التحقيق الدولي بجريمة اغتيال الحريري.. المرحلة الأولى..

.د. شفيق المصري  - الخليج

 

 

1 التقرير الإجرائي الذي رفعه رئيس لجنة التحقيق الدولية الى الامين العام للأمم المتحدة بصدد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري يشكل المرحلة الأولى فقط من مسار التحقيق الدولي، إلا ان الطابع الاستثنائي الذي حظي به ناتج عن تجاذبات سياسية محلية واقليمية وربما دولية ايضا أكثر مما احدثه نص التقرير ذاته.

فالحياة السياسية اللبنانية متأثرة به من دون أي رابط موضوعي مبرر والوضع الاقليمي (ولاسيما مع سوريا) وكذلك الدولي يمكن ان يتأثرا به كذلك، علماً انه ذو طابع اجرائي بعيد عن اي مضمون قضائي تحقيقي، وذو نطاق محصور أيضاً بين المحقق والأمين العام للأمم المتحدة الذي استحسن تبليغه الى مجلس الأمن استجابة للمادة التاسعة من القرار 1595/2005.

والواضح هنا ان عوامل التأثير وربما التغيير يمكن ان تنتج عن المرحلة الثانية من هذا التحقيق، وهي والتي ستصدر بموجب التقرير النهائي في منتصف سبتمبر/ ايلول 2005 (لذا اكتفى المحقق بالمهلة الاصلية له).

ولأن هذه المرحلة الاولى  من التحقيق التي عبر عنها التقرير الاجرائي الذي قدم الى الأمين العام تضمنت بعض الاشارات السياسية، فإن الاجتهادات اللبنانية تزاحمت على التقاط بعض العبارات من هذا التقرير فتأويلها بما يرضي فريقا ويغضب فريقاً آخر. وبذلك كانت هذه المرحلة الاولى في التحقيق الدولي أرضاً خصبة لمزيد من المزايدات وربما المشاحنات السياسية اللبنانية، وان كانت الاجتهادات المتعلقة بها تتعارض احياناً مع التقرير الاجرائي ذاته.

2 ومن خلال مراجعة هذه الاشارات السياسية التي وردت في التقرير الاجرائي يتبين:

أ) ان المحقق ميليس الذي قدم هذا التقرير الاجرائي كان متفقاً في الرأي مع المحقق فيتزجيرالد الذي تولى مهمة تقصي الوقائع في الجريمة ذاتها، حيث اكد الاثنان معاً ان الثقة بالجهازين الامني والقضائي اللبنانيين غير واردة فقد اكد ميليس في تقريره الاجرائي على “ان هناك شعوراً واضحاً بانعدام الثقة العميق من قبل العديد من الشهود الممكنين بشأن الاجهزة الامنية اللبنانية والجسم القضائي. وغالباً ما تتعرض صدقيتها والقدرة على الاتكال عليها إلى التشكيك”.

وهذه الاشارة الواضحة في التقرير دفعت معظم المراقبين الى الاجتهادات المتعلقة بالمستقبل اكثر من الوضع الراهن: أي مسار سيتخذ التقرير النهائي لدى صدوره في ضوء  هذا التشكيك القائم؟

وأي مصير قد يتخذ التقرير المحلي اللبناني المتزامن مع التحقيق الدولي؟

وهل هذه الاشارة تعني ان هذا الملف سيسلك طريقاً آخر خارج لبنان الى درجة انشاء محكمة دولية خاصة لهذا الغرض. والذي زاد في الوتيرة السياسية الداخلية ان رئيس الوزراء اللبناني ووزير خارجيته لم يستبعدا امكانية انشاء مثل هذه المحكمة الدولية.

المهم وبصرف النظر عن امكانية انشاء او عدم انشاء  مثل هذه المحكمة، فإن هذا التقرير الاجرائي بات اليوم المحور الاساسي للمناخ السياسي اللبناني المتحرك.

ب  إلا ان دراسة متأنية لهذه الاشارة التي اوردها التقرير الاجرائي تفيد بما يلي:

 ان ما ورد في هذا التقرير الاجرائي يشكل انذاراً مسبقاً للجهازين الامني والقضائي اللبنانيين من اجل التعجيل بكافة الاستدراكات التي يجب اتخاذها سواء لجهة التعجيل في التعيينات المطلوبة او في اعادة التنسسيق بين الاجهزة العاملة او في البدء بالاطر التنظيمية الهادفة الى اعادة هيكليتها، واذا كان بعض هذه الاجراءات المطلوبة يستغرق وقتاً اطول من استحقاق منتصف سبتمبر/ ايلول أي موعد تقديم التقرير النهائي، فإن بعضها الآخر (كمسألة التعيين والتنسيق) لا يجوز ان يتأخر.

