اختراقات أم نقاط ضعف؟

.ميشيل كيلو  - الخليج

 

ثمة خطاب شائع، يرى أن الوضع العربي عادي، وطبيعي، ولا يشكو من أية علل أو أمراض ذاتية، وإن كان يواجه مؤامرات خارجية تتم عن طريق اختراقات داخلية تهدد سلامة البلد وأمنه، تحمل طابعاً ديمقراطياً هنا وإسلامياً هناك، فلا بد أن يتعاون العرب على صدها بأي ثمن وأية وسيلة.

هذا الخطاب لقي رواجاً واسعاً في الأعوام الأخيرة، وتزامن مع إعلان الولايات المتحدة عزمها على إعطاء الأولوية لنشر الديمقراطية والحرية في العالم العربي  الإسلامي، بعد أن فشلت سياسة حفظ الاستقرار السابقة في حماية أمنها القومي، وظهر عجز نظم المنطقة العربية عن لعب دور ردعي كامل في الحرب على الإرهاب، لأن دوراً كهذا يحتم نقض السلم الأهلي في بلدانها، وشن حرب شعواء على قسم من شعبها، تزعم أمريكا أنه طرف في صراع عالمي معها، انخرطت واشنطن فيه بزخم عسكري وسياسي شديد عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول عام 2001 في نيويورك وواشنطن.

بتبدل طبيعة الصراع الدولي مع زوال الاتحاد السوفييتي، بدلت أمريكا أولوياتها التي كانت نظم العرب قد ألفت التعامل معها والعمل في إطارها، والتي صار مطلوباً منها بعد سبتمبر/ ايلول 2001 تبديل أولوياتها الداخلية، وطرق عملها، وإدارة شؤونها، ونمط علاقاتها مع مجتمعاتها. بما أن النظم بدت مترددة، لأنه ليس في مصلحتها الانخراط في صراع قد يعكر صفو الهدوء في بلدانها، فقد صنفتها أمريكا في خانة غير الأصدقاء، ولوحت بما تمتلكه من أدوات ضغط عليها، وأعلنت أنها ستعيد النظر في النظام الإقليمي برمته، الذي لا يجوز أن يبقى على حاله، ولا بد أن يتحول إلى نظام يمثل الحساسيات السياسية والثقافية والاثنية والاقتصادية المختلفة من جهة، ومن ينفتح على السوق العالمية، كي يحقق ما تطلبه صفات وشروط في الحكم الصالح، من جهة أخرى. في هذا السياق، كان أول غيث الابتزاز الأمريكي حديث بوش عن الشرق الأوسط الكبير، الذي تطور إلى تصريحات يومية حول إصلاح، بدا وكأنه معيار ستقاس به النظم والحكومات، وتتحدد بمعونته مواقف واشنطن منها، على ألا يكون هناك من الآن فصاعدا أي حل وسط مقبول: فإما إصلاح، وإما عداء يطال من لا ينفذون رغباتها من حكام المنطقة. وقد كان من الطبيعي أن تستغل واشنطن هذه الناحية أو تلك من نواحي حياتنا العامة، وتهدد بتفعيل ما فيها من نواقص وعيوب، يأتي على رأسها ثلاثة من الصعب أن يماري فيها أحد، هي: عوز الديمقراطية والحرية. تقادم النظم، وضرورة تجديدها في شرط دولي اغتربت عنه. وجود هوة هائلة في كل شيء بين فوق وتحت، وبين ما هو رسمي وما هو شعبي.

