سياسة الفرط والبعثرة إعادة الاستيلاء على المجال العام في سوريا

ياسين الحاج صالح - النهار

قبل قرابة عامين ونصف عام اعتقل الطبيب هيثم الحموي (28 عاما)، واعتقل والده ياسين الحموي قبل ثلاثة اسابيع. واعتقل الكاتب والناشط علي العبد الله قبل ثلاثة اشهر واعتقل ابنه محمد العبد الله قبل ثلاثة اسابيع ايضا. أبو السجين وابن السجين شاركا في تشكيل لجنة لذوي المعتقلين، مكونة حصرا من آباء وامهات وإخوة واخوات وابناء وبنات لمعتقلين سياسيين. أما الطبيب الإبن السجين فمعتقل لمساهمته، مع مجموعة شبان من بلدته القريبة من دمشق، في المبادرة إلى تنظيف البلدة، ودعوة مواطنيهم إلى عدم الارتشاء، والامتناع عن تدخين التبغ الأميركي بسبب موقف أميركا المعادي للقضايا العربية. الكاتب الأب السجين معتقل، كما هو معلوم، لقراءته رسالة من المراقب العام لـ"الإخوان المسلمين" في منتدى الأتاسي في ايار الماضي.

المنتدى أغلق، وفي الموعد المقدر لجلساته في السبت الأول من كل شهر تحاصَر السيدة سهير الأتاسي في بيتها وتنتصب عناصر من الشرطة والأمن حوله لمنع قاصديه من الوصول إليه. جرى ذلك آخر مرة يوم 6/8. وفي 5/8 منع اجتماع دعا إليه كمال اللبواني، أحد سجناء "ربيع دمشق"، لتأسيس تجمع ليبيرالي ديموقراطي. فقد توافدت الشرطة بكثافة ومنعت المدعوين من الوصول إلى منزله في الزبداني. مثل ذلك جرى لاجتماع للجان إحياء المجتمع المدني في 6/8 ايضا. قبل ذلك بأيام مُنعت بالقوة جلسة نقاش علنية في مدينة درعا جنوب البلاد، وبعد ذلك بأيام مُنعت بالقوة ايضا جلسة نقاش علنية أخرى في جارتها مدينة السويداء.  

في الأثناء اعتقل ناشطون وحقوقيون محترمون من أمثال نزار رستناوي ومحمد رعدون ورياض درار ومحمد حسن ديب وحسن زينو. وفي الخلفية كانت تخاض معركة أخرى بصورة اكثر تنسيقا، اعني تخوين مثقفين منشقين ومعارضين، ما يعادل فتوى بإهدار دمائهم، وهذا ما اشار إليه بالفعل بيان صدر أخيراً عن "لجان إحياء المجتمع المدني" حين ألمح إلى "تهديد بعض قادة الأجهزة بقتل مثقفين بعينهم". ذكر البيان أن قائمة سوداء باسماء 63 مثقفا عُمّمت على أجهزة الأمن ووصفوا بأنهم على اتصال بالسفارات الأجنبية.  

نصر البقاء

المشترك بين هذه الأفعال هو وقوعها بدءا من شهر ايار الفائت، قبل مؤتمر حزب البعث وبعده في حزيران الماضي. أي كذلك بعد استكمال الانسحاب السوري من لبنان في 26 نيسان، وبعد استعادة النظام رباطة جأشه واطمئنانه إلى مصيره. لقد وجد من المناسب أن يصلح هيبته برسالة موحدة الدلالة: نحن أقوياء، لكن متعددة المخاطبين: إلى الخصوم السياسيين لترهيبهم وتبديد شملهم، إلى الأتباع لتطمينهم وتهدئة قلقهم، إلى الخارج لتأكيد أن لا فاعل ولا مفاوض إلا السلطة. وهو يأتي ايضا في سياق ما سمّاه التقرير السياسي لمؤتمر حزب البعث استهداف الأميركيين "إسقاط النظام الوطني"، الأمر الذي يلقي ضوءا على السياق النفسي لسلسلة الإجراءات التقييدية هذه، ويرجح أن غريزة البقاء هي التي توجه جهود النظام في المرحلة الراهنة. ثمة من يعتبر أن "البقاء" بعد الخروج اللبناني هو النصر الحقيقي، على شاكلة ما كان عدم سقوط "النظام التقدمي" نصرا بعد هزيمة حزيران 1967. نستطرد لنلاحظ أن إشارة التقرير البعثي إلى "إسقاط النظام الوطني" تتضمن مفارقة زمنية متعمدة، فقد صدرت بعد اليقين بأن سياسة الأميركيين تحولت بعيدا عن "الإسقاط". ونرجح أن عين "النظام الوطني" تقع على الربح الإيديولوجي المحتمل  من إمرار هذه الإشارة وليس على التقرير المتجرد للوقائع وتحليل الخطط والسياسات.

