ألغام ادستور العراقي الجديـد

بدأ العدُ التنازلي بخصوص مشروع الدستور العراقي "الدائم"(...).

البعض يعول على الدستور " الراهن" ويعتبره طوق الخلاص لبداية مرحلة جديدة من تاريخ الدولة العراقية بضمان حقوق "الجميع". وحسب تقديرهم فإن ضم ممثلين عن "السنة" سينهي "التمرد المسلح" ويسقط حجة المقاومة، كما انه سيضع العلاقة مع الولايات المتحدة بشكلها القانوني "الصحيح" عبر معاهدات سياسية وعسكرية وأمنية بدلاً من صيغة الاحتلال الملتبسة.

اما البعض الآخر فانه يبدي تحفظات وارتيابات بفعل وجود الاحتلال وانحيازاته المسبقة لبعض القوى السياسية التي جاءت معه. ويعتبر الدستور مطعوناً به من البداية، فقد جاء في اعقاب انتخابات تفتقر الى الكثير من عناصر الشرعية، وهناك قوى وتيارات ومناطق غابت أو غُيبت، وتالياً فان امكان صياغة دستور يمثل التكوينات والاطياف العراقية المتنوعة أمر مشكوك فيه ويشوبه الكثير من عدم الصدقية. ولعل استمرار حملات الدهم والتمشيط والاستخدام المفرط للقوة، والعنف المنفلت من عقاله للعديد من المدن والبلدات والاحياء لا يستقيم مع الحديث عن العدالة والحقوق المتساوية.

ان قراءة سريعة للمسودات التي نشرتها بعض الصحف العراقية والعربية تكشف بعض الاشكالات والمشكلات ذات الطابع السياسي والقانوني خصوصاً ان بعض الصياغات جاءت تعبيراً عما هو آني وموقت على حساب ما هو استراتيجي وبعيد المدى، ناهيكم عن ان بعضها جاء كرد فعل لاوضاع سابقة، وليس لاعتبارات ذات ابعاد دستورية تتطلبها الدولة العصرية.

اما الالغام والقنابل غير الموقوتة "الجديدة"، اضافة الى ما ورد في قانون ادارة الدولة الموقت فهي:

-1 علاقة الدين بالدولة: فهل حقاً ان العراق "جمهورية اسلامية" كما ورد في باب المبادئ الاساسية؟ علماً بان "تديين" الدولة على حساب طابعها المدني سيترك تأثيراته وتبعاته القانونية والسياسية على الدولة ومستقبلها؟

-2 تطييف الدولة والمجتمع: فلأول مرة سيتم تكريس الطائفية رسمياً بدلاً من المواربة في قوانين الجنسية السابقة. ويبدو ان صيغة بول بريمر الحاكم المدني الاميركي في العراق قد انتقلت عدواها الى الدستور الدائم حيث ورد في المسودة... "الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي (باكثريته الشيعية وسنته)" (المادة الثانية من الباب الاول)، وكان الاجدر بالمشرع خصوصاً في ظل الاحتقان الطائفي والتوتر الاثني النص الصريح والواضح على: تحريم الطائفية ومعاقبة من يمارسها أو يدعو اليها أو يروج لها أو يتستر عليها، وذلك استناداً الى المفاهيم الدستورية التي تقوم عليها الدولة العصرية وبخاصة مبدأ المساواة وعدم التمييز.

-3 التشظي الإثني والخلط المفاهيمي بين القومية والدين: فقد سمى الدستور العرب والكرد " قوميتين رئيستين" وأطلق تسمية "قوميات اساسية على التركمان والكلدان والسريان والارمن والشبك والفرس وإنتقل الى الديانة اليزيدية والصابئة "المندائيين" (المادة الثالثة). كما يمكن القول ان الشعب العراقي يتألف من قوميتين رئيستين هما "العرب والكرداضافة الى اقليات قومية ولغوية ودينية اخرى يأتي على ذكرها بالاسم، والدستور يضمن حقوقها طبقاً لاعلان الامم المتحدة بخصوص حقوق الاقليات لعام 1992 والاعلان العالمي لحقوق الانسان على اساس التكافؤ والمساواة التامة والمواطنة الكاملة.

