العلمانية الأميركية اليوم بين التديـّن و'الديانة المنظمة'

جون بورنمان - النهار

 

إليكم هذا الوصف للرئيس الأميركي في عدد 13 تشرين الأول 2003 من المجلّة الأدبية الأبرز في الولايات المتحدة "نيويوركر". حصان جمح، وعلى الرغم من أنّه لا يزال يصغي إلى فارسه، أخذ يعدو بطريقة خارجة عن السيطرة. وفارس يظنّ أنّه يرى بوضوح شديد ما هو أمامه، فهذا ما يوحي به صفاء عينه الوحيدة. وفي سبيل أن يرى بوضوح، يضع غمامتين تحجبان الرؤية عند الأطراف، فتمنعانه من رؤية ما هو خلفه أو إلى يمينه أو يساره. والمكان الذي يعدو فيه الحصان هارباً، كئيب وكلّه أنقاض. على الأرجح إنها صحراء، وعلى الأرجح إنّ حرباً دارت فيها. لكن يبدو الفارس غافلاً عن كلّ ما يجري حوله، تحرّكه صورة داخلية ما لا نراها نحن المتفرّجين.

مهما كانت الصورة التي تحفّز الحصان وقد تكون المكان المدمّر فهي تقوده إلى الجنون وتجعله يرغب في الفرار، في الهروب بغضّ النظر عن الاتجاه الذي يسلكه. ومهما كانت الصورة الداخلية التي تحفّز الفارس، فهي تعزّز ثقته بنفسه وتمنحه، على الأقلّ في نظر نفسه، مظهر من يتمتّع بسلامة العقل والهدوء وراحة البال والاقتناع بأنّ رؤيته صائبة ومعصومة عن الخطأ. بعيداً عن ثياب الفارس التي توحي بأنّ لديه ذهنية "كاوبوي" مقاتل، ليس هناك أيّ تلميح إلى محتوى الصورة التي تقنعه بحدّة إدراكه، قدرته على رؤية الطريق أمامه، على رؤية مستقبل بدون "إذا" أو"و" أو"لكن". كما أننا لا نعرف المحتوى الدقيق للصورة وللخوف الذي يؤدّي إلى جموح الحصان.

أستنتج أنّ الحصان هو الولايات المتحدة. إنها أميركا التي تعدو، تهرب جامحةً بغضّ النظر عن الاتجاه. والفارس هو الرئيس بوش، على الأرجح إدارته بكاملها، الأشخاص الذين يسيطرون على الحكومة الأميركية، الذين يظنّون، أو على الأقل يبدو عليهم أنّهم يظنّون أنهم يعرفون إلى أين يقودون الحصان بالضبط. تمثّل هذه الصورة رؤية تبشيرية مناهضة للعلمانية قال بوش إنّ رسالته مستمدّة مباشرة من سلطة عليا، هي الله على الأرجح كانت على الدوام جزءاً من نظرة الولايات المتحدة إلى نفسها كأرض مميّزة، ك"بلاد الله". لكنّ هذه الصورة تتعارض مع رؤية تنويرية هي أيضاً جزء من التقليد الأميركي وتستند إلى تفاهمات علمانية حيث يقود تقويم الوقائع إلى التشكيك في العقيدة والتطيّر، وحيث الحقائق عرضة للتدقيق النقديّ، وحيث هناك لاأدريّة رسمية حول الرؤى المختلفة عن "الحياة الجيّدة" أو عن التعبير المناسب عن التديّن. أما الرؤية المناهضة للعلمانية فتُقدِّم اليقين والثقة والاقتناع على الشكّ والعلوم، وكل حقيقة تعترض طريقها يكون مصيرها التجاهل أو الإخفاء.

ما هي العلمانية الأميركية اليوم، وكيف نفهم النجاحات الانتخابية الأخيرة للحركة المناهضة للعلمانية داخل الولايات المتحدة؟

 

التديّن والديانة المنظّمة والعلمانية

ينطلق معظم الباحثين في تعريفهم للعلمانية من اعتبارها مناقضة للديانة، مستندين بذلك إلى الجدل الفرنسي حول العلمانية ومتجاهلين تقليداً أميركياً بديلاً. في الواقع، منذ القرن السادس عشر في أوروبا والولايات المتحدة، اكتسبت السياسات العلمانية حقل نفوذ وميداناً للتحرّك نسمّيه الآن حكومة أو الدولة، وذلك على حساب الديانة المنظّمة. في ذلك الوقت، كان إنشاء حكومات علمانية أو الدولة العلمانية ردّاً على الحروب بين المذاهب الدينية داخل المسيحية. كان فشل ديانة عالمية محدّدة، أي المسيحية، وليس الديانة في ذاتها، في تنظيم الحياة بطريقة سلمية بين مختلف ممارسيها أو المؤمنين بها، ما أدّى إلى نشوء دول علمانية.

