الأحزاب وتغيير الاسم

محمد سيد رصاص النهار

 

في نيسان 1917، عندما عرض لينين فكرة تغيير اسم "حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي البلشفي"إلى اسم "الحزب الشيوعي الروسي البلشفي"، وهو ما تم في المؤتمر الإستثنائي السابع للحزب (آذار 1918) كان واعياً أن ارتداء القميص الجديد، الذي يعود إلى تسمية كارل ماركس للحزب في عام 1848 ، يعني ترجمةً للغربة الفكرية والسياسية التي عاشها الحزب البلشفي في وسط أحزاب "الأممية الثانية"الاشتراكية - الديموقراطية منذ الانشقاق مع المناشفة عام1903 ، وهو ما بلغ ذروته السياسية بخلاف لينين مع تلك الأحزاب حيال الموقف من الحرب العالمية، الشيء الذي توسع وأخذ مداه على الصعيد الروسي مع المناشفة في سنة 1917 وثورتها، ثم لتأخذ الأمور مداها على الصعيد العالمي عبر افتراق الشيوعيين الاشتراكيين الديموقراطيين مع تأسيس الأممية الثالثة عام 1919. كان الخلاف الفلسفي والسياسي، وترجمته في التنظيم، موضع وعي صريح ومكتوب عند أطراف الخلاف الذي "هز العالم" بين الشيوعيين والاشتراكيين الديموقراطيين في مرحلة ما قبل وما بعد ثورة 1917: لم تكن الأمور كذلك، مع طرح الكثير من الشيوعيين العرب مسألة تغيير اسم الحزب في مرحلة ما بعد انهيار السوفيات. من الواضح أن المسوغات التي طرحت كانت مبنية على حقيقة واقعة وحيدة، وهي موت "الشيخ" الذي كان يئم الشيوعيين العرب طوال سبعة عقود، أكثر من كونها، عند أناس لا يعرفون "الصلاة" من غير "إمام" أو "شيخ"، تحولاً فكرياً حقيقياً، ما دامت لم تظهر أية معالم لما قدموه من تحول قبل حصول سقوط موسكو، وإنما العكس عندما كان يظهر إيمان عندهم بالشيوعية السوفياتية يذكر بمؤمني الأديان الأوائل، وامتثالية كانت تنطبق عليها تندرات الكثيرين في الشارع العربي حول رفعهم للمظلات في العواصم العربية القائظة في آب مادامت تمطر في موسكو. من الطبيعي أن يحصل ذلك عند أناس كانوا يربطون الماركسية بالسوفيات على الطريقة نفسها التي يربط فيها الكاثوليكي بين الفاتيكان والكاثوليكية: لذلك فإن عملية انتقالهم إلى موقع آخر، على الصعيد الفكري والسياسي، كانت أقرب إلى شكل استبدال موقع بآخر (الليبرالية بدلاً من الماركسية) مع الاحتفاظ بأسلوبهم القديم في ممارسة السياسة والاستمرار على طريقة التفكير السياسية نفسها الصلاة وراء "إمام"جديد لا فرق إن كان في الغرب بعد أن كان القديم مناقضاً ومتصارعاً معه الإيمان بأن العالمي هو المقرر للمحلي والمحدِد له مما يدفعهم للركوب في مركبه دائماً بعكس من يرى السياسة قائمة على الإنبات المحلي في التربة الاجتماعية الإيمان بأن "الحقيقة المطلقة" متجسدة في أشخاصهم وبأن خصومهم هم "الشر" في ثنائية مانوية جديدة - النزعة الخنادقية في السياسة التي تميل إلى التصنيفات وتقطيع الهويات للآخرين المضادين لهم العداء للدين عبر لبوس ليبرالي يستبدل لبوسهم اليساري القديم خاصة أن ذلك ينسجم مع استهداف الغرب الأميركي الإسلاميين في مرحلة ما بعد الحرب الباردة... إلخ.هذا الضعف في الإعداد الفكري للسياسي الذي كان يُلمس عند الشيوعيين العرب، مادام يوجد من يفكر "هناك في موسكو" عنهم بالماركسية ليتلقفوها معلبة، وهو ما يلمس أيضاً في مرحلة تحول الكثير منهم إلى الليبرالية حيث لا يوجد تأصيل معرفي لهذا التحول وإنما مجرد موجة "تُركب" أقول، إن هذا الضعف قد انعكس في النقاشات التي تناولت مسألة تغيير "اسم الحزب".