نحو حوار "علماني" بين الأديان  

 محمد عبد المطلب الهوني - النهار

حاولت من خلال هذه الورقة أن أجيب على سؤال: "كيف يمكن تضييق الهوّة سواء بين المسلمين او بين المسلمين ومنظور الآخرين للاسلام؟".

إن تضييق الهوّة بين المسلمين من جهة وبينهم وبين الآخرين من جهة أخرى هو من أجل العيش المشترك، ومن اجل إمكان التعايش البشري في عالم يكون أكثر أمناً او أقل خطراً على الاقل. هذا الهدف النبيل قد يكون اليوم موغلاً في المثالية في العالم الاسلامي، يعود ذلك الى أن الافكار الرائجة اليوم في هذا العالم، او في جزء كبير منه، لا تلتفت الى هذا المطلب الانساني لأنه يتعارض مع واقع اختطاف الاسلام واستعماله في تجييش الجماهير من أجل النضال الديني السياسي، وواقع توظيف المقولات المقدسة وقلب الشعائر الى شعارات نضالية. هذه هي سمة المجتمعات الاسلامية وغالبية الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين فيها.

واذا أردنا أن نتعرّف على عمق الهوّة التي تفصل بين المؤمنين بديانات مختلفة من الجانب الاسلامي، فإننا نلحظ أن المسلمين اليوم لا يعترف بعضهم ببعض، فهم يسمّون الاديان الاسلامية مذاهب، بالرغم من وجود ديانات اسلامية كبرى مثل الديانة السنية والديانة الشيعية والديانة الخارجية على سبيل المثال. وكل هذه الاديان الاسلامية تحتوي على مذاهب متعددة. فعدم الاعتراف بوجود أديان اسلامية متعددة هو نوع من إنكار الواقع والوقوع في فخ الاختزال المهيمن، الذي يفضي الى مزيد من الإقصاء المتبادل، ويقف حجر عثرة أمام الاعتراف بالآخر المختلف داخل الأسرة الدينية الكبرى.

إن اساس التآخي بين الديانات يبدأ من الاعتراف المتبادل بين الاديان التي تنتمي الى العائلة الدينية نفسها. ومن هنا يمكن الانطلاق الى تسامح أرحب يشمل التسامح مع الاديان الاخرى (...) فعن أي ديانة واحدة وعن أي تسامح؟

السؤال الملحّ اليوم هو: كيف يمكن للديانات الاسلامية أن تتهادن وأن تتحاور وتتصالح مع نفسها قبل أن تتجه الى الأسر الدينية الاخرى، من أجل الهدف نفسه؟

اذا ألقينا نظرة فاحصة الى التاريخ الاسلامي، تبيّن لنا أن نشوء هذه الديانات في الاسلام كان نتيجة الصراعات السياسية الدامية، ونتيجة محاولة كل فئة الهيمنة على الاخرى باستعمال العنف المبرّر بمقولات دينية تم تأويلها فقهياً لخدمة السياسة. وقد تراكم هذا الفقه بتراكم العداء حتى أصبحت للفرق والنحل كل مقومات الديانة التامة.

ونحن نرى أن المصالحة لن تكون الاّ باخراج الديانات من المعترك السياسي والكفّ عن استعمال طريق النجاة الآخروي وربطه بفكرة الانعتاق السياسي الدنيوي. في هذه الحالة فقط يمكن أن تكون لفكرة الحوار بين الاديان معنى. غير أن هذا الحوار وهذه المصالحة لا تعنيان جَبّ دين لآخر، بل اعتراف كل طرف بعقائد الآخر واحترامه اياها.

فأول امتحان لنا كمسلمين بالمعنى الواسع المتعدّد لهذه الكلمة هو أن نتصالح مع أنفسنا وأن نتبادل الاعتراف بتغايرنا، قبل أن نلج باب الحوار مع الاديان الاخرى، لا كما فعلت الى حدّ ما الكاثوليكية في المجمّع الكنسي الثاني، فهي تتحاور مع الديانة الاسلامية وترفض الحوار مع الديانة البروتستنتية.

أما التقارب بين الديانات الاسلامية وما عداها من الديانات الاخرى، فهو هدف يبدو بعيد المنال في الوقت الحاضر.