إذن أودّ هنا الإشارة إلى تمييز أولّي بين الديانات المنظّمة والتديّن. لا أقصد بالديانات المنظّمة الديانة بمفهوم [عالم الاجتماع الفرنسي] إميل دوركهايم، أي ديانة المجموعة التي تخلق رمزاً مقدّساً وتعبد نفسها، بل أقصد "الديانات العالمية" بمفهوم [عالم الاجتماع والاقتصاد الألماني] ماكس فيبر البوذية والكونفوشيوسية والمسيحية واليهودية والإسلام والهندوسية. الديانات العالمية ابتكارات تاريخية، وهي في شكل أساسي منظمات سياسية. لا تميّز نفسها رسمياً، في عملياتها، عن السياسة، عن الالتزام العملي والاستراتيجي بالمسائل المرتبطة بمن يحصل على ماذا ومتى وأين وكيف. لكنّ المصدر الأولي لمعظم الديانات، بما فيها الديانات العالمية، ومساهمتها المستمرّة، لم يكن في شكل أساسي الرغبة في السياسة، أي الحصول على السلطة السياسية وممارسة النفوذ السياسي. بل كان الدافع التديّن، واستنباط أجوبة حكيمة عن أسئلة وجودية، أسئلة لا جواب عنها يطرحها البشر دون سواهم من الحيوانات مثل: ما هو الخوف وكيف نسيطر عليه؟ ما معنى الحياة والموت؟ ما هو موقع البشر في الأكوان؟ لماذا يعاني البشر وكيف يجب أن نتعامل مع معاناتهم؟

ليست العلمانية، بالمعنى الذي أستعمل فيه العبارة، ديانة (أو الترياق أو المفهوم المضادّ للديانة) ولا نمط حياة. إنها فلسفة براغماتية لتنظيم السلطة السياسية أو الحياة المدنية، ومنذ الثورتَين الأميركية والفرنسية على الأقلّ، إن لم يكن قبل ذلك، كانت لديها ميزة أساسية واحدة: تقول السلطة العلمانية إنّ مصدرها هو الشعب وليس مصدراً إلهياً. لكن لا تستطيع أيّ سلطة سياسية الهروب كلياً من التديّن وتجنّب التطرّق إلى بعض الأسئلة الوجوديّة الأكثر إلحاحاً عن معنى الحياة والموت. من هنا تميل الأيديولوجيات العلمانية إلى استنباط أجوبة غير مستقلّة عن الديانات المحلّية بل في تفاعل معها.

حتى في أشكالها التجميعيّة المتطرّفة في القرن العشرين، مثل الفاشية والشيوعية، وفي الأشكال الحادّة للقومية، لدى السلطة العلمانية علاقة تكافليّة بالديانة المنظّمة. حالياً، تبدو السلطة العلمانية في الولايات المتحدة في تكافل مع المذاهب الأصولية البروتستانتية، لا سيما المذاهب الإنجيلية التي تحبّذ الاتصال المباشر مع الله بدون وساطة، مما يغيّر بدوره النظرة إلى الممارسات العلمانية. منذ أواخر السبعينات، ومع بروز مجموعة سمّت نفسها "الغالبية الأخلاقية" وتزايد عدد الإنجيليين الذين يقدّمون برامج دينية تلفزيونية، دخلت هذه المذاهب الدائرة السياسية بقوّة وحقّقت نجاحاً في نهاية المطاف، ومن المتعارف عليه الآن أنّ لها الصوت المهيمن في إدارة بوش والحزب الجمهوري بكامله. لا أهدف هنا إلى إيراد المراحل التاريخية بل إلى تحليل شكلها ومعناها الحاليَّين في ثلاثة أحداث: الحرب على الإرهاب، قاضي الوصايا العشر، وزواج مثليّي الجنس.

الخوف، اللامألوف،

 

تنظيم القاعدة

منذ حوالى نصف قرن، لم تقدّم الأيديولوجيات العلمانية أجوبة جديدة عن الأسئلة الفلسفية حول المعنى أو المعاناة أو الموت ما عدا مسألة واحدة أودّ التركيز عليها، وهذه المسألة هي الخوف الذي هو عنصر التركيز الأساسي للمعنى في دولة الأمن القومي. في الولايات المتحدة، تدور الحرب المستمرّة والتي يستحيل الفوز فيها التي تشنّها إدارة بوش على الإرهاب، حول الخوف الذي هو مصدر أوّل للتديّن، مساحة مقدّسة حيث تتحرّك الآلهة والشياطين بحرّية أكبر. الخوف طبيعة ملازمة للجنس البشري، شبح دائم يطارد البشر في كل مكان وزمان. إنه مرتبط بالمجهول، بالخارج عن السيطرة، باللامنظور، بالموت نفسه. ثقافياً، شكله الأقوى هو das Unheimlich، اللامألوف المرتبط بالديار وعنصر الأم، ذلك الشعور الذي يولدّ خشية لأنّه يبدو غريباً ومألوفاً في الوقت نفسه.

