هل يحلّ الدستور الدائم مشكلة الحكم في العراق!

عبد الحسين شعبان      الحياة     - 17/08/05//

بدأ العدُّ التنازلي بخصوص مشروع الدستور العراقي الدائم. وفي ربع الساعة الأخيرة لا تزال عوامل كثيرة منظورة وغير منظورة تضغط لتمرير المشروع أو حجبه أو تأجيله، قبل ان يعرض على الجمعية الوطنية للمصادقة ومن ثم على الشعب للاستفتاء عليه.

البعض يعّول على الدستور الراهن ويعتبره طوق الخلاص لبداية مرحلة جديدة من تاريخ الدولة العراقية بضمان حقوق الجميع. وحسب تقديرهم فإن ضم ممثلين عن السنّة سينهي التمرد المسلح ويسقط حجة المقاومة، كما انه سيضع العلاقة مع الولايات المتحدة الاميركية في شكلها القانوني الصحيح عبر معاهدات سياسية وعسكرية وأمنية بدلاً من صيغة الاحتلال الملتبسة.

أما البعض الآخر فإنه يبدي تحفظات وارتيابات بفعل وجود الاحتلال وانحيازاته المسبقة لبعض القوى السياسية التي جاءت معه. ويعتبر الدستور مطعوناً به من البداية، إذ يأتي في اعقاب انتخابات تفتقر الى الكثير من عناصر الشرعية، لأن هناك قوى وتيارات ومناطق غابت أو غيّبت، وبالتالي فإن امكان صياغة دستور يمثل التكوينات والأطياف العراقية المتنوعة أمر مشكوك فيه ويشوبه الكثير من عدم الصدقية ولعل استمرار حملات الدهم والتمشيط والاستخدام المفرط للقوة والعنف المنفلت من عقاله للعديد من المدن والبلدات والاحياء لا يستقيم مع الحديث عن العدالة والحقوق المتساوية.

***

إن قراءة سريعة للمسودات التي نشرها بعض الصحف العراقية والعربية تكشف بعض الاشكالات والمشكلات ذات الطابع السياسي والقانوني، خصوصاً أن بعض الصياغات جاء تعبيراً عما هو آني وموقت على حساب ما هو استراتيجي وبعيد المدى، ناهيكم عن ان بعضها جاء كرد فعل على أوضاع سابقة، وليس لاعتبارات ذات ابعاد دستورية تتطلبها الدولة العصرية.

أما الألغام والقنابل غير الموقوتة الجديدة، اضافة الى ما ورد في قانون ادارة الدولة الموقت، فهي:

1. علاقة الدين بالدولة، فهل حقاً ان العراق جمهورية اسلامية كما ورد في باب المبادئ الاساسية؟ علماً أن تديين الدولة على حساب طابعها المدني سيترك تأثيراته وتبعاته القانونية والسياسية في الدولة ومستقبلها.

2. تطييف الدولة والمجتمع، فللمرة الأولى سيتم تكريس الطائفية رسمياً بدلاً من المواربة، كما في قوانين الجنسية السابقة. ويبدو ان صيغة بول بريمر الحاكم المدني الاميركي في العراق انتقلت عدواها الى الدستور الدائم، إذ وردـ في المسوّدة عبارة الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي (بأكثريته الشيعية وسنّته) (المادة الثانية من الباب الأول)، وكان الأجدر بالمشرّع، خصوصاً في ظلّ الاحتقان الطائفي والتوتر الاثني النص الصريح والواضح على: تحريم الطائفية ومعاقبة من يمارسها أو يدعو اليها أو يروّج لها أو يتستر عليها، وذلك استناداً الى المفاهيم الدستورية التي تقوم عليها الدولة العصرية وبخاصة مبدأ المساواة وعدم التمييز.

3. التشظي الاثني والخلط المفاهيمي بين القومية والدين، فقد سمّى الدستور العرب والكرد قوميتين رئيسيتين، وأطلق تسمية قوميات أساسية على التركمان والكلدان والسريان والأرمن والشبك والفرس، وانتقل الى الديانة اليزيدية والصابئة المندائيين (المادة الثالثة). كما يمكن القول بأن الشعب العراقي يتألف من قوميتين رئيسيتين هما العرب والكرد، اضافة الى اقليات قومية ولغوية ودينية اخرى ويأتي على ذكرها بالاسم، والدستور يضمن حقوقها طبقاً لاعلان الامم المتحدة بخصوص حقوق الاقليات لعام 1992 والاعلان العالمي لحقوق الانسان على اساس التكافؤ والمساواة التامة والمواطنة الكاملة.