-4 علاقة العراق بالعروبة معومة: فلم يشأ المشترع القول ان العراق جزء من الامة العربية وهو عضو مؤسس في جامعة الدول العربية ويلتزم مواثيقها واتفاقاتها، لما لذلك من اعتبارات أدبية ومسؤولية قانونية. وقد جاء النص عاماً ووصفياً ودون التزام: "الدولة العراقية جزء من العالمين العربي والاسلامي " (المادة الخامسة).

-5 العزل السياسي: فقد حظر مشروع الدستور العنصرية والتكفير والارهاب، وهذا أمرٌ مفهوم ومبرر خصوصاً الدعوات الصريحة والواضحة بالتجريم والتأثيم والكراهية ناهيكم عن الممارسات الارهابية لقوى متعصبة ومتطرفة. ولكن المشترع لم يكتفِ بذلك بل ربطه بالبعث الصدامي الذي لا ينبغي ان يكون جزءاً من التعددية السياسية في الدولة (المادة الحادية عشرة). اذا كانت محاسبة المرتكبين من النظام السابق أمراً قانونياً ومشروعاً، فان غير المرتكبين سيشملهم الدستور بالعزل السياسي بمن فيهم أعداد كبيرة من أعضاء حزب البعث وكوادره الذين كانوا معارضين لسياسات النظام السابق من داخل الحزب نفسه.

ان هذا النص يعيد الى الاذهان قرارات مجلس قيادة الثورة السابق. ففي 31 آذار عام 1980، أصدر المجلس قراراً (قانوناً) يقضي بحظر الانتماء الى "حزب الدعوة الاسلامي" (العميل كما ورد في النص) وينزل حكم الاعدام بكل من ينتمي اليه، والأكثر من ذلك حين ذهب القرار الى مساءلة المنتمين بأثر رجعي.

وسبق لحكومة نوري السعيد تحضيراً لحلف بغداد عام 1954 ان أصدرت قوانين تحظر فيها النشاط الشيوعي وما شابهه باعتباره نشاطاً هداماً.

وأصدرت حكومة 8 شباط البعثية (1963) بياناً في ساعات الانقلاب الاولى عُرف باسم "بيان رقم 13" دعا لابادة الشيوعيين.

ولعل الامر لا يقتصر على القوانين. فقد مارست بعض القوى حظر نشاط الآخرين بفعل "نفوذها" على الشارع وارهابها الفكري والاستعانة بآلة الدولة كما حصل عام 1959 من جانب الشيوعيين ضد القوميين والبعثيين.

ولعل الحركة الكردية كانت باستمرار من ضحايا الحظر والتمييز، حتى ان قانوناً للعفو قد صدر بحق الاكراد المسلحين، استثنى فيه الرئيس السابق صدام حسين الرئيس الحالي جلال الطالباني من العفو.

الامر اذاً ليس باصدار قانون أو بوجود نص دستوري بالاجتثاث او الحظر أو العزل، فالفكر مهما كان لا يحارب الا بالفكر، والحجة لا تقارع الا بالحجة، والرأي بالرأي، وليس بقوة القانون أو ملاحقة الفكر، اما المرتكبون فالقول الفصل فيهم هو قاعات المحاكم وقرارات القضاء.

-6 دور المرجعية الدينية: نص مشروع الدستور على "استقلاليتها ومقامها الارشادي، كونها رمزاً وطنياً ودينياً رفيعاً " (المادة الخامسة عشرة).

ولا بد من التأكيد هنا ان المرجعية ليست واحدة بل متعددة. ورغم ان النص يستبطن فكرة "المرشد الاعلى" في الجمهورية الاسلامية الايرانية أو "لجنة تشخيص مصلحة النظام" الا انه لا يصرح بها. وهذه جهات غير منتخبة يضعها الدستور بمكانة علوية سامية، وفي نهاية المطاف يكون لها القول الفصل. واذا كان الامام الخميني طلب "ولاية الفقيه" من خلال دوره السياسي، فان السيد على السيستاني اراد (أو مُنح) دوراً (ربما لم يكن شديد الرغبة فيه) من خلال مرجعيته الروحية، وإنْ استدرك في مقابلة مهمة له مع مجلة "دير شبيغل" الالمانية التي نقلت عنه حديثاً واضحاً وصارماً عندما دعا علماء الشيعة الى عدم تولي مناصب سياسية او لعب دور سياسي رفيع المستوى.

