الحذاء والمسيّا المنتظر

الياس خوري  - القدس العربي

 


ما العلاقة بين حذاء الجندي الاسرائيلي الذي وضع علي عنق فتي فلسطيني تظاهر ضد الجدار في قرية بلعين، وبين الحاخام مناحيم مندل شنيرسون؟
هذا الجندي سوف يقوم غدا باخلاء مستوطنات غزة، لكنه لا يزال يعتقد انه يستطيع تأجيل شرب كأس الانسحاب من الضفة، فيقوم هنا بدوس الفلسطينيين محققا جزءا من نبوءة مناحيم مندل شنيرسون، بينما يقوم هناك، باجلاء اتباع ماسيّا المنتظر الذي يعتقد بعض اليهود انه سيقوم من الموت من اجل ايقاف عملية تفكيك المستوطنات في غزة.
والحكاية طريفة وتستحق ان تروي.
جاء في تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية ان جماعة من الفتية الاسرائيليين الذين يقيمون في مستوطنة نيفي ديكاليم في قطاع غزة، يؤمنون ان الحاخام شنيرسون هو المسيّا المنتظر، وهم يأملون قيامته من بين الاموات من اجل انقاذهم من عملية اخلاء المستوطنات.
والطريف ان افراد، المجموعة التي جاء معظم اعضائها من بروكلين في نيويورك للاقامة في غزة، يدمنون شرب الكوكاكولا، ويعلقون علي صدورهم صورة الحاخام البلجيكي والي جانبها عبارة غوش قطيف الي الابد .
اغلب الظن ان فتية بروكلين هؤلاء لن يقاوموا الجيش في شكل جدي، لكنهم يقومون بخلق ما يمكن تسميته بالحالة المسيانية، التي ستسيّل دموع مشاهدي التلفزيون في امريكا واوروبا وهم يرون كيف تتنازل اسرائيل عن الأرض من اجل السلام مع الفلسطينيين.
بالطبع سوف ينسي المشاهد منظر الحذاء علي رأس الفتي الفلسطيني في قرية بلعين، فهذا جزء من الحرب التي يخوضها العالم المتحضر ضد الارهاب، وسوف يجد في مسيانية فتية بروكلين مادة للتسامي الروحاني. فالتيارات البروتستانتية الاصولية التي تستشري في الولايات المتحدة، تجد في هذا العته الاصولي اليهودي مسوغا لعتهها ولاساميتها العميقة، وعنصريتها.
عنصر الاثارة سوف يقدمه ادمان المجموعة علي شرب الكولا. هنا تندغم القيمتان الكبريان في ايديولوجية اليمين الجديد: التدين الاسطوري والاستهلاك الرأسمالي. والقيمتان لا تكتملان الا بنزعة عسكرية تعتقد انها تستطيع حل مشكلات العالم عبر اللجوء الي القوة الغاشمة.
حتي كتابة هذا المقال لم يقم الحاخام المنتظر من الموت. وهو لن يقوم علي اي حال. لكن فتية بروكلين ومن لف لفهم من المستوطنين سوف ينقلون انتظاراتهم من غزة الي الضفة. غزة انتهي امرها، وجميع الاسرائيليين، بمن فيهم اعداء الانسحاب يعلمون ان البقاء في غزة هو كمن يحرث البحر. لذا فان اثارة الضجيج وتعميم العويل علي المستوطنات التي سوف تهدم، وتضخيم الكلام عن اليهود الذين يطردون من ارضهم ، لا هدف له سوي تغطية الجريمة المنظمة التي ترتكب في الضفة الغربية، حيث تسعي اسرائيل الي ضم خمسة وخمسين بالمئة من الاراضي المحتلة، جاعلة من حلم انشاء دولة فلسطينية وهما.
غير ان هناك وجها آخر للمسألة.
صحيح ان اسرائيل سبق لها ان انسحبت من غزة بعد حرب السويس، التي كانت حماقة استراتيجية ارتكبها بن غوريون بالاشتراك مع الفرنسيين والبريطانيين. غير ان الانسحاب اليوم، وبعد القداسة التي اضفيت علي الاستيطان في الزمن الليكودي- الشاروني، تتخذ بعدا آخر. انها تؤسس للشرخ الحقيقي الاول في البنية الايديولوجية الاسرائيلية. كان من المفترض باتفاق اوسلو ان يشكل هذا الشرخ، غير ان خبث قادة حزب العمل والتباساتهم الايديولوجية، اضافة الي جبنهم الاخلاقي، رمي كرة النار في ملعب الجيش. شارون اليوم هو زعيم الجيش وليس زعيم الليكود فقط. والهرب الشاروني الي الانسحاب هو حيلة عقلانية من اجل تلافي انشاء دولة فلسطينية. اي انه يتحدي المسيانية الصهيونية باسم المصلحة الصهيونية.
لم يسبق لاسرائيل ان واجهت هذا النوع من التناقض. فلقد ارسي بن غوريون عبر تحالفه مع التيار القومي الديني، اسس المساومة بين الصهيونية العلمانية والتيارات اليهودية، وهي مساومة تركت كل شيء مؤجلا. من الزواج المدني، الذي لا وجود له في الدولة العبرية، الي تحديد من هو اليهودي.
الشرخ لا يحصل لاسباب ايديولوجية. صحيح ان صعود الاصولية اليهودية، وهو جزء من موجة صعود جميع الاصوليات الدينية بعد نهاية الحرب الباردة، يلعب دورا في هذا السياق، لكن المسألة يجب ان تقرأ في مكان آخر. الشرخ الاسرائيلي هو محصلة مقاومة الشعب الفلسطيني. وانا لا اشير فقط الي المقاومة المسلحة، بل الي جميع الاشكال المتاحة لمقاومة الاحتلال وصولا الي المقاومة الديموغرافية.
هكذا، وبعد عقود من المعاناة، بعد الاحتلالات والاجتياحات والمذابح، تجد اسرائيل نفسها امام نوع جديد من الخيارات.
خيارات الماضي، اي حتي اجتياح لبنان عام 1982 كانت خيارات هجومية توسعية. اي ان خرائط قيادة الاركان الاسرائيلية كانت مليئة باحتمالات التوسع. ولكن بعد لبنان، وبعد الانتفاضتين، ضاقت الخيارات، وصار ترميم الحدود من اجل صدّ المقاومة هو الهاجس. الفرصة اتيحت في اوسلو، لكن الشهوة الي القدس والارض والمياه، منعت اسرائيل من الوصول الي سلام مشرف. فاذا بها تتخبط في خياراتها، وتتابع الانسحاب المنفرد، اي الهرب، بعد لبنان جاءت غزة، وماذا بعد غزة؟
اسرائيل امام امتحان سياسي وايديولوجي كبير. الانسحاب من الضفة لن يكون بالسهولة النسبية التي سوف يتم فيها انسحاب غزة. والأمر متوقف علي الكيفية التي سيدير فيها الفلسطينيون الصراع بعد الانسحاب.
رهان شارون هو علي الحرب الاهلية الفلسطينية. وهذا ما يجب ان يعيه الجميع، وخصوصا التيارات الاسلامية التي عليها اليوم مسؤولية ان لا تدفع الامور الي الخراب.
ولكن ماذا لو نجح الفلسطينيون في تجاوز كأس الحرب الاهلية؟ ماذا سيفعل شارون ونتنياهو وبقية الطبقة الحاكمة الاسرائيلية؟ هل تذهب اسرائيل الي الانقسام الاهلي ، ام تتابع شرب الكولا، ودوس اعناق الفلسطينيين في انتظار المسيّا الذي لن يأتي؟