4. علاقة العراق بالعروبة معّومة، فلم يشأ المشّرع القول ان العراق جزء من الأمة العربية، وهو عضو مؤسس في جامعة الدول العربية، ويلتزم بمواثيقها واتفاقياتها، لما لذلك من اعتبارات أدبية ومسؤولية قانونية. وقد جاء النص عاماً وتوصيفياً ومن دون التزام: الدولة العراقية جزء من العالميين العربي والاسلامي (المادة الخامسة).

5. العزل السياسي، فقد حظر مشروع الدستور العنصرية والتكفير والارهاب، وهذا أمرٌ مفهوم ومبرر، خصوصاً الدعوات الصريحة والواضحة بالتجريم والتأثيم والكراهية ناهيكم عن الممارسات الارهابية لقوى متعصبة ومتطرفة. ولكن المشّرع لم يكتفِ بذلك بل ربطه بالبعث الصدامي الذي ينبغي أن لا يكون جزءاً من التعددية السياسية في الدولة (المادة 11). اذا كانت محاسبة المرتكبين من النظام السابق أمراً قانونياً ومشروعاً، فإن غير المرتكبين سيشملهم الدستور بالعزل السياسي بمن فيهم أعداد كبيرة من أعضاء وكوادر حزب البعث الذين كانوا معارضين لسياسات النظام السابق من داخل الحزب نفسه.

إن هذا النص يعيد الى الاذهان قرارات مجلس قيادة الثورة السابق. ففي 31 آذار (مارس) عام 1980، أصدر المجلس قراراً قانوناً يقضي بحظر الانتماء الى حزب الدعوة الاسلامي (العميل كما ورد في النص) وينزل حكم الاعدام بكل من ينتمي اليه، بل ذهب القرار الى مساءلة المنتمين بأثر رجعي.

وسبق لحكومة نوري السعيد وتحظيراً لحلف بغداد عام 1954 ان أصدرت قوانين تحظر فيها النشاط الشيوعي وما شابهه باعتباره نشاطاً هدامّاً.

وأصدرت حكومة 8 شباط (فبراير) البعثية 1963 بياناً في ساعات الانقلاب الاولى عُرف باسم بيان رقم 13 دعا الى ابادة الشيوعيين.

ولعل الأمر لا يقتصر على القوانين، إذ مارس بعض القوى حظر نشاط الآخرين بفعل نفوذها على الشارع وارهابها الفكري والاستعانة بآلة الدولة كما حصل عام 1959 من جانب الشيوعيين ضد القوميين والبعثيين.

ولعل الحركة الكردية كانت باستمرار من ضحايا الحظر والتمييز، حتى ان قانوناً للعفو صدر بحق الأكراد المسلحين، استثنى فيه الرئيس السابق صدام حسين الرئيس الحالي جلال طالباني من العفو.

الأمر إذاً ليس باصدار قانون أو بوجود نص دستوري بالاجتثاث او الحظر أو العزل، فالفكر مهما كان لا يحارب إلا بالفكر، والحجة لا تقارع إلا بالحجة، والرأي بالرأي، وليس بقوة القانون أو ملاحقة الفكر، اما المرتكبون فالقول الفصل فيهم هو قاعات المحاكم وقرارات القضاء.

6. دور المرجعية الدينية، وقد نص مشروع الدستور على استقلاليتها ومقامها الارشادي، كونها رمزاً وطنياً ودينياً رفيعاً (المادة 15).

ولا بد من التأكيد هنا أن المرجعية ليست واحدة بل هي متعددة وتعددية. ورغم ان النص يستبطن فكرة المرشد الأعلى في الجمهورية الاسلامية الايرانية أو لجنة تشخيص مصلحة النظام، إلاّ أنه لا يصرّح بها. وهذه جهات غير منتخبة يضعها الدستور بمكانة علوية سامية وفي نهاية المطاف يكون لها القول الفصل. واذا كان الإمام الخميني طلب ولاية الفقيه من خلال دوره السياسي، فإن السيد علي السيستاني أراد أو مُنح دوراً (ربما لم يكن شديد الرغبة فيه) من خلال مرجعيته الروحية، وإنْ استدرك في مقابلة مهمة له مع مجلة دير شبيغل الالمانية التي نقلت عنه حديثاً واضحاً وصارماً عندما دعا علماء الشيعة الى عدم تولّي مناصب سياسية أو لعب دور سياسي رفيع المستوى.

