في خوض الحرب السابقة... اللاحقة

ياسين الحاج صالح     الحياة     - 28/08/05//

أجواء سورية اليوم تذكر باجوائها في أواسط السبعينات. كانت السنوات الأربع أو الخمس الأولى من عهد الرئيس حافظ الأسد سنوات لا تفتقر إلى ديناميكة سياسية داخلية. تأسست "الجبهة الوطنية التقدمية"، و"مجلس الشعب"، ووضع دستور عام 1973، وخيضت حرب تشرين (أكتوبر) تلتها حرب استنزاف دامت حتى أيار (مايو) 1974. ادلهمت أجواء البلد منذ بداية النصف الثاني من السبعينات. جرت اعتقالات لم تقتصر على جناحي حزب البعث الآخرين، الموالي لعهد 23 شباط(فبراير) والموالي للقيادة القومية، وشب الفساد بسرعة قويا مرهوب الجانب، وقفز عدد المليونيرات إلى 2500 بعد أن كان 55 في 1963، عام استولى حزب البعث على السلطة (تشكلت لجنة للكسب غير المشروع عام 1977 لم تلبث أن وجدت أن من الأسلم لها إطباق غطاء القدر). في المشهد أيضا، حضور اكثف للتقارير في الحياة العامة وللمخابرات في الجامعات، تبعيث أوسع للتعليم، تاسيس منظمة طلائع البعث، بروز حضور ودور ميليشيوي لـ"سرايا الدفاع" في الشارع بدمشق. الحدث المفصلي في هذه المرحلة هو التدخل السوري في لبنان صيف 1976: مفصلي بمعنى أنه كان نقطة اللاانعكاس في التحول نحو مرحلة جديدة في الداخل والخارج: توسع نوعي متواقت في سياسة القوة حيال الداخل السوري والخارجين الفلسطيني واللبناني، بموازاة انغلاق وفساد متزايدين. شهد العام ذاته أول الاغتيالات التي قامت بها الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين (كانت تُنسب وقتها للنظام العراقي). ومعلوم أن هذه التطورات ساقت البلاد صوب انفجار خطير بدءا من أواخر السبعينات، انفجار لم تُمح آثاره حتى اليوم، ولم تُعالج.

مظاهر التماثل بين مفصلي 31 أيار 1976 و26 نيسان (ابريل) 2005 وفيرة. شهدت السنوات الخمس الأولى من عهد الرئيس بشار الأسد دينامية داخلية، ثقافية وسياسية، معقولة بالمقياس السوري. المبادرة فيها كانت للمعارضين والمستقلين الذين سجلوا حضورا ثقافيا وإعلاميا لا باس به. لم تخل السنوات الخمس المنقضية من قمع لكنه بعيد جدا عن الأرقام القياسية للعقدين الأخيرين من القرن العشرين. كذلك تدلهم أجواء البلاد الداخلية اليوم. فقد عادت الاعتقالات مجددا، وبحرص وسواسي تفرق السلطات تجمعات السوريين العلنية المنزلية. وتعيد إلغاء هوامش الاجتماع والتعبير المستقل التي مكّنت سورية من الارتفاع إلى خط الفقر السياسي. الفساد القوي صار اقوى. ولا يبدو ان النظام يتوفر على خطة فعالة لمعالجة الشكاوى الكردية او للملفات الموروثة عن نزاع أواخر السبعينات. وفي الأصل يبدو لنا أن ما يجعل النظام يكرر سيرة سلفه هو أنه لم يحرر نفسه ولا البلاد من ذلك الميراث.

من وجوه التقارب الطريفة بين المرحلتين ايضا ان منتصف السبيعنات شهد تجمعات ماركسية متنوعة مثلت الموجة الأخيرة من تثوير العقيدة الشيوعية. اليوم تشهد سورية تجمعات متنوعة تحمل إيديولوجية زمنها، ليبرالية، لكنها تُظهر نزعة عقيدية ورسولية لطالما ميزت سالفاتها الماركسيات.

