أميركا - سورية ومربع الخطر: من يحارب الآخر وما هو السيناريو؟

عماد يوسف      الحياة     - 25/08/05//

يمكن الحديث عن تشابكات ومشتركات كثيرة في العلاقة بين أميركا وسورية، تجعلها مدعاة للشك والريبة في آن، فكل من أميركا وسورية يحتاج الى الآخر. الأولى في حاجة إلى سورية لتثبيت الاستقرار في المنطقة. ولا تستطيع سورية، بدورها، أن تكون أداة لهذا الاستقرار بيد أميركا من دون دور فاعل لها فيه، تحمي من خلاله مصالحها الاستراتيجية والقومية. والثانية (أي سورية) في حاجة الى أميركا لتثبيت دعائم نظامها الشمولي إلى أجل غير مسمّى مع ما يفترض ذلك من مراعاة لمصالح هذا النظام المحلية والإقليمية، وخصوصاً التوازن الاستراتيجي السلمي مع إسرائيل، وهذا لا يحصل من دون مباركة ووصاية أميركية ناجزة.

أميركا، في حاجة إلى الاستقرار في العراق ولبنان وفلسطين، وهذا لا يحصل من دون مباركة سورية ناجزة. وسورية في حاجة إلى أميركا لتخفيف الضغط الدولي الذي يعوق مسيرة التطوير والتحديث التي أطلقها الرئيس بشار الأسد وأقرّها مؤتمر حزب البعث العاشر في حزيران (يونيو) من هذا العام. وأميركا في حاجة إلى سورية لتخفيف الاحتقان في المنطقة، خصوصاً لدى الفصائل الدينية الأصولية والتيارات الفلسطينية وحزب الله وبعض التيارات الإسلامية الأخرى.

سورية لا تستطيع أن تحارب أميركا عسكريًا، لأنها لا تمتلك القوة والوسائل، وأميركا لا تستطيع أن تحارب سورية عسكرياً، لأنها تضع نصب عينيها درس العراق القاسي وبحر الدم الذي تسبح فيه، ولأن سورية ستكون أعقد وأشد مرارة بكثير من العراق، لأن مقوماتها أكبر وأعمق، ولا تقترب من التوصيف العراقي بحال من الأحوال، ففي العراق أرادت أميركا احتلالاً رسمياً، أما في سورية فتريد أن تلعب سياسياً. المطالب في العراق عسكرية: أسلحة دمار شامل، تهديد إقليمي، أسلحة كيميائية، خطر استراتيجي. أمّا في سورية فالمطالب سياسية: اتهامات بزعزعة الاستقرار في المنطقة، وتكريس الفوضى في لبنان، التعدّي على الديموقراطية اللبنانية، التدخل في الشؤون الفلسطينية، دعم المنظمات الإرهابية. اللعب في سورية سياسي، واللعب في العراق عسكري، وتعاطي سورية مع أميركا ديبلوماسي، أما تعاطي الأميركيين فديبلوماسي سياسي. أميركا تمتلك أوراق قوة ستؤثر في حال استخدامها سلباً على أميركا نفسها وعلى الشارع الأميركي، وسورية تمتلك أوراق قوة ستؤثر في سورية وشعبها في حال استخدامها، من مبدأ عليّ وعلى أعدائي. البـَلدان متجاوران لمسافة تزيد على 600 كيلومتر، وكل منهما يقع على حدود حليف الآخر، سورية تحدّها من الجنوب إسرائيل، الحليف الإستراتيجي لأميركا والتي تمتلك السلاح النووي، وأميركا (الاحتلال في العراق) تحدّها من الشرق إيران الحليف الاستراتيجي القوي لسورية والذي يمتلك برنامجًا نووياً (وقد يكون يمتلك سلاحاً نووياً أيضًا). البلدان الأربعة: أميركا، إسرائيل، إيران، سورية، تحكمها سلطات راديكالية. أميركا يحكمها المحافظون الجدد، وإسرائيل حزب الليكود اليميني المتطرف بزعامة شارون، وإيران (حديثاً) التيار المحافظ الثوري الراديكالي، وسورية حزب البعث الراديكالي. فمَن يحارب مَن؟

هل هناك طرف قوي وآخر ضعيف في هذه المعادلة الصعبة. لا شك في أن الأطراف الأربعة تعي تمامًا المشتركات في ما بينها، وهذا يفسر تصعيد كل طرف على حدة باتجاه الآخر، فتصريحات إسرائيل تقابلها سورية بتجارب لإطلاق صواريخ سكود، نظام الدفاع الاستراتيجي الذي بناه الرئيس الراحل حافظ الأسد في مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي. أما التصريحات الأميركية فتقابلها سورية بقطع علاقات التعاون مع الجيش الأميركي ووكالة سي آي إي الأميركية، كما صرّح سفير سورية في أميركا الدكتور عماد مصطفى، يقابل ذلك تصريحات إيران على لسان رئيسها المنتخب حول عدم ضرورة العلاقة مع أميركا، وأنها لا تعني شيئًا لإيران وللشعب الإيراني، وستسير إيران قدمًا في تطوير برنامجها النووي. أما قانون معاقبة سورية، فيزدري به السوريون ويدّعون بأنه لا يؤثر، وأن سورية لا تستورد شيئاً من أميركا، وانها تسعى إلى تحسين صورتها لدى الاتحاد الأوروبي ودول الجوار، مثل تركيا، والعراق أخيراً، في محاولة لقطع الطريق على التضييق الأميركي.

