دولة عراقية تقودها دولتان داخلها

منير شفيق  - السفير

 

ارتفع في الاسبوع الماضي سؤال مدو في سماء بلاد الرافدين والعرب والمسلمين: البرزاني والحكيم الى أين هما ذاهبان بالعراق ومن ثم بالعرب والمسلمين؟
فالذي يقرأ تصريح السيد مسعود البرزاني، وليس جلال الطالباني منه ببعيد، يقفز الى ذهنه فوراً ان مطلوبه إقامة دولة كردية منفصلة عن العراق حتى لو بقيت داخله اسما. وإلا ما معنى أن يرسم خريطتها قدر ما استطاع أن يمضي قلمه بحدودها (وحجته مرحلة من التقسيمات الادارية العثمانية)؟ وما معنى أن يطالب باعتبار البشمركة (الميليشيا الكردية) جيشها مع رفضه لهوية العراق العربية والاسلامية، ثم التأكيد على حق تقرير المصير والانفصال (يُشوّه هذا المبدأ حين يطبق على الاثنيات في كل بلد) باعتباره الهدف الكردي المنشود؟
وقبل أن تنطلق ردود الفعل على هذا التقسيم للعراق ونسف هويته الموحدة، أطلق السيد عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس الاعلى <<للثورة الاسلامية في العراق>> تصريحاً من الجنس نفسه، اذ حاكى بالضبط كل ما قاله البرزاني في مفهوم الفيدرالية محولا الى شعار طائفي ضيق، فضلا عن التنصل من عروبة العراق وضرب وحدته الاسلامية. وهو بهذا يكرس الفيدرالية الكردية بشروطها الانفصالية وبخريطتها المفروضة فرضاً، مما يفتح باباً عريضاً للاقتتال. فخلاصة موقفه ان تقوم فيدرالية تشمل محافظات الوسط والجنوب على أساس الاغلبية الشيعية، وبكل الشروط التي وضعها البرزاني للفيدرالية الكردية، أي دولة قائمة بذاتها تمتلك، في ما تمتلك، ثرواتها الطبيعية والنفط أساساً.
ولهذا فهم كل من قرأ الموقفين منهما أن العراق دخل في مرحلة التقسيم المعلن الذي يراد تكريسه في الدستور وليس التقسيم الواقعي كما صممه بول بريمر، أو بعبارة اخرى أعلن التقسيم والحروب الاهلية والفتن. الامر الذي يغذي توجهات <<القاعدة>> في بلاد الرافدين وممارستها. وقد جعلت من أهدافها إشعال النار بين السنة والشيعة، كما العرب والاكراد. لكن الاخطر التقاطع مع مخططات صهيونية قديمة جديدة تنكر وجود هوية عربية وإسلامية للمنطقة وتعتبرها فسيفساء (موزاييك) من طوائف واثنيات وجهويات. وقد أصبح هذا من أهداف الشرق أوسطية، ولو من دون إعلان صريح كما يجري في العراق الآن.
طبعاً لو سألت السيد عبد العزيز الحكيم إن كان يستهدف تقسيم العراق، أو إيقاع الفتنة بين السنة والشيعة، ليس في العراق فحسب، وانما ايضا على نطاق العالم الاسلامي، تداعياً وبالضرورة، لأنكر ذلك، كأن وحدة العراق، أو وحدة المسلمين، تقومان على الادعاء، أو النيات، فيما الممارسة تنطحهما في المقتل.
الى هنا يجب الانتقال فوراً لقطع الطريق على أي سوء فهم أو على أي انجرار وراء اثنية عربية، أو طائفية سنية، من الطراز نفسه. لان المعالجة والرد يجب أن يحصرا بالاحزاب التي تمثل توجهات البرزاني والحكيم وكل من ينضم اليهما علناً لا بالشبهة. فلا يصح اعتبار موقفهما هو موقف الكرد أو الشيعة، أو ايران جملة وإطلاقاً، وإلا دخل الرد والمعالجة في الفتنة من أوسع أبوابها. أما من الجهة الاخرى فينبغي لنا التفريق بين