وربّ تساؤل مشروع يواجه القارئ: كم مرجعية لدينا بعد السؤال من هي المرجعية وما هو دورها؟ فللشيعة مراجعهم، كما ان للسنّة ايضاً وللمسيحيين بمختلف طوائفهم مراجعهم وكذلك لليزيديين والصابئة وغيرهم.

واذا افترضنا الأعلمية والزهد والحيدة في المرجعية، فماذا لو تدخلت بالشأن السياسي ورّوجت لهذا الفريق او لتلك المجموعة أو لذلك الشخص؟ ولعل هناك الكثير من الانتقادات التي وردت خلال انتخابات كانون الثاني (يناير) 2005، يوم أُستخدم اسم السيد علي السيستاني وصوره، ولم يكن النفي او التنصل من دعم تلك القائمة بمستوى المسؤولية التي ترتبها مكانة المرجعية! وفي كل الأحوال لا يمكن استخدام المقامات المرجعية والحوزات العلمية للدعاية السياسية أو الترويج لهذا الحزب السياسي أو ذاك. ثم كيف يمكن التعامل مع المرجعية لو حمت المفسدين أو لم تتصدَّ لهم خصوصاً الذين تلاعبوا في السابق والحاضر بحقوق واموال الدولة والمجتمع والناس!؟

وماذا لو تقاعست أو تلكأت المرجعيات عن شأن كبير وخطير يتعلق بمصير الوطن مثل الموقف من الاحتلال ومقاومته!؟ وماذا لو كانت تقديراتها غير صائبة او خاطئة وقد سبق للمرجعية ان اتخذت مواقف أثارت انقساماً في الشارع العراقي. وطالما نحن بشر ضعفاء فيمكن ان نخطئ، ولعل تقصيرات او أخطاء من العيار الثقيل كما يقال هي ليست مثل التقديرات الخاطئة للاشخاص العاديين.

7. الشخصية القانونية للعتبات المقدسة، وعلى الدولة تأكيد حرمتها وصيانتها... ولعل هذا النص يستبطن هو الآخر مطالبات من بعض القوى الاسلامية الشيعية العراقية وغير العراقية بضرورة وضع العتبات المقدسة تحت اشراف دولي بما يؤدي الى ثلم السيادة العراقية. ومن المفارقة ان حكومات ما بعد الاحتلال هي الأكثر انتهاكاً لحرمة العتبات المقدسة، فهي التي طوّقت مرقد الإمام علي (ع) في النجف وقامت بمداهمة مجموعة السيد مقتدى الصدر في الصحن الحيدري الشريف وقصفت القادمين من ضريح مسلم بن عقيل في الكوفة. ولعل تلك المصادمات والانتهاكات تذكّر بما فعله حسين كامل في حضرة الإمام الحسين في كربلاء عام 1991.

العتبات المقدسة هي مرافق عامة ولها خصوصية وقدسية لأوساط واسعة من المسلمين عراقيين وغير عراقيين، وعلى الدولة حمايتها ورعايتها وتطويرها وتحسين نظام الاوقاف الذي ألحقت به منذ العام 1973، ولكن للأسف الشديد، فإن قسمة الحاكم المدني بول بريمر الطائفية امتدت الى وزارة الاوقاف فقسمتّها بين وقف شيعي و وقف سنّي بعدما كانت وزارة واحدة.

8. التخوف من موضوع التوطين السكاني المخل بالبيئة الديموغرافية في العراق، (الفقرة ج من المادة الرابعة من الباب الثاني). الموضوع إذن لا يتعلق بتوطين اتراك من تركيا أو كرد من تركيا او ايران او سورية او شيعة ايرانيين او بحرنيين او سعوديين، بل يتعلق بالفلسطينيين، وسبق ان أبدى البعض هلعاً من التوطين، لأنه سيؤدي الى تغيير التركيب الطائفي، وليس رفض التوطين لاعتبارات مبدئية تتعلق بحقوق الشعب العربي الفلسطيني.