حيازة المجال العام

على أن المشترك الأهم بين الإجراءات المشار إليها هو وفاؤها لما نسمّيه سياسة الفرط والبعثرة، أي فرط كل اشكال الانتظام الاجتماعي المستقل وبعثرة الطيف المتنوع من معارضين ومستقلين ونشطاء ومثقفين ظهروا إلى العلن خلال السنوات الخمس الماضية. غرض هذه السياسة إعادة احتلال المجال العام بالكامل، ونزع ما استحوذ عليه منه "الطيف الديموقراطي" المشار إليه. وأول ما ينبغي التخلص منه هو ذلك التعايش السلبي مع منابر وأنشطة معارضة كسرت المطابقة بين العمومية الوطنية والنظام الحاكم، وأثبتت، رغم ضيق هوامشها وضعف أدواتها، أن سوريا أعمق من نظامها وأكثر تعددا.

تحقق للطيف الديموقراطي خلال الأعوام الأخيرة إنجازان مهمان: الأول هو فرص محدودة، لكن مؤثرة، للتجمع العلني والمستقل بين سوريين متنوعين ومختلفين من دون المرور الحصري بأدوات السلطة واجهزتها. والثاني هو فسحة صغيرة، لكن مؤثرة أيضا، للتعبير المستقل عن الرأي في مواقع الانترنت السورية وبعض العربية، وفي الصحف اللبنانية وبعض العربية، وفي الفضائيات العربية. يلتقي الإنجازان معا في المنتديات، وهي الاختراع السوري الذي يجمع بين التجمع والتعبير المستقلين اللذين حرصت حال الطوارئ على منعهما. جسدت المنتديات إرادة سوريين اقتحام الميدان العام سلميا في بلدهم، الاستحواذ على الكلام وعلى اللقاء العلانيين، أو على إنتاج الرأي والذاتية السياسية. هذا ينتهك "أحمر" خطين يسيّج بهما نظام الحزب الواحد نفسه: احتكار منابر الرأي والانفراد بتحديد القيم العامة، والهيمنة على التواصل بين الناس أو إنتاج "النحنية". طموح نظام الهيمنة هذا، وأد الاستقلال الاجتماعي وتعهد شبكة استتباع معقدة لا ينفذ منها رأي حر ولا تتيح اجتماع اثنين إلا تكون عين السلطة ثالثتهما. الحزب الديموقراطي والمنظمة المدنية مشكلةً من وجهة نظر مقتضيات الهيمنة لأنهما تجمعان مستقلان ومنتجان للاستقلال الفكري والسياسي، ولأنهما يرتئيان، أي ينتجان الرأي ويتداولانه ويعملان به. العشيرة والطائفة ليست مشكلة: ليس لها رأي ولا تنتج رايا، تعتقد أو تأتمر، ولأن تجمعها لا ينتج نحن سياسية. مثلهما "المنظمة الشعبية" و"الجبهة التقدمية"، شكلان مدنيان، لكن بلا حرية ولا طوعية، منتهى طموحهما ان يمسيا رابطتين عضويتين، أو "صنفين" يتعهدان "سلطة" وامتيازات قارة.

