وبعد... فما الهوية؟

د. محمد عابد الجابري - الاتحاد

 

صديق "من زمان" كتب إليَّ يقول: "حدثتنا عن العولمة وعلاقتها بالهوية. ولكنك لم تشرح لنا معنى الهوية؟".
سؤال تجنبت طرحه والإجابة عنه في سياق الحديث عن العولمة وعلاقتها بالهوية لسبب منهجي. ذلك أن مفهوم الهوية يكتسب مضمونه، أو على الأقل معناه العام، من مجرد وضعه في علاقة مع واقع العولمة كما نعيشه في هذه المرحلة. ولو أننا دخلنا في متاهات تعريفه -ولا يخلو أي تعريف من متاهات- خارج إطار العلاقة مع العولمة، لصعب علينا ربطه بالعولمة إلا بعد الخوض في تعريف العولمة.
قال: لماذا؟
قلت: لأنهما، أعني العولمة والهوية، من الأشياء التي يقال فيها: "ثابت متغير"!
قال: هذه ألغاز، فالثابت هو ضد المتغير، فكيف يجتمعان؟
قلت: صدقت عندما قلت "هو ضد"، ولكن قولك لا يجتمعان، قول في نظر. ربما يكون صحيحا أن نقول مع القدماء: "النقيضان لا يجتمعان"، ولكن الضد ليس هو النقيض!
قال: لم أفهم!
قلت: نحن نتحدث عادة عن "النقيضين" بصيغة المثنى، لا بصيغة الجمع، فنقول: "النقيضان لا يجتمعان"، ولكننا لا نقول "النقائض لا تجتمع"، فنقيض الشيء ينفيه مثل "الوجود واللاوجود"، فها هنا نقيضان يلغي أحدهما الآخر. أما ضد الشيء فهو لا يلغيه ضرورة، مثل قولنا "الوجود والعدم"، فهما ضدان، وليسا نقيضين. نحن نتحدث عن الأضداد، بالجمع، فنقول "صراع الأضداد"، ولكننا لا نقول "صراع النقائض"، لأن "النقائض" (بالجمع) شيء آخر. الفلاسفة يتحدثون عن نقائض العقل الميتافيزيقي مثلا، خصوصا منذ الفيلسوف الألماني "كانت". و...
قاطعني صاحبي قائلا: كفى فلسفة! قل لي ما هي الهوية بكلام يفهمه مطلق الناس.
سادت لحظة صمت. ثم قلت:
الناس عندنا، بل في العالم أجمع، مولعون بلعبة "كرة القدم"، أليس كذلك؟
قال: طبعا! طبعا!
قلت: عندما يلعب فريق الحي الذي تسكنه ضد فريق حي آخر، حتى ولو كان مجاورا، فلمن تنتصر، لمن تهتف؟ قال: طبعا، لفريق الحي الذي أقطنه!
قلت: وعندما يلعب فريق باسم المدينة التي تسكنها ضد فريق آخر من مدينة أخرى في نفس البلد الذي تسكنه، فلمن تنتصر وتهتف؟
قال: طبعا، لفريق مدينتي!
قلت: وعندما يلعب فريق من بلدك العربي ضد فريق من بلد آخر عربي، فلمن تنتصر ولمن تهتف؟
قال: طبعا، لفريق بلدي!
قلت: وعندما يلعب ذلك الفريق العربي الذي هو من بلد عربي آخر، والذي هتفت ضده قبل، مع فريق من بلد أجنبي، غير عربي، فلمن تنتصر، ولمن تهتف؟
قال:
طبعا، للفريق العربي!
قلت: وعندما يلعب فريق من بلد أوروبي، شارك مع الولايات المتحدة في حرب العراق كبريطانيا مثلا، ضد فريق أوروبي من بلد امتنع عن المشاركة في تلك الحرب، فلمن تنتصر ولمن تهتف؟
قال: مع أنني أسكن بريطانيا وسبق لي أن انتصرت وهتفت لفرقها، فإني في هذه الحالة، لا أنتصر لها أو على الأقل لن أفعل ذلك بنفس الحماس الذي كان يغمرني من قبل! ثم أضاف: ولكنني في هذه الحالة لا أضع بريطانيا والنظام العراقي السابق في سلة واحدة!
قلت: لماذا؟
قال: لأن بريطانيا ديمقراطية، والنظام العراقي السابق استبدادي!
قلت: ما قلته صحيح، ولكن الانتصار للديمقراطية وشجب الاستبداد لا علاقة له بلعبة كرة القدم! وبالتالي فإقحامهما يخرجنا من مجال الهوية!
قال: كيف؟
قلت: لو جرت مباراة لكرة القدم بين فريق عراقي على عهد النظام الاستبدادي السابق وفريق من بريطانيا الديمقراطية التي كانت تستضيفك، أحسن استضافة، فلمن كنت ستنتصر وتهتف؟