ورب تساؤل مشروع يواجه القارئ: كم مرجعية لدينا بعد السؤال من هي المرجعية وما هو دورها؟ فللشيعة مراجعهم، وللسنة ايضاً وللمسيحيين بمختلف طوائفهم مراجعهم وكذلك لليزيديين والصابئة وغيرهم.

ومع افتراض الاعلمية والزهد والحيدة في المرجعية، ماذا لو تدخلت بالشأن السياسي وروجت لهذا الفريق او لتلك المجموعة او لذلك الشخص؟ ولعل هناك الكثير من الانتقادات التي وردت خلال انتخابات كانون الاول  2005، يوم استخدم اسم السيد علي السيستاني وصوره، ولم يكن النفي او التنصل من دعم تلك القائمة بمستوى المسؤولية التي ترتبها مكانة المرجعية! وفي كل الاحوال لا يمكن استخدام المقامات المرجعية والحوزات العلمية للدعاية السياسية او الترويج لهذا الحزب السياسي او ذاك. ثم كيف يمكن التعامل مع المرجعية لو حمت "المفسدين" أو لم تتصدَ لهم خصوصاً الذين تلاعبوا في السابق والحاضر بحقوق الدولة والمجتمع والناس واموالهم

وماذا لو تقاعست المرجعيات عن شأن كبير وخطير يتعلق بمصير الوطن مثل الموقف من الاحتلال ومقاومته!؟ وماذا لو كانت تقديراتها غير صائبة او خاطئة وقد سبق للمرجعية ان اتخذت مواقف اثارت انقساماً في الشارع العراقي؟ طالما اننا بشر ضعفاء يمكن ان نخطأ، ولعل تقصيرات او أخطاء من العيار الثقيل كما يقال ليست مثل التقديرات الخاطئة للاشخاص العاديين.

-7 الشخصية القانونية للعتبات المقدسة: على الدولة تأكيد حرمتها وصيانتها... ولعل هذا النص يستبطن هو الاخر مطالبات من بعض القوى الاسلامية "الشيعية " العراقية وغير العراقية بضرورة وضع العتبات المقدسة تحت اشراف دولي بما يؤدي الى ثلم السيادة العراقية. ومن المفارقة ان حكومات ما بعد الاحتلال هي الأكثر انتهاكاً لحرمة العتبات المقدسة، فهي التي طوقت مرقد الامام علي (ع) في النجف وقامت بمداهمة مجموعة السيد مقتدى الصدر في الصحن الحيدري الشريف وقصفت القادمين من ضريح مسلم بن عقيل في الكوفة. ولعل تلك المصادمات والانتهاكات تذكر بما فعله حسين كامل في حضرة الامام الحسين في كربلاء عام 1991.

ان العتبات المقدسة مرافق عامة لها خصوصية وقدسية لاوساط واسعة من المسلمين "عراقيين وغير عراقيين"، وعلى الدولة حمايتها ورعايتها وتطويرها وتحسين نظام الاوقاف الذي ألحقت به منذ العام 1973، ولكن، ويا للاسف الشديد، فان قسمة الحاكم المدني بول بريمر الطائفية امتدت الى وزارة الاوقاف فقسمتها بين "وقف شيعي" و"وقف سني" بعد ان كانت وزارة واحدة.

-8 التخوف من موضوع التوطين السكاني المخل بالبيئة الديموغرافية في العراق، (الفقرة ج من المادة الرابعة من الباب الثاني): الموضوع اذن لايتعلق بتوطين اتراك من تركيا او كرد من تركيا او ايران او سوريا او شيعة ايرانيين او بحرانيين او سعوديين، بل يتعلق بالفلسطينيين. وسبق ان أبدى البعض هلعاً من التوطين لانه سيؤدي الى تغيير التركيب الطائفي وليس  لاعتبارات مبدئية تتعلق بحقوق الشعب العربي الفلسطيني.