منذ أواسط السبعينات حتى نهاية القرن الماضي تكفلت أجهزة إكراه فتاكة، وأجهزة إيديولوجية فائقة التعصب والضحالة معا، فصل الناس عن بعضهم وحرمانهم من امتلاك الكلام. للخوف تأثير فاصل وعازل، وتأثير كاتم ومسكت. الخائفون لا يجتمعون، ولا يتبادلون من الكلام غير المبتذل الحميد. تنتصب اسوار من الارتياب وعدم الثقة بينهم وينكفئون على دوائرهم الخاصة. وتطرد العملة الكلامية الرديئة (المبتذل) العملة الجيدة (المبتكر والخلاق) من التداول العلني. يكنز الناس كلامهم الجيد في انتظار تراجع أخطار تداوله. إن مملكة الخوف هي نفسها مملكة الأسرار. مر وقت، ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته، انتقل النظام فيه من منع الناس من التجمع إلى إجبارهم عليه، ومن منعهم من قول ما يعتقدون إلى فرض ما ترغب السلطة به من قول. الفرضان التقيا في ما كان يسمّى المسيرات الشعبية، حيث يحتشد الناس ولا يلتقون وحيث يهتفون ولا يتكلمون. هذه الدرجة العليا من الاستلاب وافقت ذروة العزلة الإنسانية والإملاق المعلوماتي والبؤس السياسي للمجتمع السوري. وإلى جانب أجهزة الإكراه والأجهزة الرمزية ( وسائل إعلام ولافتات وصور وتماثيل وأغان وأناشيد "وطنية" و"أعراس شعبية" وهتافات يومية جماعية...) كانت التقارير السرية يدبجها جيش من المخبرين تتكفل حراسة تفرق الناس وعزلتهم وصمتهم، إضافة إلى ضمان بقاء المجتمع رملا مهددا كل لحظة بالتبعثر في كل اتجاه، إن لم "ينضب" في أكياس مناسبة.

لا صوت يعلو!

هذا "العصر الذهبي" هو الذي يراد أن يستعاد اليوم كما تدل المؤشرات التي أوردناها فوق.

لا تناقض بين سياسة الفرط والبعثرة المستعادة ونزع الصفة الأمنية عن 67 من مناشط السوريين الحياتية اليومية. فالمناشط المفرج عنها لا تتصل بحيازة الميدان العام ولا تمس تملكه الاحتكاري على يد النظام. ويبدو ان النظام مدرك تماما انتفاء التناقض بين ترخيص طباعة النايلون للمنشآت الصناعية وتأسيس الجمعيات السكنية وفتح مكاتب السياحة والسفر وصالات الافراح والسيرك وصالونات الحلاقة ومحلات النوفوتيه والعصرونية وأفران الصفيحة... وبين استئناف متشدد لسياسة البعثرة والإسكات، وإن كان وعيه لها يتلون بلون إيديولوجي تمتزج فيه شعبوية بعثية مع رطانة ديموقراطية. يشرح أيمن عبد النور، وهو إعلامي وناشط بعثي، هذه السياسة بالقول إن "الحديث يدور عن فترة هدوء من أجل إعادة تنظيم الحراك السياسي والاجتماعي في سوريا، شعارها "الانفتاح على الكثرة" (المواطنون) و"التشدد مع القلة" (المثقفون و الناشطون). ويشير إلى أن غرض من سمّاهم "المعنيين بهذا التوجه" (صنّاع سياسة الفرط والبعثرة) هو "إيقاف هذه القلة التي أثارت مناخا عاما سلبيا في البلد واستغلالها من الإعلام الخارجي لتشويه صورة سوريا في الخارج" (نشرة "كلنا شركاء" الالكترونية، 10/8/ 2005). تعليقات: 1 - خارج التفكير أن المشكلة في الأصل لا في الصورة. 2 - واضح أن "فترة الهدوء" المشار إليها هي نسخة عام 2005 من "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". المعركة تختلف: "التحرير"، "البناء الاشتراكي"، "التطوير والتحديث"، "الإصلاح الاقتصادي". الطلب على المعارك يرتفع بتناسب مع الحاجة إلى تسييج السلطة وإطلاقها. المثل الأعلى السياسي وراء "المعركة المستمرة" هو أن يستلقي المجتمع السوري على ظهره، يرفع أطرافه الأربعة، ويستسلم. 3 - الأهم أن الكلام على القلة والكثرة يموه حقيقة أن قلة غير منتخبة تتخذ، من دون نقاش عام، قرارات تمس مصير أكثرية السوريين. بين الأكثرية هذه 30 في المئة يعيشون تحت خط الفقر حسب الرقم الرسمي، و11 في المئة لا يحصلون على احتياجاتهم الأساسية، وعاطلون فوق 10 في المئة من قوة العمل بحسب رقم رسمي يصعب تصديقه. كاريكاتور الشعبوية هذا لا يمكنه إقناع أحد بأن 63 من المثقفين وبضعة اجتماعات منزلية هم الذين أفقروا السوريين، وهم المسؤولون عن "الأخطاء المتراكمة" في لبنان (بحسب عبارة تقرير مؤتمر حزب البعث الأخير)، وهم الذين يشوشون على صنّاع العزلة تأملاتهم في الحب الصوفي للوطن.