 ان القرارات الدولية التي حددت موجبات الدول في كافحة اي عمل ارهابي (ولا سيما القرار 1373/2001 والقرار 1566/2004) قضت بأن تتولى الدول مهمة ملاحقة وكشف ومعاقبة مرتكبي أي عمل ارهابي بما يعني ضرورة الاضطلاع الذاتي والداخلي بهذه المهمة تحت طائلة المسؤولية. وأحدث القرار 1566 آلية محددة لمساعدة الدول في هذا الشأن. كذلك فإن القرار 1595 الذي انشأ لجنة التحقيق الدولي بجريمة اغتيال الرئيس الحريري قضى بأن يهدف هذا التحقيق الى مساعدة الحكومة اللبنانية على أداء  مهماتها المطلوبة. وبذلك فإنه لا بد من احالة التقرير النهائي بهذه الجريمة الى القضاء اللبناني اما كاملاً او ملخصاً مع طلبات الأمين العام بهذا الشأن واستناداً الى التقرير النهائي ذاته.

ج  أما الاشارة التي اوردها التقرير الاجرائي حول التجاوب الذي ابدته كل من الاردن و”اسرائيل” مع طلبات المساعدة في اللجنة، فيبدو انها اتت في إطار تطمين لكافة الناس ان اللجنة جدية وفاعلة وانها لم تستثن احداً من الدول المجاورة للبنان في سياق الطلبات او الاستيضاحات.. ولعل هذه الاشارة في التقرير تشكل الضمانة التي يبتغيها المحقق ميليس اصلاً في انه لم يستبعد “اسرائيل” من نطاق التحقيق الذي يقوم به.

ولعل الاشارة  الاخرى الأكثر خطورة في هذا السياق، ذلك انه اضاف قائلاً ان اللجنة “قامت بإرسال طلب الى الجمهورية العربية السورية في 19/7/2005 لمقابلة خمسة شهود وللحصول على وثائق قبل نهاية يوليو/ تموز ولم يتم تسلم أي جواب”.. إلا ان خطورة هذه الاشارة تبددت مبدئياً  بعد أن أكد الرئيس السوري قبوله باستجواب كل المسؤولين والاشخاص السوريين الذين يود المحقق ميليس مقابلتهم.

والمعروف هنا ان القرارين 1373 و1566 المستندين الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة يفرضان على كافة الدول، ومن دون أي استثناء  تقديم كافة المساعدات والاجراءات التي تسهم في مكافحة الارهاب والواضح ان جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري اعتبرت منذ وقوعها (أي منذ البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الامن في 15/2/2005) على انها عمل ارهابي. كذلك فإن القرار 1595 طالب كافة الدول بتقديم كل المساعدات المطلوبة من اجل تيسير عمل اللجنة وتوفير فاعليتها.

3- أما التقرير الإجرائي ذاته فيشكل في تقنيته القانونية مسحاً شاملا لما قام به فريق التحقيق خلال الشهرين الأولين من مهمته.

وقد جرى توزيع هذا التقرير على ثلاثة محاور أساسية:

جمع كل المعلومات والمواد والمكونات المتعلقة بالجريمة واستجوابات الاشخاص (بالمئات) المعنيين بها، وضرورة استكمال التحقيق في هذه المواد والأجهزة واستكمال الاستجوابات المطلوبة والتقرير، لذلك يأتي استجابة للمادتين الثامنة والتاسعة من القرار 1595 اللتين تتحدثان عن إمكانية تمديد المهمة وعن ابلاغ مجلس الأمن نتيجة المساعي والجهود المتحصلة لغاية تقديمه.

ولذلك فإن الاجتهادات التي صدرت في كل تجاذباتها، حول هذا التقرير الإجرائي وردت في سياق مضخم او مصطنع.