بادئ ذي بدء، يجب على رجال الدين والقائمين على شؤون المقدس أن يكفّوا عن عقد المؤتمرات وإجراء الحوارات التي تفوح منها رائحة النفاق والرياء. فكثير من الشيوخ المسلمين يذهبون كل يوم الى هذه اللقاءات ويخرجون من عمائمهم حمائم السلام والمحبة، بتوظيف أجمل ما في القرآن من آيات التسامح، ثم ينقلبون الى بلدانهم ويخرجون من العمائم نفسها صقوراً جارحة، بتأويل آيات أخرجوها من سياقها التاريخي المخصوص وأطلقوها لتلتهم حمائم مؤتمرات التسامح.

إنهم يقتلون آيات التسامح بآيات السيف نسخاً. وهذه المسرحية الهزلية يجب أن تتوقف، وعلى السيزيف الاسلاموي أن يتدحرج مع صخرته العبثية الى الجحيم والى الابد.

اذا أراد الدعاة والفقهاء والوعّاظ الحوار حقاً، فعليهم أن يكونوا صادقين مع أنفسهم، وأن يرسوا في أوطانهم آيات التسامح ويذيعوها بين الناس، وأن ينتقدوا فقه العصر الوسيط ويموضعوه ضمن شرطه التاريخي، ويزيلوا صفة القداسة عن آراء الفقهاء، ويشجعوا البحث المعتمد على كل الاسلحة المعرفية التي لم تكن متاحة في عصر القدامة، وإنما هي ثمرة التراكم المعرفيّ الحديث.

إنني أقترح على شيوخ الاسلام وفقهائه والمشتغلين بعلومه برنامجاً غير مكتمل، أطرحه للنقاش من أجل أن يتبلور ويتّضح:

1- مراجعة الفقه القديم، واعادة النظر في احتكار طريق النجاة. فالمسلمون في مماحكاتهم مع الاديان الاخرى يقولون إنهم وحدهم على طريق الخلاص، ثم تنحسر هذه الطريق في ما بينهم، فتقتصر على ما يسمّونه الفرقة الناجية، وهي فرقة واحدة، وما عداها ففرق ونحل وديانات سائرة على طريق الضلال. فالفقهاء يعتبرون الاديان التوحيدية الاخرى شرائع تمّ نسخها بالشريعة الاسلامية، ويعتبرون الديانة الاسلامية وحدها جديرة بالاتباع، لأنها الديانة التي آمن بها كل الرسل منذ ابرهيم.

وهذا الامر يذكّرنا بالمقولات المسيحية القديمة التي كانت ترى أن لا خلاص خارج الكنيسة. فكيف يمكن المؤمن الذي يعتقد هذا الاعتقاد ويعتبره من صلب إيمانه أن يعترف بالآخر، والحال أنه لا يعترف بالآخر الا اذا آمن بما يؤمن؟ أي حوار بين الاديان يمكن أن يعطي ثماره دون اعادة النظر في هذه القضية بدل التغاضي عنها؟

2-  في كل هذا العالم المعولم، كيف يمكن أن نكرّس فقه تقسيم العالم الى دار الكفر ودار الاسلام، دار الحرب ودار السلام؟ إن هذا التقسيم الذي لا يزال يدرّس في معظم البلدان ولا يزال الدعاة والوعّاظ يردّدونه على مسامع الاجيال الصاعدة، وعلى الاخص اولئك الذين يعيشون في المهجر، سوف يخلّف اجيالاً من المسلمين تنظر الى الآخر نظرة عدائية وتعتبره هدفا للتدمير في اول فرصة سانحة. كما انها تخلف اغترابا للشباب المسلم المهاجر في الدول الغربية، وتضع بهذا الفقه عوائق حقيقية تحول دون اندماج هؤلاء المهاجرين وابنائهم داخل تلك المجتمعات.

ولذلك وجب على الفقهاء الخروج من شرنقة الفقه التقليدي، ووجب عليهم ان يعترفوا بالمواطنة ويفرقوا بينها وبين مسألة الهوية الدينية، باعتبار الاسلام دينا لا وطنا، ووجب عليهم ان يجعلوا المواطنة هي الاساس في التعامل مع المجتمع، بحيث تبقى الهوية مسألة فردية لا يكون التمسك بها عائقا في سبيل الاندماج في الاوطان الجديدة.