حالة رملية

تعمل الحساسية او الغريزة الأمنية على فرط المنتظم، وإن لم يكن سياسيا؛ وكشف غير المرئي، وإن لم يكن سريا؛ ومصادرة الرأي، وإن لم يكن معارضا. إن تكوينها نفسه يجعل منها في عداء جذري وعميق للحرية والاستقلال الاجتماعي والفكري.

وبقدر ما ان التعبير والتجمع المستقلين وظيفتان اجتماعيتان، تتصلان بحاجات التعاون والشكوى الاجتماعية "الضرورية"، حتى قبل أن تكونا حريتين أو حقين يطلان على مطالب الديموقراطية وحقوق الإنسان "التحسينية"، فإن إلغاءهما يعني إرجاع المجتمع المنكوب إلى دون ما اصطلحنا على تسميته خط الفقر السياسي، أو ببساطة دون السياسة: الحالة الرملية، حالة المجتمع الممسوك الفاقد التماسك الذاتي، او في الأصح الممنوع من حيازة تماسك ذاتي.    

العزلة والصمت

لا يجد النظام صعوبة في فرط المجتمع وإعادة احتلال المساحات العامة المستقلة. هذا يضع الديموقراطيين والمستقلين السوريين أمام معضلة في النظر إلى أنهم لا يرغبون في العودة إلى العمل السري الذي يجمع بين الخطورة وضآلة الثمار، والذي يتعارض مع رهانهم الجوهري: الاستحواذ على مساحة اوسع من المجال العام، وهو مجال علني تعريفا، وعلانيته مكوّن أصيل لعموميته.

انتزاع ملكية الكلام أقل يسرا من فرط المجتمع وبعثرة المنعقد. هنا يبدو أن السياسة المعتمدة تجمع بين تخوين المثقفين السوريين والتشكيك في وطنيتهم والإيحاء إما بروابط لهم مع قوى خارجية و/او بالجري وراء المال، وبين ضغط على الصحف ومنابر القول للامتناع عن نشر ما يكتبه السوريون المعارضون. قبل بعض الوقت شكا إعلامي سوري مقيم في لندن أن الجريدة التي يكتب فيها كفّت تحت ضغط السلطات السورية عن نشر مقالاته. وفي الفترة نفسها تداولت وسائل الإعلام أخبارا غير مؤكدة عن ضغوط سورية على الحكومة اللبنانية للتضييق على الكتّاب السوريين في الصحف اللبنانية. ومن الموصى به في مؤتمر حزب البعث الأخير أن يصدر قانون جديد للمطبوعات، ويظن أنه سيستدرك ما فات سابقه (صدر في أيلول 2001) من غفلة عن "جرائم الانترنت".