9. حقوق المرأة، التي تكفلها الدولة طبقاً لأحكام الشريعة الاسلامية كما ورد في المسوّدة. وهي محاولة التفافية جديدة على القانون الرقم 188 للعام 1959 الذي منح حقوقاً واسعة للمرأة وجرت معارضته في حينها من أوساط دينية وتقليدية كثيرة. وتمت محاولات لإلغائه في مجلس الحكم الانتقالي، إلاّ أنها لم تتكلل بالنجاح. وقد صدرت العديد من القوانيين التي تنصف المرأة في العام 1975 لكنها جُمدّت وأُبطل مفعولها بسبب الحروب والحصار، وأصدر النظام السابق العديد من القوانين المتخلفة التي مسّت حقوق المرأة بما فيها الاحكام المخففة لقتل النساء غسلاً للعار وإعادة بعض الاعراف العشائرية البالية.

هناك حالياً مخاوف عدة منها: اخضاع حقوق المرأة وحريتها لتقييدات تحدد باسم الشريعة. وتدخل هنا أيضاً تفسيرات المفسرين وتداخلات المؤولين، وبالتالي سيكون موضوع الزواج والطلاق والارث ليس بعيداً عن هيمنة رجال الدين بما يضيّق على فكرة الزواج المدني والحقوق المتساوية الواردة في المعاهدات الدولية بخصوص حقوق المرأة ومنع جميع أشكال التمييز ضدها.

10. الأقاليم واختصاصاتها، اعطى الباب الرابع (المادة الثانية) من مشروع الدستور حق محافظتين او اكثر تشكيل اقليم ومنح الحق للاقليم لكتابة دستور والمصادقة عليه بالغالبية (المادة السابعة)، كما اعطى لرئيس الاقليم حق تمثيل اقليمه في الخارج (المادة 14). كان على المشّرع تأكيد اختصاصات أي حقوق وواجبات أقليم كردستان بالاسم لأنه أمرُ واقعي وليس افتراضياً، بل هو قائم منذ سنوات فعلياً. وقد بلور الكرد مطالبهم على نحو واضح. ولعل النقاش والجدل ليس حول المبدأ، بل حدود وصلاحيات سلطات الاقليم واختصاصات هيئاته اللامركزية والسبيل الصائب لتسوية مشكلة كركوك المؤجلة. وعلاقة الاقليم بالسلطة الاتحادية.

اما الحديث عن فيديراليات وأقاليم لمحافظتين أو اكثر في ظرف ملتبس وفي ظل الاحتلال، فقد يعطي لبعض المغامرين والطامعين الفرصة لاستغلال هذه الظروف العصيبة، خصوصاً بتصاعد الاحتقان والتوتر الطائفي، لدفع الأمور باتجاه التشظي والتفتيت، بما يخدم خططاً صهيونية قديمة، خصوصاً أن تركة الحكم المركزي الشديد الصرامة والوطأة لا تزال كوابيسها ثقيلة وتجربتها مريرة.

ان شكل وبناء وصلاحيات النظام الاتحادي الوارد في المسوّدات هو اقرب الى كيانات في طريق الانفصال او الانسلاخ او على أقل تقدير ان الامر سيكون ممكناً لو ارادت هذه الاقاليم ذلك، خصوصاً أن مشروع الدستور لا يتحدث بوضوح عن وحدانية التمثيل الخارجي والعلاقات الدولية والديبلوماسية، وكذلك ما يتعلق بموضوع الموارد والموازنة العامة والعملة، اضافة الى القوات المسلحة، بما يثير مثل هذه الشكوك!

***

ربما سيكون هذا اللغم هو الأخطر بعد الطائفية إذا استفحل وانفجر، والمسألة لا تتعلق بأقليم كردستان، الذي هو كيان قانوني وسياسي منذ قانون الحكم الذاتي لعام 1974 (رغم نواقصه وثغراته الكبيرة) والاستقلال الذاتي الموسع وشبه الكامل خلال الفترة بين أواخر العام 1991 وحتى العام 2003، بل بدزينة الأقليم المفترضة والمشاريع السياسية التي تقف وراءها!

الدستور الدائم زاد مشكلة الحكم العتيقة تعقيداً، وزرعها بالشك والريبة والنصوص الملتبسة!

كاتب ومفكر عراقي.