-9 حقوق المرأة، التي تكفلها الدولة طبقاً لاحكام الشريعة الاسلامية كما ورد في المسودة: وهي محاولة التفافية جديدة على القانون الرقم 188 لعام 1959 الذي منح حقوقاً واسعة للمرأة وجرت معارضته في حينها من أوساط دينية وتقليدية كثيرة. وتمت محاولات لإلغائه في مجلس الحكم الانتقالي، الا انها لم تتكلل بالنجاح. وقد صدر العديد من القوانين التي تنصف المرأة في العام 1975 لكنها جُمدت وأُبطل مفعولها بسبب الحروب والحصار، وأصدر النظام السابق العديد من القوانين المتخلفة التي مست حقوق المرأة بما فيها الاحكام المخففة لقتل النساء غسلاً للعار واعادة بعض الاعراف العشائرية البالية.

هناك حالياً مخاوف عديدة، منها: اخضاع حقوق المرأة وحريتها لتقييدات ترفع إسم الشريعة. وتدخل هنا أيضاً تفسيرات المفسرين وتداخلات المؤولين وبالتالي لن يكون موضوع الزواج والطلاق والارث بعيداً عن هيمنة رجال الدين بما يضيق على فكرة الزواج المدني والحقوق المتساوية الواردة في المعاهدات الدولية بخصوص حقوق المرأة ومنع جميع أشكال التمييز ضدها.

-10 الأقاليم واختصاصاتها: اعطى الباب الرابع (المادة الثانية) من مشروع الدستور حق محافظتين او اكثر تشكيل اقليم، ومنح الاقليم الحق بكتابة دستور والمصادقة عليه بالغالبية (المادة السابعة) كما اعطى لرئيس الاقليم حق تمثيل اقليمه في الخارج (المادة الرابعة عشرة). كان على المشترع تأكيد اختصاصات، اي حقوق إقليم كردستان وواجباته "بالاسم" لانه أمرُ واقعي وليس افتراضياً، بل هو قائم منذ سنوات فعلياً. وقد بلور الكرد مطالبهم على نحو واضح. ولعل النقاش والجدل ليسا حول المبدأ، بل حول حدود سلطات الاقليم وصلاحياتها واختصاصات هيئاته اللامركزية والسبيل الصائب لتسوية مشكلة كركوك المؤجلة. وعلاقة الاقليم بالسلطة الاتحادية.

اما الحديث عن فيديراليات وأقاليم لمحافظتين أو اكثر في ظرف ملتبس وفي ظل الاحتلال، فقد يعطي لبعض المغامرين والطامعين الفرصة لاستغلال هذه الظروف العصيبة، خصوصاً تصاعد الاحتقان والتوتر الطائفيين، لدفع الامور في اتجاه التشظي والتفتيت، بما يخدم خططاً صهيونية قديمة، خصوصاً ان تركة الحكم المركزي الشديد الصرامة والوطأة لا تزال كوابيسها ثقيلة وتجربتها مريرة.

ان شكل وصلاحيات النظام الاتحادي الوارد في المسودات وبناءها اقرب الى كيانات في طريق الانفصال او الانسلاخ او في أقل تقدير إن الامر سيكون ممكناً "لو" ارادت هذه الاقاليم ذلك، خصوصاً ان مشروع الدستور لا يتحدث بوضوح عن وحدانية التمثيل الخارجي والعلاقات الدولية والديبلوماسية، وكذلك ما يتعلق بموضوع الموارد والموازنة العامة والعملة، اضافة الى القوات المسلحة، بما يثير مثل هذه الشكوك!

ربما سيكون هذا اللغم الاخطر بعد الطائفية اذا استفحل وانفجر، والمسألة لا تتعلق بإقليم كردستان، وهو كيان قانوني وسياسي منذ قانون الحكم الذاتي لعام 1974 (رغم نواقصه وثغره الكبيرة) واستقلال ذاتي موسع وشبه كامل بين أواخر 1991 وحتى العام 2003، بل بدزينة الأقاليم المفترضة والمشاريع السياسية التي تقف وراءها!

الدستور "الدائم" زاد مشكلة الحكم العتيقة تعقيداً وزرعها بالشك والريبة والنصوص الملتبسة!

عبد الحسين شعبان