دستور في ظل احتلال وغياب للدور العربي

 بقلم :د.عصام سليم الشنطي   - البيان

 

 

باتت مسودة الدستور العراقي أمس في عهدة الاستفتاء المقرر منتصف أكتوبر المقبل، بعدما أقرت لجنة الصياغة مرحلتها النهائية، رغم معارضة السنة العرب وتحفظاتهم على العديد من البنود معلنين نقل المعركة إلى الاستفتاء، وأصبحت المسودة جاهزة لطرحها على الشعب ليقول كلمة الفصل، كما أصبح واضحاً أن دستور الأمر الواقع هو ما سيفرض نفسه في العراق.

من ناحيته وصف الرئيس الأميركي جورج بوش المسودة بأنها «مصدر إلهام لأنصار الديمقراطية»، واعتبرها السفير الأميركي في العراق زلماي خليل خان «الأكثر تقدماً في العالم الإسلامي» معتبراً أن المناطق الكردية لم تكن جزءاً من العراق لسنوات طويلة. بينما التزمت الدول العربية الصمت حيال العملية بأسرها.

 

وقد قرر الأعضاء السنة الـ 15 في اللجنة عدم القبول ببعض النقاط الواردة في الصيغة النهائية، داعين الجامعة العربية والأمم المتحدة والمجتمع الدولي للوقوف معهم لحل النقاط الخلافية، مؤكدين أنها تمس وحدة العراق وتؤدي إلى تمزيقه أرضاً وشعباً وهوية. كما شددوا على أنهم سيعملون لنقل المعركة إلى الاستفتاء لإسقاط الدستور، الذي أدخل عليه نحو 14 تعديلاً، كان أهمها تأجيل مسألة الفيدرالية في الأقليم الجنوبي إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في نهاية العام الجاري للبت فيها.

 

ويرى غالبية أعضاء لجنة صياغة الدستور، وتحديداً الشيعة العرب والأكراد، أن مسودة الدستور أسست لحكم في العراق يقوم على أساس التعددية والديمقراطية وحق المواطنة المتساوية والاتحادية والفيدرالية، واعتبروا أن التحفظات التي سجلها الأعضاء من السنة العرب تأتي ضمن العملية الديمقراطية التي يعيشها العراق.

 

وفي هذا السياق علق الرئيس بوش تجاه رفض وتحفظ الأعضاء السنة العرب قائلاً إنه حق من حقوق الأشخاص الأحرار الذين يعيشون في مجتمع حر، متناسياً أن العراق يرضخ تحت الاحتلال ويفتقر إلى الأمن والاستقرار بسبب السياسة الأميركية تجاه العراق. الحقيقة أن عملية صياغة الدستور العراقي الجديد لم تكن سهلة وإن تكللت بالنجاح، وأن الجهود التي بذلها الآباء «المؤسسون» للعراق الحديث أو عراق ما بعد صدام حسين استطاعوا أن يقدموا دستوراً جديداً يؤيده غالبية الشعب العراقي، لا سيما في الأقاليم الجنوبية والشمالية.

وولادة هذا الدستور جاءت نتيجة لسقوط نظام صدام حسين والنظام البعثي السابق الذي حكم البلاد لعقود طويلة، ونتيجة لوجود الاحتلال الأميركي لأكثر من سنتين في العراق. هذه الوثيقة المهمة، التي عادة ما يصفها القانونيون والسياسيون بأنها عقد اجتماعي وسياسي وقانوني، أتت لترسم ملامح مستقبل العراق الحديث كدولة سياسية وكأمة تنتمي للجغرافية السياسية العراقية، ولكن في بيئة تفتقد الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني داخلياً وضمن سياق إقليمي مشرذم وضعيف تحتكر واشنطن إدارته.

 

لقد حاول صناع هذه الوثيقة المصيرية والتي تتألف من 50 صفحة أن يوفقوا بين مصالح القوى والفئات السياسية المختلفة، ولكن في نهاية المطاف فإن ما يعرف بسياسة الأمر الواقع فرضت نفسها لينبثق عنها دستور قد يصبح عاملاً موحداً للعراق والعراقيين أو عاملاً مساعداً للمضي في تقسيم العراق جغرافياً لدويلات صغيرة كما تتمناه أطراف عدة عراقية وغير عراقية.

 

إذاً، العراق بمكوناته البشرية والجغرافية والسياسية والمادية يقترب فعلياً وعملياً من إسدال الستار على مرحلة تاريخية طويلة دامت أكثر من 80 عاماً ليدخل مرحلة جديدة لا يستطيع أحد أن يجزم بماهيتها ومستقبلها وتداعياتها على العراق الحالي والمستقبلي، بل وعلى المنطقة العربية بأسرها.

 

وهذا يجعلنا نراقب بحذر وتخوف شديدين عملية نشوء وتطور المرحلة المقبلة لأنها ليست فقط حصاداً لتراكمات تاريخية طويلة صنعها الداخل العراقي والخارج الاستعماري ولكن لأنها مفصلية هامة مرتبطة أولاً بالمحيط الإقليمي العربي المباشر، وثانياً بالمحيط الأجنبي المباشر وتحديداً الدول غير العربية المجاورة وإسرائيل.

إن تقديم مسودة الدستور العراقي الجديد للاستفتاء الشعبي في ظل حالة اللاستقرار واللاأمن الذي يعيشه العراق منذ سنوات طويلة يمكن أن يكون إنجازاً هاماً وحدثاً تاريخياً ونقلة نوعية، ولكن هذا قد لا يعني بالضرورة أنه يصب في مصلحة العراق والعراقيين على المديين المتوسط والبعيد.

فعلى سبيل المثال قال السيناتور الديمقراطي البارز جوزيف بايدن إن الاتفاق على مسودة الدستور من دون موافقة السنة يجعلهم خارج الحل، وإن ما تم الاتفاق عليه هو «وصفه لحرب أهلية«، وأكد على أن جهود الإدارة الأميركية منيت بنكسة كبيرة نتيجة لرفض السنة للمسودة النهائية للدستور العراقي الجديد، وطلبهم من الأمم المتحدة والجامعة العربية التدخل في الأمر. وبهذا الرفض تلقت الإدارة ضربة قوية لسياستها واستراتيجيتها في العراق.

 

وهذا ما أكده العديد من زعماء بارزين في الكونجرس الأميركي وقادة عسكريين سابقين، إضافة إلى العديد من المحللين العرب والأجانب.إن نقاط الخلاف بين العرب السنة من جهة والشيعة والأكراد من جهة أخرى هي نقاط جوهرية ترتبط بعروبة العراق وبوحدة أراضيه وبتوزيع الثروة وبقانون الأحوال المدنية والشخصية وبمستقبل البعثيين الحزبيين الذين هم جزء لا يتجزأ من الشعب العراقي،

 

وأن تأجيل البحث في هذه النقاط هو في حد ذاته يشكل خطراً كبيراً لا يدرك عواقبه أحد سواء في العراق أو خارجه. والسؤال الذي طرح ولا يزال يطرح نفسه: أين هو الموقف العربي من كل هذه الأحداث والتطورات، وهل يكفي الاعتماد على موقف الجامعة العربية وأمينها العام.

 

كاتب وباحث سياسي

 

isam@hotmail.com