صرخة من أمٍّ أميركية: أعيدوا أولادنا إلى الوطن!  

 باتريك سيل


 

في عام 2000 قام رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك بسحب قواته من جنوب لبنان بعد احتلال دام 22 عاما، وذلك بسبب ما عاناه جنوده من "العذاب الصيني" أو لنقُلْ من تكتيك الماء الذي يتساقط قطرة قطرة على الحجر حتى ينفلق، الذي لجأ مقاتلو حزب الله إلى اتباعه عن طريق القيام بخطف الجنود الإسرائيليين بشكل منتظم. بيد أن ذلك لم يكن هو السبب الوحيد للانسحاب، فالحقيقة أن باراك قد قام بإعادة جنوده إلى إسرائيل بعد أن أصبحت جماعة الاحتجاج المكونة من أمهات إسرائيليات، والتي كان يطلق عليها اسم "حركة الأمهات الأربع" عالية الصوت، وذات نفوذ كبير إلى درجة لم تجد معها الحكومة الإسرائيلية مفرا من الرضوخ لمطالبها. وكان الدور الذي قامت به الحركة هو أنها أظهرت إلى العلن ما كان العالمون ببواطن الأمور يعرفونه منذ مدة طويلة وهو: أنه لم يكن لدى إسرائيل تبرير موثوق به من الناحية الاستراتيجية أو السياسية، يدعوها لمواصلة احتلالها لجنوب لبنان، كما لم يكن هناك أي شيء يبرر لها أن تفقد جنودها على تلك الجبهة بشكل يومي تقريبا.
والولايات المتحدة تواجه وضعا مشابها اليوم. فهناك أم أميركية تدعى "سيندي شيهان" تقوم الآن بفضح النهج القائم على الرياء والنفاق والخطاب المزدوج الذي تبنته الإدارة الأميركية بصدد حربها في العراق. فالعالم كله يعرف الآن أن تلك المرأة هي أم لجندي أميركي عمره 24 عاما لقي مصرعه في العراق، وأنها تعسكر على جانب الطريق خارج مزرعة جورج بوش في تكساس منذ السادس من أغسطس الحالي، وتريد مقابلة الرئيس كي يقول لها ما هي بالضبط "القضية النبيلة" التي مات ابنها من أجلها.
وقد أصبحت هذه المرأة - بفضل وسائل الإعلام الأميركية- تمثل "الوجه الوطني للاحتجاج" ضد حرب العراق التي تفقد مصداقيتها لدى الشعب بشكل مطرد. من الناحية السياسية يمكن القول إن تلك المرأة تمثل شحنة ناسفة تهدد بالانفجار في وجه بوش وذلك بعد أن قامت بشن هجوم مباشر وشامل على الموضوع الذي يمثل لب سياسة الرئيس الخارجية وهو ما يعني أنه لن يكون بمقدوره تجاهلها.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن معدل قبول سياسات بوش آخذ في التدهور، وخصوصا بعد أن لقي ما يزيد على 35 جنديا أميركيا مصرعهم في العراق منذ بداية شهر أغسطس الحالي، وهو ما يعتبر - إذا ما أخذنا متوسط الخسائر الأميركية في الحسبان- الشهر الأكثر دموية بالنسبة لهم منذ أن اندلعت الحرب في العراق في مارس من عام 2003. فعدد الجنود الأميركيين الذين لقوا مصرعهم في القتال يقترب من الرقم 2000، وهناك إلى جانب ذلك ما يعادل عشرة أضعاف هذا الرقم من الجرحى. وهذه الأرقام تعد صغيرة نسبيا، بيد أن تأثيرها كبير للغاية على الرأي العام الأميركي، خصوصا إذا ما عرفنا أن التكلفة المادية لتلك الحرب لا تزال باهظة حيث تبلغ بليون دولار أسبوعيا.
ولقد بدأ الشعب الأميركي يسأل بعض الأسئلة المحرجة التي حاول بوش وحليفه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير التغطية عليها ومنها: هل ساهمت الحرب العراقية في جعل الولايات المتحدة وبريطانيا أكثر أمنا؟ الإجابة هي بالنفي القاطع بالطبع، وخصوصا بعد أن أصبح لدى اللندنيين سبب وجيه يدفعهم للإجابة بالنفي على هذا السؤال بعد الهجمات المميتة التي وقعت ضد شبكة مواصلاتهم الشهر الماضي. الذي حدث في الواقع هو العكس تماما حيث ساهمت تلك الحرب التي أدت إلى مصرع عشرات الآلاف من العراقيين، وتدمير دولتهم، في تعميق حجم الكراهية التي تحملها المجتمعات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم للولايات المتحدة وبريطانيا، بشكل أصبح معه قيام أعضاء راديكاليين غاضبين من تلك المجتمعات بردود أفعال عنيفة ضدهما أمرا محتملا تماما.
