ولن أعلق على توقيفات المشتبه بهم ما دام الأمر قيد التحقيق ولن نستبق نتائجه، وأنا أكتب مقالتي هذه قبل أن يعقد ميليس مؤتمره، ولا أعلم ماذا سيقول، وكل ما نخشاه هو أن نفقد ثقتنا بنزاهة التحقيق إذا اتجه إلى تنفيذ أهداف سياسية بدل الاتجاه إلى كشف الحقائق، ونخشى أن تستعيد ذاكرتنا تجارب المحققين السابقين في العراق، ونرجو من السادة الإعلاميين الذين يهللون لتوجه التحقيق نحو اتهام أصدقاء سوريا أن يدركوا خطر ما يحاك ضد سوريا و لبنان معاً، وخطر أن يكون هناك تكرار للسيناريو الذي تم تنفيذه مع ليبيا قبل سنين. وأجد مفيداً أن يتأمل القارئ ما قاله المفكر اللبناني الحكيم الرئيس سليم الحص حين ذكّر العرب بأن القوى الكبرى في العالم ذات مآرب في لبنان وفي غيره في منطقتنا، وأن روح الشهيد الحريري لن تكون راضية في عليائها عن أي تفريط بالوحدة الوطنية. وأضيف بأن روح الحريري سيفجعها أن تغتال بلده سوريا باسمه، فليتق الله في روح الحريري من يدعون محبته.