في النصف الأول من القرن العشرين، وجدت البحوث الأنتروبولوجية في المجتمعات التي لا رأس لها مجتمعات غير معرّضة للديانة المنظّمة وبدون قائد أو دولة، وتالياً خالية من مفهوم العلمانية أنّ المقدّس موجود في كلّ مكان في عالمها، وأنّ الحياة اليومية متداخلة فيه. كانت الأماكن المقدّسة مليئة بالغموض والأسرار القويّة ومحاطة بالمحرّمات، مع ولوج محدود وانتقائي إليها غالباً ما يتحكّم به اختصاصيون في الطقوس الدينية. وبما أنّ أشياء كثيرة كانت بحكم المجهول، كان المقدّس مكاناً يسود فيه الخوف. ومن المساهمات البارزة لفرويد أنّه ذكّرنا بأنّ أشكال الخوف الأولية التي يسمّيها "دوافع قديمة" تلازمنا، وأنّ الجنس البشري لن يتمكّن أبداً من التخلّص منها، وأنها ستكون دائماً عرضة للانتقال والاستبدال والتركيز والكبت. بدأ فرويد يعدّ نظريات عن اللامألوف من خلال دراسة افتتان الولد بfort und da لعبة الغمّيضة، الآن أنت هنا وفجأة تختفي وهي لعبة موجودة منذ البدء تركّز على خوف الإنسان من الغياب والحضور، وتشكّل مقياساً لتنظيم أشكال الخوف لدى البالغين.

في الولايات المتحدة اليوم، هذا الخوف من الغياب والحضور هو الذي يمدّ تنظيم "القاعدة" وبن لادن بالنفوذ، ويفسّر الاستثمار السياسي والديني الأميركي في هذه المسألة. تنظيم "القاعدة" هو انتقال لخوف بدائي (من الاتحاد السوفياتي) وتركيز لهذا الخوف. إنه معقل اللامألوف (المعتاد والغريب على حدّ سواء)، استعمله بوش بنجاح في استراتيجيا حملته الانتخابية حيث دُمِج "الأمن الداخلي" (كذا) والهجوم العسكري في العراق كمركزَي "الحرب على الإرهاب". لاحظوا كيف أنّ الداخل، فسحة الأمن التي تستطيع الأم وحدها تأمينها، يصبح في هشاشته محارباً ولا يمكن تمييزه عن منطقة حربية. وضعت مدن أميركية عدّة كاميرات تجسّس لجمع "معلومات استخبارية داخلية" تُدمَج مع "معلومات استخبارية سرّية" (لا يمكن مشاطرتها مع العامّة) جُمِعت في مكان آخر، لتتمكّن وزارة الأمن الداخلي من إطلاق أحد إنذاراتها المشفّرة بالألوان (لعبة أولاد؟) لإعلام الأميركيين عن احتمال حدوث هجمات إرهابية، لكنّ هذا يجب ألا يمنعهم من التبضّع أو التنقّل لأنّ التوقّف عن ممارسة هذه الحرّية هو بمثابة اعتراف بأنّ العدو قد فاز.

في مقال ممتاز في عدد 13 كانون الثاني في "ذي نيويورك ريفيو"، كتب جوناثان رابين "تعني عبارة "تنظيم القاعدة" شيئاً مختلفاً عملياً في كلّ مرة تُستعمل فيها. أحياناً... تشير إلى الفصائل السرّية لمختلف المجموعات الإسلامية المجاهِدة حول العالم... أحياناً تعني شركة عبر وطنية، مثل "ستاربكس"، مع شبكة من الخلايا النائمة في العالم بأسره لكن التي تخضع لسيطرة مركز رئيسي في مكان ما في باكستان أو أفغانستان. وأحياناً توصف كمؤسّسة صاحبة امتياز، مثل "سيفن إليفن"، فتؤجّر اسمها لكل مالك متجر مستقلّ وغير ذي شأن يكون مستعدّاً للاشتراك في برنامج الشركة، وأحياناً كمتجر أو مصرف يملكه أسامة بن لادن ويشغّله. [في الانتظار] ليست لدينا معلومات فعلية عن حجمها أوهيكليّتها التنظيمية أو خططها... بدلاً من ذلك، قد يظنّ المرء أنّ تنظيم "القاعدة" من صنع مخيّلتنا المؤجّجة، سراب من ابتكار خليّة نائمة من المشعوذين المنتمين إلى المحافظين الجدد في واشنطن، وتضيف إليه الصحافة الساذجة مادّة تزرع الرعب بطريقة مناسبة".