التشديد على الهوية العربية للعراق وما يجب أن يراعى من عدالة وحقوق ومساواة للقوميات الاخرى فيه، كما يتوجب التفريق الشديد بين العصبية الطائفية والمذهبية الاسلامية، اذ يخطئ من قد يقرن بين طائفية حزب المجلس الاعلى بالمذهب الشيعي، بل ربما كان داخل ذلك الحزب نفسه من يعارض تلك الفيدرالية. وبكلمة، حذار من التعامل مع أتباع المذاهب والقوميات كما لو كانوا كتلة واحدة، أو حتى لو حازت الاتجاهات المنحرفة أغلبية، أو بدا الامر كذلك. والآن، مع العودة الى محاولة فهم موقفي البرزاني والحكيم، يجب إن يلحظ إن توجههما لا يقتصر على تقسيم العراق بين سنة عرب وشيعة، أو بين سنة عرب وأكراد، كأن الشيعة فيه ليسوا في أغلبيتهم الساحقة عرباً، أو كأن الاكراد ليسوا في غالبيتهم الغالبة سنة. وذلك لان توجههما يستهدف، في الآن نفسه، إن أمكن، السيطرة على العراق كله، وإخضاع السنة العرب وكل من يخالفهما من كرد وشيعة وقوى وطنية وعروبية وإسلامية ويسارية وديموقراطية إخضاعاً بالغلبة والقهر والسيف والسجن، ولا تسل عن التعذيب والتنكيل. وهو ما يتعاونان به مع قوات الاحتلال الاميركي حتى الآن. فالسعي للسيطرة على الدولة المركزية وأجهزتها ووزاراتها ليس بخاف على أحد. فالمسألة ليست مسألة تجزئة وتقسيم وفتنة فحسب، وانما هي، في المرحلة الراهنة، تقسيم واستيلاء على الدولة. أي تمزيق للعراق من جهة، وحكم طغيان <<موحد>> له ضد كل الآخرين من جهة اخرى. فالسيد مقتدى الصدر وحركته وعدد من علماء الشيعة مستهدفون بقدر استهداف هيئة علماء المسلمين والاطراف السياسية الاخرى المعارضة على اختلاف سياساتها وايديولوجياتها. وهو ما ينطبق على الداخل الكردي فضلا عن التركمان والاشور وغيرهم كذلك.
ولهذا يجب مواجهة مشروع الفيدرالية على تلك الاسس الكردية والطائفية كما حددها السيدان البرزاني والحكيم، بالمواقف الصحيحة الحازمة الواضحة والمتسمة بالحكمة والدقة. فهذان التوجهان القائمان على عصبية ضيقة عدوانية مدمران ليس للعراق وحده، وانما لكل المنطقة العربية والاسلامية. ويكفي أن نسأل ماذا سيحل في المنطقة إن عممت تجربتهما على كل اثنية أو مذهب أو جهوية في ايران وتركيا وأفغانستان وأي بلد عربي؟ وماذا سيحدث للوضع كله اذا تحولت تلك الفتنة الى فتنة على نطاق الامة وانتقلت نارها، بألوان مختلفة، الى كل بلد عربي وإسلامي؟ بل ومتى؟ في الوقت الذي تواجه فيه قضية فلسطين والقدس والمسجد الاقصى والشعب الفلسطيني ولبنان وسوريا أشد المخاطر، وتهدد فيه كل الاقطار العربية بالشرق أوسطية المصهينة. كما في الوقت الذي تتعرض فيه ايران للحصار والعدوان العسكري على منشآتها النووية. وبكلمة، ان العراق ليس جزيرة معزولة، ومن ثم فإن كل ما يحدث فيه ومن حوله سينتشر انتشار النار في الهشيم، ولات ساعة مندم حين ينفجر جنون العصبيات ويفلت الاستقواء بأعداء الامة، وتصغر السياسات والاهداف الى مستوى المكاسب الضيقة والآنية والصغيرة. هذا بالضبط معنى وصف هذين التوجهين المذكورين بالمدمرين للعراق وما حوله وأبعد فأبعد في الاتجاهات الاربعة. ويا للخراب إن تحولا الى وباء منتشر.
(
) كاتب فلسطيني