تغير لون وجه صاحبي... ثم قال : الحق أني كنت سأنتصر وأهتف للفريق العراقي!
قلت: حتى ولو كان هذا الفريق، قد استقبله رئيس النظام السابق فهتف له هذا الفريق وبادله التحية.. الخ.
قال: صدقت. هذا ما كان يحصل.
قلت: الآن أعود إلى مسألة الهوية لأقول لك من جديد، إنها من الأشياء التي يقال فيها: "ثابت متغير"! فخلال جميع مواقفك التي وقفتها، في حوارنا حول الانتصار أو عدم الانتصار لفريق في لعبة كرة القدم، كنت ثابتا ومتغيرا في نفس الوقت، أو لنقل كنت ثابتا في إطار من التغير. وقد اتضح هذا في آخر جواب لك على أسئلتي، عندما اعترفت أنك كنت تنتصر لفريق كرة القدم العراقي في ظل النظام الاستبدادي السابق ضدا على بريطانيا، الديمقراطية بامتياز. هنا، في هذا المثال الأخير كنت عراقيا كما كنت عندما انتصرت لفريق حيك على فريق حي عراقي آخر، ولفريق مدينتك على فريق مدينة عراقية أخرى، ولفريق عربي على فريق غير غربي...
قال: وما هي النتيجة التي يجب أ ن نستخلصها من هذا المثل، كيف نعرف الهوية على ضوئه؟
قلت: ليس مثال لعبة كرة القدم سوى دائرة واحدة، وهناك ما لا يحصى من الدوائر المماثلة، مادية وفكرية.. الخ. وكلها تشكل دوائرة الهوية.
أما النتائج فهي ثلاث رئيسية، لا نتيجة واحدة.
أما النتيجة الأولى فهي ما ذكرنا قبل من أن الهوية "ثابت متغير". وهذا يخالف مبدأ الهوية كما يتحدث عنه المناطقة، المبدأ الذي يختصرونه في المعادلة التالية: أ=أ. بمعنى أن الشيء يبقى هو هو، ولا يمكن أن يكون هو نفسه ونقيضه في آن واحد. مبدأ الهوية بهذا المعنى يصدق في مجال المجردات، أعني الفكر المجرد، كالمنطق والرياضيات، وإن كان هذا المبدأ قد صار موضوع أخذ ورد حتى في هذين المجالين. أما في مجالات الواقع والحياة فالتغير والثبات متلازمان: يقال هذا باعتبار، ويقال ذاك باعتبار آخر.
أما النتيجة الثانية فهي أن الهوية بما أنها "ثابت متغير" فهي تتألف من دوائر. ففي حوارنا السابق كانت الدائرة الأولى التي تتحدد بها هويتك هي الحي الذي تسكنه، وكانت الدائرة الثانية هي مدينتك، وكانت الدائرة الثالثة هي قطرك، وكانت الرابعة هي قوميتك، أما الخامسة والسادسة فهما بلدك، وطنك. فهويتك كانت ثابتة، لأنك كنت أنت أنت، وإذا سمحت لي أن أستعمل ضمير الغائب قلت: كنت "هو هو" ومن هنا اشتق لفظ الهوية. ويجب ألا ننسى أن هويتك كانت تتحدد في كل حالة بدائرة خاصة تعطي المعنى لقولناك "أنت أنت". وبدون دائرة من هذه الدوائر يبقى قولنا "أنت أنت"، أو "أنا أنا" أو "هو هو"، بلا معنى.
وأما النتيجة الثالثة، فهي أن هذه الدوائر التي بها تتحدد هويتك لا يقوم لها وجود إلا إذا كانت تتحدد بكونها "متغايرة" مع دوائر أخرى، إلا إذا كانت هي "غير" والدائرة المقابلة لها "غير". فالهوية، في نهاية التحليل، هي "الأنا"، و"الأنا" لا يتعرف على نفسه إلا عبر "الآخر"، وهذا موضوع آخر.
قال صاحبي: إذن كيف نحدد هويتنا اليوم نحن العراقيين، وأنت ترى ما ترى!
قلت: إن شيعة العراق عراقيون، وسنة العراق عراقيون وبنفس القدر، وأكراد العراق عراقيون وبنفس القدر، وكذلك الشأن في الشرائح العراقية الأخرى. ومعنى هذا أن "الآخر" الذي تتحدد به هوية العراق لا يقع داخل العراق، بل يقع خارجه.
والنتيجة الأخيرة التي تلخص النتائج السابقة والتي أتوجه بها إليك يا صاحبي هي التالية، أقول: قبل أن تجيبوا عن سؤال أية هوية للعراق؟ اسألوا أولا: من هو "الآخر" بالنسبة للعراق؟.