لم يكتب رابين هجاء عن التخيّلات الأميركية عن تنظيم "القاعدة". فهو يأخذ احتمال حدوث هجوم إرهابي على محمل الجدّ لكنّه يعتبر أنّه من المستحيل تجاوز التشويش والمبالغة والبروباغندا التي ترافق المعلومات التي تُعطى لعامّة الناس. تخيُّل حرب على الإرهاب، مركزها الشرق الأوسط، متجذّر بعمق في الأوساط المسيطرة في الحزب الجمهوري الأميركي، وقد سبق هجمات 11 أيلول التي تحوّلت فقط الحدث الذي جسّد الرغبة الغريبة في التعبير عن هذا الإرهاب المتخيَّل.

كتب أحد أقوى ثلاثة أعضاء في النخبة الحاكمة، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد عام 2001، قبل هجمات 11 أيلول واجتياح العراق "التحدّي المطروح أمامنا هو الدفاع عن أمّتنا ضدّ اللامعروف واللاأكيد واللامنظور واللامتوقّع" (رامسفيلد 23:2001). أليس هذا الدفاع ضدّ "اللامعروف واللاأكيد واللامنظور واللامتوقّع" محاولة لضمان الأمن ضدّ الشيطان الكلّي المعرفة الشرّير الذي لا يعرف حدوداً إقليمية ويتّخذ أشكالاً عدّة ولا يمكن أبداً التعرّف عليه أو التأكّد منه أو رؤيته أو توقّعه في شكل كامل؟ وحده الله يستطيع أن يقدّم هذا النوع من الأمن وهذا هو بالضبط الموقف الذي تتّخذه إدارة بوش: يعتبرون أنهم يشنّون حملة صليبية بأمر من الله لمطاردة الشيطان. ومن هنا لا يتكلّم أعضاء الإدارة الحالية باسم الولايات المتحدة فقط بل باسم الحضارة ككل وتالياً باسم العالم كلّه. فقد قال بوش في احدى خطب حملاته الانتخابية في تشرين الأول 2004 "ليست الحرية هدية أميركا إلى العالم. الحرية هي هدية الله الكلّي القدرة إلى كلّ شخص منا". وفي خطابه عن حالة الاتحاد عام 2003، قال: "بينما تبني أمّتنا أو قواتنا تحالفات لجعل العالم أكثر أماناً، يجب أن نتذكّر أيضاً دعوتنا كبلد مبارَك، بأن نجعل العالم أكثر أماناً".

ليست هذه الحرب على الإرهاب حرباً سياسية تقليدية قد تنتهي بانتصار "المبارَك" على عدوّ محدّد بوضوح، بل يتخيّلونها حرباً مستمرّة على "الأشرار". إذاً نحن أمام استعارات مختلطة حيث من العقيم فصل السياسة عن الدين: تتصرّف الولايات المتحدة، وهي دولة علمانية مبارَكة، بعدوانية من خلال جنودها وعبر تصدير الحرّية، باسم الله ( من خلال رسوله الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش) في سبيل حماية العالم من عملاء الشيطان. في اليوم الذي تلا الانتخابات الأخيرة، أي في الثالث من تشرين الثاني الماضي، عاد بوش مجدداً إلى الخطاب العلماني، مستعملاً الاستعارات الاقتصادية والسياسية، وقد قال "فزت بما أسمّيه رأسمالاً سياسياً والآن أنوي أن أنفقه". باسم الله بالتأكيد.

إذن لا يطلب التحليل الذي أقترحه للمجتمع الأميركي تحديد مجالات الديانة والسياسة بل يطرح الأسئلة الآتية: أين يقع المقدّس؟ من يستطيع الولوج إليه؟ من يتحكّم برمزيّته؟ أين اللامألوف؟ أين الخوف؟ كيف يُتخيَّل؟ كيف يُروَّض أو يُستثار؟ سأختصر حجّتي بالنقطة الآتية: أولاً، يجب عدم وضع الديانة في مقابل السياسة لأنّ الديانة المنظّمة هي بكل بساطة شكل آخر من أشكال السلطة السياسية. ثانياً، ما نسمّيهما سياسة وديانة هما عرضة للمطالب والمشكلات البشرية نفسها، ويعملان في إطار المجموعة نفسها من الكوابح التخيّلية والسيكولوجية البشرية حيث الخوف والسيطرة عليه مصدر قوّة أساسي. وثالثاً، كان بُعد الخوف الديني السلاح الاستراتيجي الأساسي في حملة بوش في انتخابات 2004. أثناء الحملة الانتخابية، لم يأتِ بوش إلا نادراً جداً على ذكر بن لادن (الذي ظهر من جديد بطريقة غامضة ومنذرة بالسوء ومفيدة [لبوش] في شريط فيديو في الأسبوع الأخير للحملة)، لكنّ تنظيم "القاعدة" كان موجوداً دائماً كشبح عن الإرهاب الكامن، لا سيما من حيث المعنى المرتبط بالمقدّس: سرّي، محاط بالمحرّمات، يتحكّم به اختصاصيون في الشعائر الدينية مع ولوج محدود وانتقائي.