الحدث المفصلي في المرحلة الجديدة هو الانسحاب السوري القسري من لبنان، كما كان الحدث المفصلي في المرحلة السابقة التدخل السوري في لبنان. على أن الانسحاب من لبنان يتخطى كونه محض بداية مرحلة، وإنما هو مبدأ تفسير جملة الإجراءات التضييقية التي تلته. فنزع المساحات التي استحوذ عليها النشاط المعارض والمستقل خلال السنوات الخمس الماضية يمثل بديلا أو تعويضا عن لبنان. وإعادة احتلالها هي في الوقت نفسه إعادة بناء هيبة النظام بعد الهزة اللبنانية. هذا علما أن معظم الطيف السوري المعارض كان في السنوات الأخيرة ضد الوجود السوري في لبنان، داعيا للانسحاب منه. كذلك فإن الشكوى من اجتماع إسلاميين سوريين في لبنان، مغرضة أم صحيحة، تلقي ضوءا على منطق ووظائف الوجود السوري المديد فيه: تأمين النظام ونقل خطوطه الدفاعية إلى خارج سورية.

الشيء الذي يبدو غريبا هو أن النظام مقدم على الموجة الحالية من احتلال المجال العام و"تحريره" من كل نشاط معارض ومستقل بثبات و"روح كفاحية عالية"، بل ربما بسعادة. لا يمكن أن يصدر هذا الشعور عن مجرد ثقة النظام بقدرته على "التحرير"، فلم يكن ذلك يوما موضع شك. يخيل لنا أن سبب الاندفاع هذا اعتقاد النظام بان هذه لعبته، وأنه سيفوز فيها كما فاز في سابقتها قبل ربع قرن، وأن مقامه سيهنأ بعدها كما هنئ مقام سلفه طوال عقدي القرن العشرين الأخيرين. بعبارة أخرى، يعتزم المقررون السياسيين خوض الحرب السابقة التي فازوا فيها. فالحروب تجدد الشباب وتمنح فسحة زمنية بلا قلق ولا منازعين.

لكن خوض الحرب السابقة هو السبب المألوف لهزيمة القادة العسكريين حسب قول انكليزي حكيم. ذلك أن الخطر لا يأتي من الجهة ذاتها مرتين، والخطط ذاتها لا تصلح لمعركتين في وقتين، وتكرار الشيء الناجح هو الوصفة المثلى للفشل.

والحال، رغم ما رصدنا من تقاربات، فإن سورية ما بعد الانسحاب من لبنان مختلفة كل الاختلاف عن سورية ما بعد التدخل في لبنان قبل ثلاثين عاما تقريباً: غاب الاتحاد السوفياتي؛ دول عربية متعددة تقيم علاقات مع إسرائيل التي تحولت من كونها أقوى من الدول العربية أجمع، إلى حيازة موقع امبراطوري فرعي في المنطقة (بالتنسيق دوما مع السيادة الإمبراطورية العليا في واشنطن)؛ أميركا تحتل العراق، وتهدد سورية بين وقت وآخر؛ علاقات سورية مع الغرب متدهورة، ومع الدول العربية فاترة؛ معدل النمو الاقتصادي متدن جدا بالقياس للنصف الثاني من السبعينات (حوالي 2 في المئة حاليا و7 في المئة في أواسط السبعينات)؛ ثمة مشكلة كردية كما ذكرنا، وهي في موقع موضوعي يناظر موقع الإسلاميين قبل ثلاثة عقود. هذا دون أن نتطرق للتحقيق الدولي في اغتيال الرئيس الحريري.

نعم، سورية 2005 مختلفة جدا عن سورية 1976، لكنها تتجه إلى أن تشبهها كثيرا من جهة علاقة السلطة بالمجتمع والمعارضة وموازين القوى بين الطرفين. ولعل الشبه هذا هو ما يشجع النظام على خوض الحرب السابقة. وهو أيضا ما يجعل الخشية من السير نحو أزمة متفجرة أمرا مبررا. لكن من المستبعد أن تكون النتيجة هي ذاتها هذه المرة. فالتاريخ لا يعيد نفسه، وإن فعل فكما أعاد نابليون الثالث سيرة نابليون بونابرت.