هل يمكن تعميم النموذج الإيديولوجي؟

السيد يسين - الاتحاد

 

أصبحت صياغة الرؤى الاستراتيجية على مستوى البلد الواحد أو الإقليم المتجانس بل وعلى مستوى العالم كله ضرورة لازمة. والرؤى الاستراتيجية – بحسب التعريف – هي رؤى استشرافية تصوغ بشكل تكاملي حزمة مترابطة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في ظل رؤية سياسية محددة لكي تطبق في عقدين قادمين، أي على مدى عشرين عاماً.

والمنطق الكامن فيها أن المجتمع – أي مجتمع – لا يمكن له أن يمارس جهوده التنموية في كافة المجالات بغير توجهات محددة لا تجعل صانع القرار ينكفئ على مشكلات الحاضر المعقدة، ويعيش في عملية إصدار القرار يوماً بيوم، وإنما تساعده على أن يبسط آفاق نظرته، ويضع المستقبل المرجو لمجتمعه في حسابه، تحقيقا لما تسميه الدراسات المستقبلية "المستقبل المرغوب"
Desired Future. ونحن نعلم أن الدراسات المستقبلية تفرق بين "المستقبل الممكن" والمستقبل المرغوب.

وهنا ندخل في صميم المشكلة التي تعالجها اليوم. فقد جاءت حقبة من الزمن – ونعني القرن العشرين تحديداً – ذاع فيها الاعتقاد لأسباب شتى أهمها الصراع بين الدول، بأنه يمكن تعميم نموذج إيديولوجي محدد لكي يطبق في العالم بأسره بغض النظر عن تفاوت الظروف التاريخية لكل مجتمع، وتباين الخصوصيات الثقافية.

وهكذا دار الصراع العنيف طوال القرن العشرين تحت لافتة إمكانية بل وضرورة تعميم النموذج الإيديولوجي أياً كان اتجاهه.
ولعل السؤال الذي ينبغي إثارته هو ماذا كان حكم التاريخ في هذا الصراع الذي ثار طوال مرحلة تاريخية كاملة هي مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي الرأسمالي؟ في تقديرنا أن الإجابة تكمن في أن مقولة إمكانية تعميم النموذج الإيديولوجي قد سقطت لأسباب شتى.

إن فهم ما حدث في العالم لا يمكن أن يتم بشكل موضوعي لو بني على أساس "المنهج الاستقطابي" – إن صح التعبير- والذي يميز تمييزاً فاصلاً بين الماركسية والرأسمالية، كما يتم التمييز بين الأبيض والأسود. ذلك أنه عبر مرحلة تاريخية طويلة، تمت فيها عملية التأثير والتأثر، ومن خلالها انتقلت الأفكار والتجارب من نظام إلى آخر، في صمت وبغير إعلان رسمى"، وهناك في العلوم الاجتماعية مثالان بارزان على ذلك. المثال الأول في مجال علم الاجتماع والمثال الثاني في مجال الفلسفة.

في مجال علم الاجتماع الغربي حدثت ثورة علمية في مجال دراسة علاقة المعرفة بالمجتمع. ذلك أن علماء الاجتماع في العالم الغربي أقاموا فرعاً علمياً جديداً هو "علم اجتماع المعرفة" الذي يربط بين المعرفة والوجود، أو بعبارة أخرى بين المعرفة بأنواعها المختلفة والبناء الاجتماعي بأنساقه المتعددة السياسية والاقتصادية والثقافية.

وقد أقاموا هذا العلم الجديد على فكرة جوهرية سبق لكارل ماركس أن صاغها عن الإيديولوجية والتي تعني على وجه التحديد غايات التطور الاجتماعي التي تعتنقها طبقة اجتماعية محددة أو مجتمعا معينا في لحظة تاريخية ما. غير أن الجديد أن ماركس تحدث عن إحدى وظائف الإيديولوجية وهي خلق "الوعي الزائف" ويعني به ببساطة تقديم صورة مزيفة عن الواقع الاجتماعي ونشر هذه الصورة بين الجماهير تحقيقاً لأهداف نخبة سياسية تعبر عن طبقة مستغلة تزيد إيهام الناس بأن أهدافها تحقق الخير للمجتمع كله وبدون تمييز.

وهكذا أثرت فكرة ماركسية أصيلة في بنية العلم الاجتماعي الغربي، والذي أقام "علم اجتماع المعرفة" على أساسها. والمثال الثاني البارز جرى في نطاق الفلسفة.