 

الشعب والوحي الإلهي

إذن كيف يستطيع المرء أن يفهم جيداً ما الذي يميّز السلطة العلمانية وعمليّاتها، لا سيما كيف تتعامل مع المقدّس والخوف واللامألوف، الأمر الذي قد يميّزها عن السلطة الثيوقراطية أو القبلية أو أشكال أخرى من السلطة؟ هناك في شكل عام نقطتان عن السلطة العلمانية. أولاً، يحل "الشعب" مكان "الله" كمركز نفوذ سياسي مفوِّض للسلطة، مما يضع الشعب في موقع يخوّله أن يخلق المقدّس عن وعي ذاتي. ثانياً، تُغيّر العقلانية وعمليّات العقلنة ما يُسمّى شروط الحداثة، القدرة على خلق عالمنا الخاص عن وعي ذاتي علاقتنا بالتديّن وتالياً عمليات الديانة المنظّمة.

غالباً ما تتمّ الإشارة إلى واقع أنّ واضعي الدستور الأميركي رجال مثل توماس جيفرسون وبنجامين فرانكلين وجيمس مديسون منحوا سلطة عليا ل"نحن الشعب" ولم يأتوا على ذكر الله، كدليل عن فهم تقليدي للعلمانية، وللسياسة في معزل عن الدين. وأعاد رؤساء كثر التأكيد على هذا الموقف في المئتَي سنة اللاحقة، بمن فيهم أبرهام لنكولن، الذي كان له قول شهير بشأن اختياره للكلمات (وعدم إتيانه على ذكر الله) في إعلان الإعتاق: "يفاتحني بالموضوع... رجال دين متأكّدون بالدرجة نفسها من أنّهم يجسّدون الإرادة الإلهية. آمل ألا تعتبروه انعداماً للياقة إن قلت إنه إذا كان هناك احتمال بأن يكشف الله إرادته للآخرين في مسألة مرتبطة جداً بمهماتي، فيُفترَض أن يكشفها لي مباشرةً... لكن هذه ليست أيام المعجزات... يجب أن أدرس الوقائع الواضحة والحسّية للقضيّة وأتحقّق مما هو ممكن وأتعلّم ما يبدو حكيماً وصائباً".

إحدى العقائد الأساسية للفلسفة الإنسانية العلمانية الأميركية هي أنّه ينبغي على الحكومة تأمين إطار عمل للاستقلال الديني وحرّية اختيار طريقة العيش، بما في ذلك الديانة التي يريد المرء ممارستها بدون فرض أيّ مذهب ديني أو نظام إيماني فردي. أعادت المحكمة العليا في الولايات المتحدة مراراً وتكراراً التأكيد على هذه العقيدة، لا سيما في الحالات التي تحتكم فيها إلى "التعديل الأول" للدستور الذي جاء فيه: "يجب ألا يُصدر الكونغرس أيّ قانون مرتبط باعتماد دين للدولة أو حظر ممارسة الديانة بحرّية أو التعرّض لحرية التعبير أو لحرية الصحافة...". بعبارة أخرى، تتقدّم أهمية حظر اعتماد دين للدولة وتأكيد الحرية الدينية، على مفاهيم وجوب أن تكون الحكومة ثيوقراطية أو ضرورة إدخال الله أكثر في ممارسات الدولة أو الحياة العامّة.

لكن يتمّ دائماً تحدّي هذا المبدأ وإعادة تفسيره، لا سيما حول مفهوم الصلاة في الأماكن العامة، وفي شكل خاص المدارس. على سبيل المثال "عهد الولاء" الذي يبدأ معظم تلاميذ المرحلة الابتدائية يومهم بتلاوته، يضمّ عبارة "أمّة واحدة برعاية الله"، لكنّ المحكمة العليا أصدرت حكماً اعتبرت فيه أنّها مجرّد "تأليهية احتفالية"، عبارة خالية من أي مقصد ديني محدّد. بهذا المعنى، إنها مجرّد تعويذة طقسية، شبيهة بعبارة "إن شاء الله" التقليدية. ما أقصده باختصار هو أنّ الخلافات حول إدخال الله أكثر في الحياة السياسية الأميركية هي في شكل أساسي معركة سياسية، نوع من التمييز في الحياة السياسية. لا علاقة لها بالتديّن ولا تشكّك في فكرة "الشعب" كمصدر وسيّد للأمة.