والمهم ان النص القانوني الذي يعول عليه هو التقرير النهائي الذي يمثل المرحلة الثانية في هذا التحقيق، والذي يشير الى الخلاصات والاستنتاجات المرتقبة. وعلى هذا التقرير النهائي تتوقف امور وأوضاع كثيرة على المستويين الداخلي والاقليمي.

أما المرحلة الثالثة من هذا التحقيق فهي التي تتمثل في المحاكمة بناء على معطيات المرحلة الثانية وانطلاقا منها.

4- وعلى هذا الاساس يثار السؤال الذي بدأ قسم من اللبنانيين يتداوله: الى اي جهة قضائية سيتحول هذا التقرير الذي ينتظر صدوره في منتصف ايلول /سبتمبر المقبل؟

المبدأ ان المحاكم الوطنية للدول المعنية هي التي تُكلّف بإجراء المحاكمات المطلوبة والمبدأ ان هذه المحاكم الوطنية او بالأحرى السلطات الوطنية مسؤولة عن ملاحقة وكشف اي جريمة ارهابية ارتكبت على اقليمهما. وان هذه السلطات مسؤولة عن المحاكمة والمحاسبة، ولعل القرارين 1373 و1566 يؤكدان ذلك بشكل واضح وملزم تحت طائلة التدابير الزاجرة المناسبة.

والمبدأ ايضا الذي ورد في القرار 1595 ان مهمة لجنة التحقيق الدولية تتمحور حول مساعدة الحكومة اللبنانية على استكمال هذه المحاكمة، ولذلك فإن مآل هذا التقرير المرتقب في منتصف ايلول ان يحول بوساطة الأمين العام للأمم المتحدة الى السلطات اللبنانية.

5- أما ما أثير من آراء حول إمكانية احالة التقرير الى “محكمة دولية خاصة” فإنه يقتضي التذكير ببعض النقاط التي يرعاها القانون الدولي لهذه الجهة:

أ- سبق لمجلس الأمن الدولي ان أنشأ محكمة دولية خاصة لمحاكمة مرتكبي الجرائم في يوغسلافيا السابقة في العام ،1993 كما أنشأ محكمة دولية خاصة ثانية في رواندا في عام 1994.

وقد استند مجلس الأمن لدى إنشائه المحكمتين الى ضرورة فرض السلم والأمن الدوليين وإلى المادة 29 من ميثاق الأمم المتحدة والتي تجيز انشاء هيئات ولجان ومؤسسات من أجل مساعدة المجلس في انجاز مهماته.

والواقع ان المحكمتين المشار اليهما سبقتا إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في عام 1998 (اتفاقية روما) وبدء ممارستها العمل مع عام ،2000 وهذه المحكمة تنظر في الجرائم التي يعاقب عليها القانون الدولي ولا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجرائم العدوان.

ولذلك لم يعد ثمة مبرر لإنشاء محاكم دولية خاصة بعد إنشاء هذه المحكمة الجنائية الدولية التي تملك صلاحيات دولية في هذا السياق.

ب - إلا ان صلاحية هذه المحكمة ليست اصيلة وإنما تكميلية بمعنى انه لا يجوز إحالة اي ملف قضائي اليها إلا بعد التثبت من فشل السلطات الوطنية في متابعة المحاكمة او رفضها القيام بها او تحفظها من دون أي مبرر. عندها يمكن لمجلس الأمن وحده وبموجب قرار مستند الى الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة احالة الملف الى المحكمة الجنائية الدولية، والمنتظر في هذه الحالة ان يستند قرار مجلس الأمن الى هذه الحيثية الضرورية: ان السلطات الوطنية فشلت او رفضت إجراء المحاكمة المطلوبة استنادا الى تقرير لجنة التحقيق الدولية. هذا مع العلم ان ثمة تقريرين بصدد هذه الجريمة: التقرير المنتظر صدوره عن لجنة التحقيق الدولية، والتقرير الآخر المحلي الذي تقوم به السلطات القضائية اللبنانية (تعاونها في اعداده السلطات الأمنية اللبنانية) لذلك فإن التقرير الذي سيصدر في منتصف ايلول سيسلك طريقين متكاملين بوساطة الأمين العام للأمم المتحدة: الاولى، باتجاه مجلس الأمن الدولي مع توصيات الامين العام نفسه، والثانية، باتجاه الحكومة اللبنانية مع مطالبه بهذا الشأن.

 

* أستاذ القانون الدولي المحاضر

في الجامعتين الأمريكية واللبنانية