تشريع تقسيم العراق 

 عبد الباري عطوان  - القدس العربي

 


في نيسان (ابريل) عام 2003، وبالتحديد بعد اكمال احتلال القوات الامريكية للعراق، وعد الرئيس جورج بوش الشعب العراقي بأن بلدهم سيسير الي الأمام كدولة موحدة، مستقلة، ذات سيادة، تستعيد مكانها المحترم في العالم .
بعد عامين واربعة اشهر تقريباً، يجد العراقيون بلدهم مقسماً وغير مستقل، وفاقد السيادة، ويسير الي الأمام نحو التجزئة والتفتيت، وربما الحرب الاهلية بين طوائفه واعراقه.
والدستور الجديد الذي جري اقراره امس من قبل لجنة الصياغة، وقدم الي الجمعية الوطنية (البرلمان) هو تشريع لهذه النهاية المأساوية لبلد كان يشكل عامل توازن واستقرار استراتيجيين في اكثر مناطق العالم توتراً، واكثرها اهمية بسبب مخزون النفط الهائل في جوفها.
ادارة الرئيس بوش بررت احتلالها للعراق بأسباب عديدة، من بينها، او من اهمها تغيير النظام، ولكن ثبت انها لم تخطط فقط لتغيير النظام، وانما لتغيير جغرافية العراق وديموغرافيته البشرية، في اطار استراتيجية محسوبة بدقة، وهي استراتيجية تفكيك الدولة الأمة وتقزيمها حتي تتحقق اهداف العولمة في الهيمنة الاقتصادية والأمنية علي العالم. فالدول الصغيرة يسهل ربطها بعجلة التجارة الامريكية، وتظل في حاجة ابدية لحماية قوة عظمي أي القوة الامريكية الجبارة.
لم تتدخل الولايات المتحدة في منطقة من العالم إلا وعملت علي تجزئتها بطريقة مباشرة او غير مباشرة، ولن يكون العراق استثناء. فالتدخل الامريكي أدي الي انهيار الاتحاد السوفييتي، ومن ثم تفكيكه، والشيء نفسه حصل في يوغسلافيا (النيتو) والصومال وهايتي (دولتان فاشلتان) وافغانستان والعراق (علي طريق التفكيك والتقسيم بعد تحويلهما الي دولتين فاشلتين).
هناك استراتيجية خروج امريكية من العراق، يبدأ تنفيذها في العام المقبل، وقبل انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر). وحتي تنسحب القوات الامريكية من العراق لا بد من التقسيم الي ثلاث مناطق تحت ذريعة الفدرالية، كردية في الشمال وشيعية في الجنوب وسنية في الوسط، الأمر الذي يعني انتهاء المقاومة عملياً، او تراجع حدتها مثلما يتوقع واضعو هذه الاستراتيجية، بما يسهل انسحاب القوات الاجنبية الاخري.
 