لكن كيف نفهم إذن، ونفسّر ادّعاءات بوش وآخرين بأنّ لديهم وحياً إلهياً؟ لماذا نشهد في الوقت الحالي ميلاً ملزِماً إلى ذكر الله في الحياة العامة الأميركية، ليس فقط في الحملات بل أيضاً في المدارس والرياضة، ونموّ المذاهب الإنجيلية في الولايات المتحدة؟ أولاً، الوتيرة الكبيرة التي يأتي بها الناس على ذكر الله مؤشّر مباشر ليس على الإيمان بل على غيابه وعلى بحثهم عن وجوده. في مجتمعات عدّة اعتاد علماء الأنتروبولوجيا على وصفها ب"البدائية"، كانت سلطة الوالد تُفرَض جزئياً من خلال حظر التلفّظ باسمه. كان الأبناء يخافون من التفوّه باسم والد بدا وجوده وسلطته مطلقَين. الآن نحن أمام ظاهرة عكسية: تكرار ملزِم لاسم السلطة الإلهية. ليس الله مدعاة للخوف بالنسبة إلى هؤلاء المؤمنين، ففي مختلف الظروف، من السهل جداً، لا بل من الإلزامي جداً ذكر اسمه. إذن مظهر التديّن اليوم مضلِّل لأنّ ذكر اسمه لا يعني أنّ هذه السلطة مستقرّة وراسخة بل العكس، أي إنّ الأفراد الذين يستحضرون الله في كل ما يفعلونه ويقولونه، هم في طور البحث عنه. لا تشير كثرة المناشدة إلى اقتناع أو ثقة بل إلى خوف شديد.

من هذا المنطلق، أرفض كلياً الافتراض الشائع بأنّ الولايات المتحدة، وجزءاً كبيراً من الدول الأخرى، هي في خضمّ صحوة دينية كبرى. صحيح أنّ الديانة المنظّمة تنمو لأسباب عدّة، بما فيها التشوّش وفقدان المعنى المرتبطَين بعمليات التحديث. لكن ما هو الدليل على التديّن أو الاحترام المستجدّ للمقدّس؟ منذ فترة قصيرة، استخدم الكاتب نيوكولاس كريستوف في صحيفة "نيويورك تايمز" أدلّة على الإيمان المتزايد في ولادة يسوع المسيح من عذراء، للقول إنّ الأميركيين يزدادون تقوى وانقياداً وراء الإيمان. "عدد الأميركيين الذين يؤمنون بولادة يسوع من عذراء (83 في المئة) هو ثلاثة أضعاف من يؤمنون بالتطوّر النشوئي (28 في المئة)". مجدداً، المظاهر مضلِّلة. أفسّر هذا الكلام بأنّه منقاد وراء الاستطلاعات، فلا شيء في سلوك الأميركيين يؤكّد أنّهم يؤمنون بأنّ "الولادة من عذراء" ممكنة. قد يكون التثقيف الجنسي في الولايات المتحدة اليوم في حدّه الأدنى، لكنّ الناس مطّلعون جيداً على علاقة الجنس بالتناسل، لا سيما منذ الحملات ضدّ مرض فقدان المناعة المكتسبة (الأيدز) في الثمانينات. من المؤكّد أن الاستطلاع يوحي بوجود رغبة في الإيمان بأسطورة "الولادة من عذراء"، والظهور بهذه الصورة أمام الناس، وهذا ينطبق على المسيحيين وغير المسيحيين على حدّ سواء. لكن ليس هناك دليل سلوكي يشير إلى أنّ الأميركيين يتحوّلون نحو التقوى، أو إلى أنّهم يرتكبون خطايا أقلّ أو يلتزمون عن وعي أكبر بقواعد السلوك الدينية. ما زال الأميركيون يستهلكون المخدّرات كما في السابق، لا بل أكثر (من خلال المزيد من المخدّرات "المشروعة" و"التي تؤخذ بناء على وصفة")، وصناعة الإباحة معروضة بوضوح في المتاجر في كلّ ضواحي البلدات الريفية الصغيرة (مركز هذا الانبعاث الديني المزعوم)، وارتفع عدد ألعاب اليانصيب والمقامرة إلى حدّ كبير في العقود الأخيرة، وليس الأولاد الآن أكثر احتراماً لأهلهم مما كانوا في الماضي، وأكثر من نصف الزيجات الأولى تنتهي بالطلاق، بغضّ النظر عن الأيديولوجيا، وفي ما يتعلّق بالمسيحيين، بغضّ النظر عن المذهب أو الالتزام الديني. ناهيك عن المسائل الأيديولوجية والأخلاقية الأوسع نطاقاً، حيث يدعم معظم الأميركيين عقوبة الإعدام أو يستمرّون في دعم الحرب الدامية في العراق على الرغم من الانهيار الكامل للمنطق الصحيح. هذا بعيد جداً عن الدعوة التي أطلقها المسيح "أديروا الخدّ الآخر".