السؤال المحرج التالي هو: هل يمكن هزيمة التمرد العراقي؟ الإجابة أن ذلك يعد أمرا مشكوكا فيه بل إن درجة الشك في إمكانية ذلك تزداد باستمرار. والحقيقة هي على العكس من ذلك تماما، حيث تقوم قوات التمرد الآن باستخدام كميات أكبر كثيرا من المفرقعات، كما تستخدم أنواعا أكثر تطورا من وسائل التفجير، كما تبدو كذلك وكأنها قادرة على الاعتماد على مدد لا ينضب من الأفراد المدربين. وبدلا من السعي لتحقيق النصر فإن الولايات المتحدة الأميركية قامت بتخفيض سقف أهدافها لتكتفي فقط بمجرد تدريب أعداد كافية من العراقيين لتولي مسؤولية قتال المتمردين بدلا منها، وهو أمر يتوقع أن يستغرق عدة سنوات أخرى.
هل كانت هناك صلة بين العراق وبين الهجمات الإرهابية التي وقعت ضد الولايات المتحدة الأميركية في الحادي عشر من سبتمبر 2001؟ مرة ثانية الإجابة هي بالنفي القاطع. فصدام حسين كان عدواً للقاعدة، كما أنه ليست هناك علاقة بينه وبين العمليات التي وقعت ضد أهداف أميركية قبل ذلك اليوم، وكل ما هنالك هو أن المسؤولين ذوي التوجهات الإيديولوجية في الإدارة الأميركية قد استغلوا أحداث الحادي عشر من سبتمبر كحجة استندوا عليها لمهاجمة العراق.
وإدارة بوش لا تزال تحاول الترويج لفكرة إيجاد صلة بين العراق وبين أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو الشيء الذي يمكن رؤيته على سبيل المثال في "مسيرة الحرية" التي دعا دونالد رامسفيلد إلى تنظيمها في الحادي عشر من سبتمبر القادم من أجل دعم الحرب في العراق.
هل تم شن الحرب لجلب الديمقراطية إلى العراق؟ مرة أخرى الإجابة هي بالنفي القاطع. فلقد تم شن تلك الحرب من أجل هدفين رئيسيين لم يتم الاعتراف بهما حتى الآن هما: التخلص من نظام صدام حسين، ودعم الوضع الاستراتيجي لإسرائيلي من خلال تدمير دولة عربية كبرى.
هل العراق في طريقه للتحول إلى دولة تابعة للولايات المتحدة وصديقة لإسرائيل بما يحقق الخطط الموضوعة من قبل المحافظين الجدد في واشنطن؟ ليس هناك أمر أقل احتمالا من هذا الأمر. فالحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة في العراق تتحرك بالفعل الآن للتقارب مع جمهورية إيران الإسلامية على الرغم من الإرث المرير المترتب على الحرب التي اندلعت بين الدولتين والتي استغرقت ثماني سنوات كاملة (1980- 1990).
هل إيران وسوريا تقومان بصب الزيت على نار التمرد العراقي كما تدعي أميركا؟ إن هاتين الدولتين اللتين تمتلكان حدودا مشتركة مع العراق لديهما مصلحة كبيرة في المحصلة التي سيسفر عنها الصراع المرير الدائر حاليا هناك. فآخر شيء تودان رؤيته هو دولة عراقية تحت السيطرة الأميركية، لأن ذلك سوف يشكل تهديدا خطيرا لأمنهما القومي، بل وقد يعرضهما لخطر هجوم عسكري. والسياسة الأميركية تجاه هذين البلدين والمدفوعة إلى حد كبير من قبل جماعات المصالح في واشنطن هي سياسة عنيدة إلى حد فاضح. فبدلا من السعي للحصول على مساعدتهما لتحقيق الاستقرار في العراق فإن الولايات المتحدة وجهت إليهما سيلا عارما من التهديدات والإساءات والعقوبات. وليست هذه هي الطريقة التي يمكن بها كسب تعاونهما.
إن الولايات المتحدة (وبدرجة أقل بريطانيا) تواجهان احتمال التعرض لكارثة في العراق بعد أن أججت عداوة القومية العربية والراديكالية الإسلامية لهما. ومن هنا فإن قيامهما بمراجعة شاملة لسياستهما في المنطقة قد تكون هي الخيار الأفضل والأكثر فائدة من اتخاذ المزيد من الإجراءات المضادة للإرهاب، وفرض المزيد من القيود على الحريات الفردية تحت مسمى تحقيق الأمن.