بدورها، ردت النظم على التحدي بنفي وجود مشكلة حرية وديمقراطية لديها، ونفي تقادمها، وقالت إن مواطنيها يتمتعون بقدر من المساواة والدلال عز نظيره حتى في واشنطن ولندن وبقية عواصم العالم المتقدم، وإن أمريكا ترتكب خطأ قاتلا عندما تطبق معايير مجتمعها وحضارتها وثقافتها على بلدان لا تنتمي إلى دائرة حضارتها المباشرة، وإن سياساتها الجديدة ناجمة عن سوء فهم، سببه عجزها عن رؤية واقع الآخرين والمختلفين عنها على حقيقته. وأضافت: إن ما تعتبره أمريكا نقاط ضعف هو في الحقيقة نقاط قوة، وإلا كيف تفسر بقاء النظم على حالها دون أي تغيير، رغم انهيار الاشتراكية وتغير الرأسمالية وتبدل العالم بأسره؟ وكيف لا ترى في الخمود الشعبي وضعف المعارضة موافقة وطنية عامة على سياسات النظم، وقبولا واسعا بما تقدمه لشعوبه من خيارات وبدائل؟

ماذا نسمي، في هذه الحالة، المطالبة المتزايدة بالحرية والديمقراطية؟ جواب النظم: إن ما نراه من تكتلات وتنظيمات تسمي نفسها ديمقراطية وتطالب بالحرية ليست غير مشاريع اختراقات خارجية تعكس رغبة الخارج في تقويض الأمر القائم، حيث ثبت بالخبرة التاريخية أن للديمقراطية والحرية قدرة كبيرة على اختراق وإضعاف الدول والمجتمعات المعادية للغرب وتفتيت وحدتها. وهكذا، فإن الخطر لا يأتي هنا من نقص الديمقراطية بل من المطالبة بها، ولا يرجع إلى حجبها عن الشعب، بل إلى إيقاظ الحاجة في نفسه إليها، وإيهامه بأنها ستنقله إلى حال أفضل من حاله الراهن!

بهذا الفهم، وبما يترتب عليه من مواقف، من الطبيعي أن ينغلق طريق الحوار الداخلي بين النظام والمعارضة، وأن يتم الامتناع عن القيام بإصلاحات تطال نقاط ضعف النظام، يعتبر ممثلوه إنجازها انصياعا للخارج وتهديدا للأسس التي يرتكز عليها الوطن بأسره، ولا يرون فيها تحصينا لأنفسهم ولبلدهم في وجه الأخطار، واستجابة لمطالب داخلية يزيل تحقيقها عيوبا، تجعل من السهل اختراق الأمر القائم، هي في حقيقة الأمر أوراق ضغط محتملة بيد الخارج يستحيل سحبها من يده بغير إصلاح يزيل ما في الواقع من نواقص وأزمات، ويعيد إنتاج النظام وعلاقاته مع شعبه على أسس جديدة، توافقية وتكاملية وفاعلة.

ثمة، مفارقات غريبة: هي أن النظام يعتبر المعارضة الداخلية أداة بيد الخارج، فيمتنع عن تحقيق أي مطلب من مطالبها، رغم أن تحقيقها يخدمه ويقويه. بينما الخارج الذي لا يريد قيام ديمقراطية حقيقية تحل مشكلات مجتمعاتنا الوطنية والقومية، وتساعدها على تجاوز أزماتها المتنوعة بقوة إرادتها الذاتية الحرة وحدها، هو الذي يضغط على النظام بمطلب الديمقراطية، التي لا يريد لها أن تتحقق، ويسعى، في الوقت نفسه، إلى إقامة صلات مع معارضة يتمنى لو كان هناك نظام قادر على قمعها. وفي حين تطالب المعارضة بمصالحة نظام يرفض الحديث معها والاستجابة لرؤيتها، نجدها ترفض حتى مجرد الحديث مع خارج يدعي مشاركتها أهدافها، يمكن لعلاقاتها معه أن تلعب دورا كبيرا في حمايتها وإضعاف خصومها.

كيف ستحل هذه المعضلات المعقدة والمركبة، ويخرج وطننا العربي من أزماته المستعصية؟ هذا سؤال يفتح على احتمالات كثيرة، ليست جميعها في مصلحتنا، إن بقي خيط التواصل والحوار والتفاعل مقطوعا بين حكوماتنا ومجتمعاتها!