من السذاجة أن نأخذ بمعناه الظاهري تعريف الأميركيين عن أنفسهم بأنّهم أشخاص مهتمّون جداً بالتديّن أو التقوى، أو في الإطار عينه تصديق التشويش الإعلامي بعد الانتخابات حول "القيم الأخلاقية" بالاستناد إلى استطلاعات الناخبين نفسها التي توقّعت فوز جون كيري! في الواقع الولايات المتحدة هي بلد بدون مقدّسات لكنّه ينعم بالرخاء، وكما قال فيبر، لا يكتفي الميسورون بأن يكونوا مرتاحين مادّياً بل يريدون أيضاً أن يستحقّوا ثروتهم. هذا جزء من تفسير الجاذبية الحالية للمذاهب الأصولية البروتستانتية بين الديانات المنظّمة. في الولايات المتحدة، هناك حماسة قوية جداً للاهوت الازدهار ليس فقط بين مؤيّدي بوش الذي يقرن بين الإيمان بالرأسمالية والمكافأة (وأفضل طريقة لتحقيقه الآن ليست العمل الدؤوب بل خفض الضرائب). كما يزداد عدد المنتمين إلى المذاهب المسيحية المنظّمة التي تشرّع هذا اللاهوت أو تَعِد به.

الجاذبية القويّة للديانة المنظّمة هي جاذبية سياسية، والمقصود بذلك أنّ الديانات المنظّمة تدخل السياسة لتحقيق غاياتها، وأنّه يُطلَب من المتحدّثين السياسيين شرعنة أقوالهم من خلال مناشدة الله. لكنّ الاحتكام إلى الله لم يحلّ مكان الاحتكام إلى "الشعب". على أبعد تقدير، الاثنان مندمجان حيث إنّ التفويض الأكثر إقناعاً للتكلّم باسم "الشعب" هو ادّعاء الوحي الإلهي في الوقت نفسه. تحت تأثير ضغوط مفسّري صوت الشعب مستطلعو الآراء والنقّاد الإعلاميون، والأشخاص أنفسهم الذين يديرون الحملات الانتخابية ويشرحون الرأي العام للرأي العام نفسه تتكوّن حلقة مفرغة: في سبيل التكلّم باسم "الشعب"، يجب أن يتحدّث الشخص من موقع السلطة المستوحاة من الله، أما إذا كان يحقّ للشخص أصلاً التكلّم باسم الله شخص كرّس نفسه لخدمة الله مثلاً أو مسيحي إنجيلي يتكلّم مباشرة إلى الله فهذا يمنحه تلقائياً موقع من يستطيع التحدّث باسم "الشعب". سأشرح هذا من خلال حدث حصل أخيراً مرتبط بـ"قاضي الوصايا العشر".

 

قاضي الوصايا العشر

في قضيّة "غلاسروث ضدّ مور" عام 2003، صادقت محكمة الاستئناف الدورية الأميركية على حكم صادر عن محكمة ألاباما المحلّية التي أمرت رئيس محكمة ألاباما العليا، روي مور، إزالة نصب ضخم من الغرانيت للوصايا العشر من قاعة المحكمة، على اعتبار أنّه ينتهك "بند حظر اعتماد دين للدولة" في "التعديل الأول" للدستور الذي ينصّ على الآتي: "يجب ألا يصدر الكونغرس أيّ قانون مرتبط باعتماد دين للدولة".

بدأ روي مور، وهو رجل قويّ وتقيّ جداً، عمله في السلك القضائي عام 1992، في غادسدن في ألاباما. في محاولة للعودة إلى ما كان يسمّيه "الأساس الأخلاقي" للقوانين، طلب القاضي مور نحت لوحَين للوصايا العشر من خشب الورد، ووضعهما وراء منصّته وكان يستهلّ جلسات المحاكمة بصلوات يتلوها رجال دين محلّيون. عام 1995، تقدّم اتحاد الحرية المدنية الأميركي بشكوى اعتبر فيها أنّ هذين العملَين ينتهكان "التعديل الأول" حول الفصل بين الدين والدولة. أصدر قاضي المحكمة الدورية حكماً بإدانته، فدعم كثر قضيّة مور الذي تحوّل بطلاً شعبياً محلياً ووطنياً. لكن عام 1997، صوّت مجلس النواب الأميركي على دعم مور ب295 صوتاً مقابل 125، وأسقِطت دعوى اتحاد الحرية المدنية الأميركي في الاستئناف.