إذ فجأة وبدون مقدمات واضحة نشر الفيلسوف الأميركي جون رولز كتاباً بعنوان "نظرية في العدل" قرر فيه بكل جسارة مستفيداً مباشرة من الفكر الماركسي أن هناك مبدأين للعدل: الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية. وهكذا استطاع هذا الفيلسوف الأميركي الليبرالي بعملية التركيبة الفلسفية هذه الخلاقة، أن يحدث أكبر ثورة في الفكر الليبرالي منذ جون لوك وأضرابه من رواد الليبرالية.

لقد تتبعنا بعد ذلك ما أسميناه في دراسة منشورة، ما أطلقنا عليه "الثورة الكونية وبداية الصراع حول المجتمع العالمي" وحددنا فيها ثلاث ثورات متزامنة: الثورة السياسية التي صعدت فيها الديمقراطية في سلم أولويات العالم من زاوية ضرورتها، وأهمية استحداث صور جديدة لها، وبروز نخب سياسية جديدة لها أجندة غير مسبوقة من أهمها الاهتمام بالبيئة، والتركيز على أهمية مؤسسات المجتمع المدني في التنمية. وثورة قيمية تعبر عن الانتقال من القيم المادية إلى القيم غير المادية، أو بعبارة أخرى الانتقال من الاهتمام برفع مستوى نوعية الحياة
quality of life إلى التساؤل عما هو معنى الحياة. وأخيراً الثورة المعرفية ونعني بها بكل بساطة الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة والتأثير البالغ لهذا الانتقال على مقولات إمكانية تعميم النموذج الإيديولوجي، وبروز أهمية صياغة الرؤى الاستراتيجية التي تعتمد ليس على الأنساق الفكرية المعلقة كالماركسية الجامدة أو الرأسمالية المتطرفة، ولكن على الأنساق الفكرية المفتوحة. والحداثة هي المشروع الحضاري الأوروبي الذي تبلور في بدايات النهضة الأوروبية بعد الانتقال الحاسم من المجتمع الزراعي الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي الصناعي. وقامت الحداثة على عدة أسس هي الفردية والعقلانية والاعتماد على العلم والتكنولوجيا وتبني نظرية خطية Linear في التقدم الإنساني، بمعنى أن التاريخ يتقدم من مرحلة إلى أخرى.

أما مرحلة ما بعد الحداثة فقد قامت على أساس نفي الحقائق المطلقة، ونقد التاريخ باعتباره في كثير من الأحوال ليس سوى دعاية لتيار معين، وأهم من ذلك تأكيدها على سقوط الإيديولوجيات الكبرى التي كانت تزعم كل منها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وبداية عصر الأنساق الفكرية المفتوحة التي لا تتردد – كما فعل جون رولز من قبل – في أن تركب تركيباً خلاقا بين أطروحات كانت تعتبر متناقضة.

غير أن تأثير ما بعد الحداثة في المجال المعرفي والفكري والذي كان قوياً وغلابا في مجالات الفلسفة والسياسة والاجتماع والثقافة ما لبث أن ووجه من قبل الولايات المتحدة الأميركية – وخصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وأزمة الماركسية – بمحاولتها من خلال ترويجها لنظرية الليبرالية الجديدة، والزعم بأنها الإيديولوحية التي تمتلك الحقيقة المطلقة، ولذلك ينبغي تعميقها في كل مكان.

وفي الرد على هذه المزاعم يكفينا في هذا المقام أن نسوق بإيجاز آراء الدبلوماسي والمؤرخ الشهير جورج كينان صاحب "نظرية الاحتواء" التي كانت موجهة للاستراتيجية الأميركية طوال عصر الحرب الباردة.

يرى كينان "..أن أميركا يجب أن تتبع سياسة الاهتمام بشؤونها الخاصة بالقدر الذي تستطيعه… ويجب ألا تتحمل التزامات جديدة.. ويفسر دعوته تلك بأن أميركا ليس لديها شيء تعلمه للعالم، وأن عليها أن تعترف بأنها لا تمتلك الإجابة على مشكلات المجتمع الإنساني في العصر الحديث، بالإضافة إلى أن لكل مجتمع صفاته الخاصة به والتي لا تستطيع أميركا أن تفهمها جيداً". إن كينان يرفض بشكل أكيد مفهوم عالمية التجربة الأميركية فالخبرة القومية الأميركية لم يشارك ولن يشارك فيها أي بلد في المستقبل، فهي خبرة فريدة لن تتكرر، وهي لهذا غير قابلة للتطبيق على أي مجتمع آخر.

المشكلة المطروحة ببساطة هي: كيف يمكن حل التناقض إن كان موجوداً بين عالمية مرغوبة والتنوع الإنساني الخلاق، وهذا ما سنعرض له مستقبلاً!.