-3 ان اعتراف المؤمن بالديانات الاخرى يجب عدم حصره في ما يسمى الديانات التوحيدية، وانما يجب تعميمه على كل الديانات القائمة في العالم.

والملاحظ ان الديانة الكاثوليكية بالرغم من اعترافها بالاديان التوحيدية في المجمع الكنسي الثاني، فانها لم تكمل الطريق حتى الآن، ولم تعترف بكل الاديان الاخرى كالهندوسية والبوذية.

-4 يجب التركيز على تربية النشء في المدارس والمعاهد ووسائل الاعلام، بحيث تحذف من مناهج التعليم كل المقولات الفقهية التي تحض على عدم التسامح وعلى الكراهية. ويجب الاتجاه الى تعليم تاريخ الاديان المقارن، الذي يعلم النشء نسبية الظواهر الدينية، حتى ينشأ جيل من المسلمين ينظر الى العالم نظرة واقعية، فلا يعادي البشر من اجل معتقداتهم، وانما يعادي ويصادق ويتحالف حسب المعطيات الموضوعية والسياسات الواقعية، وحسب مبادىء حقوق الانسان وما تنص عليه المواثيق الدولية.

-5 يجب التخلي عن خوض في المناقشات السجالية بين الاديان لاثبات صحة هذا الدين او بطلان ذلك الدين. فهذه المساجلات ولت مع العصور الغابرة، وان اطلالها الآن لا يعني غير امر واحد هو شعور المساجل في بلداننا بالدونية في المجالات العلمية والتقنية، وقيامه بعملية اسقاط تعويضي، وكأن لسان حاله هو: "بالرغم من تخلفي العلمي والتقني فانني امتلك الدين الحق، والاخلاق الافضل". هذا الاسقاط التعويضي يزيد من بؤس هذه المجتمعات فيجعلها تنكفىء على عبادة الاسلاف وعلى تقليد الموتى، وتنغمس في الحنين الى ازمنة العصر الذهبي المتخيلة، في محاولة عبثية لارجاع الانهار الى منابعها، وللاستمرار في رحلة التيه القاتلة، بدل الاعتراف بالواقع المتخلف والأخذ باسباب التقدم.

-6 هل يمكن المفكرين والفقهاء الاسلاميين ان يقودوا حملة تنوير حقيقية بتبني العلمانية في مجتمعاتهم، حتى يساعدوا على تخليص الاسلام من الاسر والاختطاف من قبل الاسلامويين، الذين اقحموا الاسلام في الصراعات السياسية، وارتكبوا باسمه الفظائع من اجل الوصول الى السلطة؟

ان العلمانية هي وحدها التي تضمن لأي مؤمن ممارسة عقيدته بحرية وفي كل رقعة من الارض، وهي البوتقة الحقيقية التي يمكن كافة الاديان ان تتعايش في اطارها.

ان العلمانية التي شُوهت في العالم العربي والاسلامي، وذلك بتصويرها وكأنها دين جديد يلغي الاديان، او عقيدة ترمي الى نشر الالحاد، وبالتغاضي عن كونها تعني بالاساس فصل الدين عن السياسة. ان تبني العلمانية هو طريق الخلاص للمسلمين، سواء كان ذلك في اوطانهم او في مهاجرهم واوطانهم الجديدة.

كيف يمكن لمجتمعات مثل المجتمع المصري او العراقي او اللبناني ان تتصالح وتنعم بالعيش المشترك وتحقق الديموقراطية بدون تكريس العلمانية، بحيث يكون الدين للفرد والوطن للجميع؟ وكيف  يمكن المسلمين الذين اخذت اعدادهم تتزايد في دول الغرب بفعل الهجرة ان يتعايشوا مع تلك الشعوب ويتحولوا مواطنين اسوياء دون تقبل العلمانية؟

هذه هي التحديات الحقيقية التي يجب ان نجيب عن اسئلتها الملحة. وعلى كل دين ان يبدأ حركة نقدية في داخله، بحيث لا يكون هدف المؤمن اخضاع الآخر ليعتنق نظرته الى الكون والحياة، بل يكون العيش في سلام مع اخوته من البشر.

على هذا النحو يمكن تضييق الهوة بين الديانات الاسلامية وبين الديانات الاسلامية وغيرها من الديانات.