عام 2000، ترشّح مور بصفته "قاضي الوصايا العشر" لمنصب رئيس محكمة ألاباما العليا، وفاز به. أزال اللوحَين المصنوعين من خشب الورد، من قاعة محكمة غادسدن القديمة، وعرضهما في شكل بارز وراء كرسيه في محكمة ألاباما العليا. بعد سبعة أشهر، وضع نصباً للوصايا العشر مصنوعاً من الغرانيت ووزنه طنّان ونصف الطنّ، في قاعة المحكمة العليا، معلناً أنّه "يجسّد الأسس الأخلاقية للقانون ويعكس سيادة الله على شؤون البشر". وتابع "في سبيل إرساء العدالة، يجب أن نتضرّع إلى الله الكلّي القدرة ليمدّنا بالعطف والهداية".

رفع اتحاد الحرية المدنية الأميركي مجدداً دعوى ضدّ القاضي مور في المحكمة، وفي تشرين الثاني 2002، أمر قاضٍ في محكمة محلّية أميركية بإزالة النصب في خلال ثلاثين يوماً، بالاستناد إلى "بند اعتماد الدين" في "التعديل الأول". رفض مور الحكم واستأنف الدعوى. في تموز 2003، دعمت محكمة الاستئناف الدوريّة الأميركية بالإجماع القرار السابق وحدّدت تاريخاً لإزالة النصب في آب، وفرضت غرامة خمسة آلاف دولار على كل يوم تأخير. من النقاط المهمّة في البراهين القانونية للمحكمة أنّ النصب كان ليُعتبر مقبولاً، شأنه في ذلك شأن أنصاب كثيرة في أماكن أخرى، لو أنّه ركّز على الوصايا العشر كوثيقة تاريخية، باعتبارها جزءاً من القوانين والمدوّنات القانونية في الحضارة الغربية. غير أنّ المحكمة اعتبرت أنّ النصب ركّز على النواحي التوراتية والدينية للوصايا العشر، وكان تالياً رمزاً دينياً يشير إلى المقدّس (محوّلاً قاعة المحكمة "مكاناً مناسباً ومحفّزاً للصلاة")، مما عنى أنّه انتهك "التعديل الأول" الذي يحظّر دين الدولة.

نظّم قادة دينيون احتجاجات وتظاهرات، وراح مئات الأشخاص يسهرون على ضوء الشموع فينشدون التراتيل ويركعون ويصلّون على أدراج قاعة المحكمة، ويغنّون "بارك الله أميركا" إلى ما بعد منتصف الليل. وفي أيار 2003، نُظِّمت مسيرة ضخمة في العاصمة تحت عنوان "حملة صليبية كي ترتدّ أميركا إلى يسوع المسيح"، وأصبح مور يُعرَف ب"موسى ألاباما"، مما رسّخ بدوره تصميمه على تحدّي المحاكم.

في نهاية المطاف، عُلِّق مور عن العمل (المأجور) وأزيل النصب. لكن أشار استطلاع آراء أجري عند نزع النصب إلى أنّ 70 في المئة من سكّان ألاباما يدعمون مور. أكّد الجدل شعور عدد كبير من المسيحيين أنّهم مضطهدون بسبب انتماءاتهم الدينية. بدلاً من اعتبار "التعديل الأول" للدستور محاولة لحمايتهم من تدخّل الدولة واضطهادها لهم، رأوا أنّه يمنعهم من ممارسة معتقداتهم الدينية في شكل كامل. وأظّن أنهم ينظرون بعين الحسد أيضاً إلى الحركات الاجتماعية الجديدة التي كانت كلّها تقريباً ليبرالية منذ الستينات، مثل الحقوق المدنية وحقوق المرأة وحقوق الأقليّات وحقوق مثليّي الجنس ومناهضة الحرب. يريدون أن يتمّ الاعتراف بالأذى والإهمال اللذين يلحقان بهما، حتى عندما يكون هذا الظهور بصورة الضحيّة وهمياً. بعد الحادثة، أصبح مور مشهوراً جداً، فبدأ يحلّ ضيفاً على الصحف الوطنية وبرامج الحوار السياسية، وأصبح متحدّثاً شعبياً في الأوساط اليمينية. وتشير معلومات إلى أنّه ينوي الترشّح لمنصب حاكم ألاباما. وقد دفع المكلّفون في النهاية 550 ألف دولار من الرسوم القانونية المتوجّبة عليه، وما زالت مجموعة تدعى "كهنة كورال ريدج" تبيع أشرطة فيديو وأسطوانات رقمية باسمه على الإنترنت لجمع المال. وأخذت مجموعة من تكساس تدعى "أميركيون يدافعون عن الله والبلاد" نصب الوصايا العشر في جولة في مختلف أنحاء البلاد.

باختصار، ما يبدو في الظاهر أنّه محاولة لإدخال الديانة ورمز مقدّس، أي الوصايا العشر، في الدائرة السياسية، هو في الواقع صراع علماني بكل معنى الكلمة على السلطة السياسية. عنصر المقدّس، عنصر الخوف واللامعروف غائب كلياً هنا، يحصل الصراع بكامله وينكشف الحدث بطريقة واعية ومنطقية.

جون بورنمان