بدأ النقاش حول هذه المسألة من الزاوية الشكلية ومن مدى تناسب الاسم مع ما يرمز اليه في الوسط الاجتماعي، الشيء الذي لم يكن يُطرح قبل التسعينات:"ارتباط" الشيوعية بالإلحاد والعداء للدين، تداخل صورتها مع ممارسات حصلت من قبل ستالين وكيم إيل سونغ وبول بوت، وكأن الحركة السياسية العالمية ذات نسق واحد يمكن أن يلخصها أشخاص محددون، لا أن يحكمها التنوع والصور المتضادة مثل ما قدمه عبد الخالق محجوب في مسألة التعامل مع الإسلام كصورة مناقضة لما قدمه أنور خوجا مثلاً، أو لصورة شخص كان من أعمدة الديموقراطية الإيطالية مثل إنريكو برلنغوير وما يفصله، وهو الزعيم للحزب الشيوعي الإيطالي، من مسافات ضوئية عن ممارسات بول بوت، ثم تطور هذا النقاش إلى أمور وقضايا أبعد، بعد أن كان النقاش السابق في إطار "عدم التخلي عن الماركسية" حيث بدأت تطرح قضايا مثل مقولة "نهاية الأيديولوجيات" وهي مقولة طرحها ريجيس دوبريه في بداية الثمانينيات بعد خيباته من تجربته مع غيفارا في بوليفيا، الشيء الذي لم يكن له أي صدى في الفكر الغربي، لتصل الأمور بعدها إلى مقولة "تعدد المصادر المعرفية في الحزب السياسي"، ومن ثم إلى أطروحة أن "البرنامج السياسي هو المحدد لهوية الحزب وليس المصدر المعرفي". كانت تلك الطروحات، جميعها، قد غلفت النقاشات التي سادت في السنوات الماضية كثيراً من أوساط الشيوعيين العرب. وحتى حزب مثل (الحزب الشيوعي السوري المكتب السياسي)، الذي حاول مبكراً الخروج عن الوصاية السوفياتية، كان من أكثر المتأثرين الفكريين بانهيار السوفيات، مما يعبر إما عن حنين الابن المطرود إلى وصاية الأب وتماهيه معه مما جعل انهيار الأخير أكثر تأثيراً، أو عن انتهاز قيادته فرصة "ما بعد موسكو" من أجل إظهار ما كانت تبطنه على الصعيد الفكري بعد عقود من ادعاء البحث عن ماركسية بديلة من تلك السوفياتية: كان الصراع في "المكتب السياسي" في السنوات الماضية متمحوراً حول تلك الطروحات، من دون أن يوضح طارحوها موقعهم الأيديولوجي الجديد، وهو شيء تركوه غامضا وغير محدد، ولا يعرف إن كان ذلك عن قصد من أجل عدم تحديد وجهة القطار ومحطاته المقبلة للركاب خوفاً من نقصان عددهم قبل الانطلاق أم انهم فعلاً لا يعرفون أين هم وإلى أين هم ذاهبون؟...بغض النظر عن أيهما الأرجح، فإن ذلك يعبر عن مدى نقصان جرعة الفكر والمعرفة في الحياة السياسية السورية الراهنة، وعن طغيان نزعة  "تمشاية الحال" في أوساطها: ربما يعطي صورة عن ذلك، أن اسم "الديموقراطي - الاجتماعي" عندما طرح، في العام الماضي، كبديل من "الحزب الشيوعي المكتب السياسي"، لم يتجرأ أحد من أصحاب الاسم الجديد على شرح معنى "الاجتماعي" أمام الحزبيين أوغيرهم، فيما لم ينتبه أحد منهم، قبل أن يستبدلوا ذلك الاسم باسم آخر في مؤتمرهم الأخير، إلى تطابق مقولة "الشعب" مع الأيديولوجيات غير الديموقراطية (البلشفية الفاشية النازية الفكر القومي العربي بطبعتيه البعثية والناصرية... إلخ)، و إلى أنها لا تترادف ولا تتطابق مفهومياً مع "الديموقراطية"، حيث تتطابق الأخيرة مع مفاهيم "المجتمع" و"المواطن" و"الفرد" لتقوم على  "الطبقات" و"الفئات" و"الكتل" الاجتماعية التي تضم أفراداً ومواطنين يعيشون في "مجتمع مدني" أو "أهلي" بخلاف مفهوم "الشعب" الذي يعني كتلة صماء واحدة مُوحدة أو غير متعددة؟... هل انقطعت العلاقات بين المعرفة والسياسة؟...

(اللاذقية)