الاكراد يريدون تثبيت مكسب الحكم الذاتي الذي حققوه بمساعدة امريكا والدول الغربية علي مدي الخمس عشرة سنة الماضية، وفرضوه كأمر واقع في الدستور الجديد باعتبارهم القوة المنتصرة المتحالفة مع القوة الغازية، وبعد النجاح في هذا الصدد، أي تشريع الحكم الذاتي بالنص الدستوري، ستبدأ الخطوة الثانية بالعمل علي توسيعه بحيث يشمل كركوك، حيث احتياطات النفط الهائلة، وبعد ضم كركوك يتم الانتقال الي المرحلة او الخطوة الثالثة وهي الاستقلال.
الاحزاب والجماعات الشيعية الطائفية، وبعد ان تحول الدكتور احمد الجلبي الي منظرها وفيلسوفها الطائفي، تريد الغاء المركزية العراقية كمقدمة لالغاء علمانيتها، واقامة حكم ذاتي شيعي في الجنوب، تماماً مثل الكردي في الشمال، وحكم جون قرنق في جنوب السودان، حيث الثروة النفطية الهائلة. وبعد ان يحقق الانفصال في اطار الفدرالية، وتتعزز السيطرة علي معظم الثروات النفطية يتم توسيع الكيان الجديد، ربما جنوباً نحو الكويت.
الجماعات والاحزاب السنية بدأت تفكر بطريقة طائفية ايضاً، بعد ان وجدت نفسها معزولة في الوسط، تحارب من اجل وحدة عراقية وحكومة مركزية قوية توفر لها جزءاً معقولاً من العوائد النفطية يريد الآخرون حرمانها منه.
التقسيم النفسي بين ابناء الشعب الواحد تكرس، تمهيداً للتقسيم الجغرافي، والطلاق النهائي، كل هذا في غضون عامين فقط من الاحتلال الامريكي. فالزواج المختلط بين الشيعة والسنة، وبين العرب والاكراد، بين الطوائف والاعراق مجتمعة او متفرقة اصبح الآن من المستحيلات، مثل الغول والعنقاء والخل الوفي ، بعد ان كان من مفاخر الوطنية العراقية قبل الاحتلال؟!
 فيروس التقسيم قطعاً سينتقل الي دول الجوار، مثلما انتقل اليها العنف والقلق من عراق الاحتلال. ومن المفارقة ان دولة مثل السعودية كانت من اكبر المشاركين في تدمير العراق بعد احتلال الكويت عام 1990، ومن أهم المتورطين في تسهيل احتلاله عام 2003، هي الأكثر عرضة لمثل هذا الفيروس بسبب فساد حكمها اولاً، وهشاشة وحدتها الداخلية، والسياسة التمييزية بين الاقاليم المختلفة في توزيع الثروات والسلطات. فالشيعة الذين يتربعون علي آبار النفط في المنطقة الشرقية هم الأكثر معاناة واستبعاداً من المشاركة في السلطة. والمنطقة الجنوبية (عسير) هي الأكثر فقراً، ولهذا كانت نسبة ابنائها في تنظيم القاعدة هي الأكبر. والشيء نفسه يقال ايضاً عن الحجاز.
الفدرالية العراقية التي تكرست اليوم في الدستور سابقة جديدة في المنطقة، فلا توجد مثل هذه الصيغة في أي دولة عربية او حتي اسلامية اخري، صحيح انها موجودة في دول مثل سويسرا والمانيا والولايات المتحدة، ولكن علينا ان نضع دولنا في مصاف هذه الدول اقتصادياً وديمقراطياً وعلمانياً، ونؤهل مواطنيها التأهيل الملائم، ثم نتحدث عن الفدرالية.
الرئيس بوش وصف امس اقرار مسودة الدستور العراقي بأنه مصدر الهام لانصار الديمقراطية، واضاف انها وثيقة يمكن للعراقيين وباقي العالم ان يفخروا بها .
من الطبيعي ان يردد الرئيس بوش هذا الكلام، بعد ان أراق ماء وجهه وهو يستجدي الاطراف العراقية لاقرار مسودة الدستور قبل انتهاء المهلة المحددة حتي لا تفشل خططه في الهروب المبكر من العراق، وعلي أمل انقاذ ما تبقي من شعبيته المتهاوية، بعد ان بات اكثر من نصف الشعب الامريكي يعتقد انه خدع، وان الحرب علي العراق لم تكن ضرورية، علاوة علي كونها فاشلة.
ليس غريباً ان يناقض الرئيس بوش نفسه ويلحس كلماته حول وحدة العراق وسيادته، ألم يعلن انتهاء الحرب، ألم يقل ان العراق سيكون افضل بعد تغيير النظام، ألم يقل ان العالم سيصبح أكثر أماناً، ألم يبشر بانتهاء الارهاب والقضاء علي تنظيم القاعدة ؟
الاجابة علي كل هــــذه الاسئــــلة مكتــــوبة عـــــلي الحائط وبخط كبير جداً.