المسعى هنا هو إلغاء مكتسبات ثورة الاتصالات التي استفاد منها السوريون في وقت زامن تغيّر العهد في البلاد، عام 2000. فقد التقت الانترنت والفضائيات والهاتف الخليوي مع مناخ سياسي انتقالي اقل كابوسية لتساهم في تزويد الحركة الديموقرطية حيزاً حراً من قطاع المعلومات الذي كان النظام يحتكره احتكارا مطلقا. لطالما تذكرنا خلال بضع السنوات الماضية أن ألوفا مؤلفة اعتقلوا وعُذّبوا وفُقدوا ونزحوا ...، من دون أن ينالوا من التغطية الإعلامية ما يناله ناشط واحد يُعتقل اليوم. الانترنت والبريد الإلكتروني شكلا شبكة لنشر المقالة والعريضة والبيان السياسي والحقوقي وتداولها. وكذلك لكسر الرقابة وتوسيع قاعدة الكتابة والمشاركة في توزيع المعلومات، فضلا عن تسهيل (تسريع وتقليل كلفة) التواصل مع صحف ومنظمات عربية ودولية. الهاتف الخليوي أتاح سرعة في انتقال المعلومات وتداولها: خبر اعتقال فلان أو حظر كذا يصل فوريا تقريبا إلى المنظمات الحقوقية والنشطاء المهتمين. قد يفسر ذلك لجوء أجهزة أمنية إلى اختطاف ناشطين من الشارع، على غرار ما جرى لعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان نزار ستناوي، المعتقل منذ أكثر من 4 أشهر. الفضائيات، مع الانترنت، ساهمت في كسر حاجز العزلة السوري، واختراق اسوار الاحتكار الشمولي للصنعة الإعلامية. في النتيجة، شاركت مقالات السوريين وبياناتهم وعرائضهم، تجمعاتهم ومنتدياتهم وهيئاتهم الحقوقية والمدنية والحزبية، في حيازة مساحات عامة، حرة نسبيا، للتواصل والتفاعل المستقل في ما بينهم. يُعتقد اليوم أن الرقابة على الهواتف نشطة، وانها تساهم في تعزيز فاعلية سياسة الفرط والبعثرة. وثمة مؤشرات متكاثرة الى اشتداد الطلب الأمني على المخبرين، وعلى دور متزايد يقوم به مخبرون "مثقفون". الشيء الجديد هنا هو توظيف عنصر شراكة إيديولوجية بين اجهزة أمنية ومثقفين يتميزون بمذهبة الحداثة وفرط الرثاثة معا. هذا يسهل للشريك المثقف أن يمنح نفسه شعورا بأنه يدافع عن "قضية". يتعلق الأمر دوما بتحالف ضد "الأصولية"، وبنوع من "الرسالة التحضيرية" المشتركة بين الطرفين.

فقر السياسة والفقر السياسي

إعادة الاستيلاء على المجال العام وإرجاع السوريين إلى ما دون خط الفقر السياسي قد يكفلان "فترة هدوء"، لكن بثمن مخيف. فمنع الناس من النشاط العلني يفتح أبواب التآمر والسرية، ومنع أشكال الاعتراض السلمي يفتح أبواب الإرهاب والعنف. إن سوريا التي لم تعرف الإرهاب في تاريخها قبل تعرضها لإفقار سياسي مدقع في السبعينات، معرضة للسقوط في الهاوية نفسها بفضل سياسات رسمية فقيرة وبائسة. هذه دروس مستخلصة من تاريخ سوريا القريب، قبل أن تكون استدلالات عقلانية. لكن حين يكون العقل خيانة يصبح العنف والفساد عقيدة وطنية.

استدراك

أفرج مساء 16 آب عن كل من ياسين الحموي ومحمد العبد الله على أن يحاكما طليقين أمام محكمة عسكرية (!) في دمشق. اتهم أبو السجين وابن السجين بـ تشكيل جمعية سرية (أعلنت لجنة ذوي المعتقلين فور تشكيلها) و قدح إدارة عامة ، في ما قد يكون إشارة إلى ما تضمنه بيان اللجنة من اعتماد السلطات مبدأ العقوبة الجمعية في حق المعتقلين السياسيين: معاقبة أسرة السجين بقطع راتبه (رياض درار مثلا)، أو اشتراط عدم توكيل محامين محددين من أجل إجازة التوكيل. الاعتقال في ذاته إثبات لما قالته اللجنة في خصوص العقاب الجماعي. وهو تجسيد لأشد مبادئ الحكم تطرفا، أعني اعتبار الدفاع السلمي عن النفس عدوانا على السلطة. لذا ليس ثمة ما يدعو للاعتقاد أن في محاكمة الرجلين طليقين تراجعاً عن سياسة فرط العنقود السوري وبعثرة حبّاته.