مسرح الأحداث مشترك: العراق ولبنان، وبين الفصلين الأول والثاني هناك استراحة للمشاهد، يخرج خلالها الصحافيون لتناول الشاي في البوفيه، وربما مع قطعة من الكرواسان الفرنسي الشهير، ومن ثم تكون العودة، لمتابعة الفصل الثاني من المسرحية.!

المتفرجون، هم بسطاء القوم: سياسيون صغار، ومثقفون ينظرون إلى السياسة من ثقب إبرة، ينسجون الكثير من الأثواب بألوان تناسب مشارب كل منهم وانتماءه السياسي، وفي النهاية لا تأتي هذه الأثواب على مقاس أحد، وتبقى أسيرة الرفوف الخشبية المهترئة، الجميع يبحث عن مصلحة الجميع، في إطار الجميع. من لا يستطيع القراءة جيداً، وهم كثر، يعتقد نفسه محمياً من أميركا، لا ترضى له الذلّ والإهانة ولا لأحد غيره من بني المشرق العربي، وهي راعية الحقوق، ومورقة الأغصان الذابلة، فيمتطي هذا صهوة مهرته الديموقراطية، ملبياً نداء حمّيته في الدفاع عن الظلم والمظلومين، متسلحًا بالضغط البوشي الذي يصل إلى درجة إخافة الأنظمة العاتية، فيذهب المسكين وحيدًا على مهرته، ليكتشف بأن شرطيًا متواضعًا في هذا النظام القمعي يحطم على صخرة الواقع كل خطابات بوش الحقوقية، وصرخاته الديموقراطية الحنون لشعوب المنطقة المسكينة التي تنتظر هذا المّبشر السامي ليأتيها بإملاءات الأبجدية الديموقراطية، على رغم أنوف سلطاتها الدكتاتورية، وما حصل في ليبيا يقارب قولنا، فعندما تخلى القذافي عن برنامج أسلحة الدمار الشامل، أعفته أميركا من كل الاستحقاقات، ما له وما عليه، وما لشعبه، وما إليه. أما في العراق، فالحكم ديموقراطي بحسب الطائفة، وكل في طائفته مشروع لقوم يتفكرَّون، أمّا الانتماء العرقي فهو أساس بناء الأمم، وهكذا بنيت أميركا وحضارتها، فاليابانيون لهم دولتهم في أميركا، والصينيون والعرب أيضًا وغيرهم، لكل دولته الداخلية بحسب قوميته الأصلية، لا جنسية واحدة للأميركيين، والعراق يجب ألا تكون له جنسية واحدة أيضاً، يجب أن يكون آشورياً، وكردياً، وعربياً، وشيعياً، وسنياً، وكلّ في بقعة أرض صغيرة يسبحون.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل هناك حرب بين سورية وأميركا؟ وإلى أي مدى يتقن كل من طرفي النزاع توظيف أجهزته المخابراتية في خلق هذا التوتر بين البلدين؟ وإذا كانت هناك فعلاً حرب بين الطرفين، لماذا لا يبدأ كل منهما باستخدام أوراقه في معركة تبدأ في يوم أسود، لتنجلي في يوم رمادي من أيام مشروع الشرق الأوسط الكبير؟ لنتخيل مثلاً أن السوريين قرروا أن يلعبوا وفق مبدأ عليّ وعلى أعدائي، وتقرر دليلة أن تقص شعر شمشون، فيبدأ المربع الكبير بالاشتعال، من جبال طوروس شمالاً، إلى قطاع غزة جنوباً، ومن لبنان غربًا إلى إيران شرقاً، حيث تلتهب نار الصراعات الإثنية والطائفية، والدينية، والعسكرية بين الأميركيين وشعوب هذه المنطقة ومجاهديها، من ظواهري وبن لادني وبعثي وغيرهم، فمن سيكون المستفيد من كل هذا، وهل سيشعر العالم بالطمأنينة والسلام حينذاك، أو سيقوم الشارع الأميركي، والأوروبي، والحكومات والعالم العربي والإسلامي وشعوب الشرق وقفة واحدة لوقف هذا الصراع وإخراج أميركا إلى ديارها تجر ذيول الخيبة والعار؟ قد يبدو الأمر أكثر تعقيدًا حتى نجد له سيناريو أفضل، وقد يكون هذا السيناريو الوحيد الذي يعيد العالم إلى لوحته الحقيقية الأساسية، وهي إن الحلول الجزئية لا تنفع في هذه المنطقة المنكوبة من العالم، ولن تنفع فيها سياسات الحل الأحادي الطرف، وأن الصراع المزعوم بين أميركا وسورية، هو صراع بين ندّين قويين، كل منهما يعرف كيف يصطاد الآخر ونقاط ضعفه. أميركا لم يتوافر لها بَعْدُ البديل عن نظام البعث الدكتاتوري العلماني، وقد يتوافر بديل سياسي في غضون ثلاث سنوات. وسورية ليس لديها بديل عن نظام بوش، وقد يتوافر ذلك في غضون ثلاث سنوات، حين تنتهي ولاية السيد بوش، وتذهب أحلام المحافظين الجدد لتنازع على شواطئ البحر المتوسط من دون أن تستطيع اصطياد السمكة الكبيرة.

كاتب سوري. ناشط لجان إحياء مجتمع مدني.